الفصل 22
“أنا أُخرِجُك إلى العلن لأنّني مضطرّ أن أزوجك.”
كنتُ أعبث بفستانٍ ناصع البياض حلمَ أوائل الصيف، وأرتعش بشدّة.
كان كرهي الشديد الكونت ساتشيت عظيماً بلا حدود.
تذكّرتُ دوق إيسيكل الذي التقيته قبل فترة وجيزة، فتعمّق كراهيتي للكونت ساتشيت أكثر فأكثر.
المقارنة كانت لا تُطاق.
‘يقولون إنّ الإنسان لا يعود إلى ما كان عليه قبل أن يعرف.’
وهذا صحيح فعلاً.
فالأشياء التي كانت قابلة للتحمّل سابقاً أصبحت الآن صعبة للغاية.
‘لا أحب هذا المكان. أبداً.’
هيليوس أيضاً لا يجب أن يُربى في عائلة ساتشيت.
فالانحراف أمر حتمي إذا نشأ في مكان كهذا.
ربما السبب في حبسه لبيلييت في الرواية الأصلية هو عدم معرفته كيف يطلب المحبّة.
لا أتمنّى أن تنتهي قصّتي على هذا النحو، لكنّني أعتقد أنّ سبب تصرّف هيليوس في الرواية بذلك الشكل، هو عجزه عن قول جملةٍ واحدة فحسب:
“أحبّيني.”
“ولو قليلاً… أحبّيني.”
…أمرٌ بهذه البساطة.
‘في الحقيقة هيليوس الآن طيّب القلب للغاية.’
ورغم أنّني أحياناً أشعر بقشعريرةٍ في عنقي، فلا يمكن إنكار طبيعته اللطيفة أساساً.
لا أريد لذلك الطفل أن يُفسد.
أتمنى أن يكبر على نحو سليم، وأن يلتقي بشخصٍ طيّب.
حتى ان لم أكن أنا ذلك الشخص.
“هل تودّين تجربته؟”
“نعم، و استدعي هيليوس أيضاً، فسنحتاج إلى تمرين الرقص. سيكون من الأفضل أن نتدرّب عليه مرتدين هذا.”
“حسناً، سأحضّر خادمة.”
عليّ أن أهرب إذن.
‘لقد وعدت بأن تتحقق أمنيّتي.’
هناك أمل.
قبل الذهاب إلى مهرجان رأس السنة، تحدثتُ مع دوق ايسيكل، وأعطيته عطري.
قال لي إنّه لا بأس أن أبكي إن أردتُ ذلك في لقائنا القادم.
‘إذاً، سأجرب كما فكّرت. اليوم هو اليوم.’
بعد قليل.
ارتدينا أنا وهيليوس ملابس مهرجان رأس السنة ووقفنا مقابل بعضنا.
“أنتِ جميلة حقاً، بيلي.”
احمرّت وجنتا هيليوس وهو يبتسم بخجل.
“وأنت أيضاً تبدو جيداً، هيليوس.”
كان هذا الثناء صادقاً تماماً.
كانت ملابسه العادية من قميص خفيف وسروال قصير أنيقاً وجميلاً، فكيف والآن وقد ارتدى عباءةً تتدلى على كتفه؟
كان يملك هالةً مهيبة.
“هذا هو الأسلوب، أليس كذلك؟ حركات الرقص.”
“نعم، أنتَ جيد.”
وعلاوة على ذلك، كان يتقن الرقص.
‘هل هذا ما يُسمّى بالفطرة؟’
هيليوس يفهم عشرة أشياء لو عَلّمته شيئاً واحداً.
تعلم بسرعة رقص السالون وأصبح شريكاً متقناً للحركات، لدرجة أنني شعرت بأنني أنا من يجب أن أرتكز عليه أكثر.
“……”
رقصنا في الصالون دون موسيقى.
تراقصت طيّات ثوبي المنتفخة فوق السجادة الناعمة، كأجراس اللّيل.
ظلّ هيليوس يراقبني بعينين تضحكان، وكأنّه يرى أجمل شيءٍ في العالم، ما جعلني أشعر بالحرج.
لماذا تنظر إليّ هكذا؟
هل بسبب مفعول دوميستيكير؟
“هل هذه الحركات كلها تستغرق ثلاث دقائق؟ صحيح؟”
“أجل.”
فجأة توقف هيليوس، فارتجفتُ.
رقص الأطفال لا يستمر طويلاً.
ثلاث دقائق فقط، فلماذا بدا وكأنها ثلاث ساعات؟
لو كان بإمكاني، كنت سأرقص إلى الأبد.
‘عليّ أن أستفيق. يبدو أنّني أصبحت أنا من يروي هذا الصبي، لا العكس.’
تركت يد هيليوس واتجهت إلى النافذة.
كنت أتنفّس بعمق، محاوِلة تهدئة أنفاسي المرتفعة، وأبرد وجنتيّ المحمرّتين.
“نونا، الماء هنا.”
“…شكراً.”
نظر هيليوس إلى يدي الفارغة للحظة، ثم أحضر لي كأس ماء.
أمسكت بالكأس بيدَين مرتجفتين وشعرت أنّ هذه اللحظة هادئة فعلاً.
كان هذا البيت دائمًا يفيض بالتوتر بسبب الحوادث، لكنّه كان هادئاً اليوم.
