الفصل 21
لم يكن ذلك من المعلومات التي تثير اهتمامه في الأصل، غير أنّه، ولسببٍ ما، غاص فيها حتى الأعماق.
راح أراغون يفرك صدغه بتكاسل.
“اسمي هو بيلييت ساتشيت! أرجو أن تتذكّرني.”
هو لا ينسى.
ولذلك، فقد كفّ منذ زمنٍ طويل عن الاهتمام بأيّ شيءٍ في هذا العالم.
ثمّ ظهرت فجأةً تلك الطفلة التي تشبه الوردة، متفتّحةً بلونٍ قرمزيّ وسط عالمٍ أبيض وأسود، عديم الألوان.
الأطفال بطبعهم كائناتٌ نابضةٌ بالحياة… لكن ليس بهذه الدرجة.
فهم لا يملكون وجهًا يجهل كيف يبكي.
‘هذا مقلق.’
تنهّد بعمق.
كان أراغون، على وجه الخصوص، ضعيفًا أمام الأطفال الصّغار.
طبعًا، لا أحد في بابل يفوقه سنًّا، لكنّه يقصد أولئك الذين يُعدّون صغارًا وضعفاء بحسب معايير البشريّة، ولم يبلغوا الرّشد بعد.
“أيمكنك أن ترشّ عليّ من هذا العطر؟ أريد أن أعرف ما هو هذا الوهم الذي يتحدّثون عنه!”
“لكنّك قبل قليل قلت إنّه قد يكون سامًّا، وطلبت أن أرشّه في الخارج.”
“أوه، متى قلتُ شيئًا كهذا؟ أنا لم أقل ذلك تحديدًا!”
“ههه، طبعًا.”
ردّ أراغون على ميخائيل بفتور، وهو يمسك بزجاجة عطر صغيرة كأنّها