“نونا.”
ناداني هيليوس ثانية.
“لو فعلتُ شيئاً خاطئاً، فقط أخبريني فوراً. فأنا ما زلت أتعلم وأرتكب الكثير من الأخطاء…”
“ها؟”
“هل غضبتِي لأنّي فعلت شيئاً خاطئاً؟”
كان هذا الكلام غريباً جدًا.
صبيّ يجيد كلّ شيء، ثم يقول ذلك بشيء من الحيرة.
لكنّه بدا صادقاً، وعيناه المتجهمتان تُظهران حزنه.
“لم تمدحيني بكلمةٍ واحدة، فابتعدتِ.”
“!”
“ظننتُ أنّي أخطأت، فسامحيني يا نونا. سأحاول أن أكون أفضل.”
لم يكن هذا ما أريده.
رؤية هيليوس محبطًا كأنّ أحدهم يغرز قلماً في قلبي.
هل كان شعوري بأنني أروضه هو مجرد وهم؟
‘حسنًا، هو لم يتجاوز الثانية عشرة بعد.’
وهو أيضاً منقذ حياتي.
همستُ لنفسي، ربما كنت قاسية للغاية.
ومع ذلك ظلّ هيليوس واقفاً كالأرنب الحزين، متهدلاً.
تنفستُ بعمق، واقتربت منه لأمسك يده مجدداً.
“آسفة. لقد فعلتَ كلّ شيءٍ بشكلٍ ممتاز. لا يوجد شيءٌ لم تُحسنه.”
“حقاً؟”
“نعم، حقاً. وإذا رقصتَ هكذا في مهرجان رأس السنة، فسيكون ذلك كافياً.”
لا شكّ أن كلّ النبلاء سينتبهون إلى هيليوس هناك.
فلا عجب في ذلك.
ففي مظهره هذا تتدفّق جاذبية تدمّر القلوب بلا رحمة.
ولو نضج أكثر، لربّما كانت قدرته على هدم الممالك حقيقية.
“أنا تعلّمتُ ذلك من أجلك. إذا لم تكوني بحاجةٍ إليّ، فكل ما تعلمته سيكون بلا فائدة.”
“كيف تقول ذلك؟ ما تعلّمته سيصبح ذا فائدة لك.”
أنتَ ستصبح قريبًا دوق إيجييف.
و… سأكون أنا من يأخذك إلى دوق ايسيكل.
كنتُ في قرارة نفسي أتمنّى بصدق أن يستعيد هيليوس مكانته المستحقّة.
هو ليس من الأشخاص الذين يستحقّون أن يفسدوا في مثل هذا المكان.
‘لكنّ الأمر غريب بعض الشيء.’
لماذا بقي طفل بموهبته العظيمة بهذا القدر فترة طويلة بجانب “بيلييت” في الرواية الأصلية؟
‘لا توجد منطقية في ذلك.’
لو كنتُ مكان هيليوس، لفررت منذ زمن.
‘بالحق، لو فكرت في الأمر، هذه الرواية غامضة كثيراً.’
ما زلت لا أذكر عنوانها، والمحتوى يركّز بشكلٍ مفرط على الحبكة الرومانسية بين البطلين.
بل وأكثر غرابةً، أنني بالكاد أتذكر مشاهد مفصلة، فقط ملخّصات قصيرة للحبكة.
‘لم يُذكر سبب سقوط عائلة دوق إيجييف. فقط قيل إنّها سقطت، وانتهى السرد.’
والأكثر إرباكًا…
من كنتُ، قبل أن اتجسد في هذه الرواية؟
***
تتساقط الأسئلة التي لم تُجب مثل حبات الرمل، ومرّ الوقت حتى جاء الليل.
وانطلق أخيرًا مهرجان رأس السنة الذي كنت أعدّ الدقائق لبدئه.
كوننا مجرد عائلة كونت، وجب علينا الوصول قبل بداية الحفل بساعات كي لا نزعج النبلاء من الطبقات العليا الذين سيأتون لاحقًا.
ولذا بدا الكونت ساتشيت وريتشارد غاضبين جدًا، أما أنا فكنت على العكس تمامًا.
‘سأراه مجددًا قريبًا. دوق ايسيكل.’
هل استخدم عطري؟
هل اكتشف فعاليته؟
اعتمادًا على طريقة استعماله، قد تكون له قوة مخيفة.
‘لا يمكن لرجل بمقام دوق ايسيكل ألا يقدّر قيمتي.’
المسألة الآن، هل أنا ذات فائدة لعائلة ايسيكل…؟
“بيلييت.”
“نعم، والدي.”
ابتسمتُ برقة وأجبتُ بخضوع حين ناداني الكونت.
لم أُظهر أي علامة على تشتيت أفكاري حتى الآن.
“اليوم، ستكونين أكثر آنسة تلفت الانتباه في قاعة الحفل.”
“نعم.”
“احذري تصرّفاتك، ولا تسمحي لأي شائعات سيئة أن تنتشر عنك بعد اليوم.”
“سأحرص على ذلك، يا والدي.”
رددتُ على تحذيره برقة وأنا أفكّر في كلام مختلف تمامًا.
‘اليوم هو يوم سقوطك، ومع ذلك تظل منشغلًا بالهموم التافهة.’
التعليقات لهذا الفصل " 22"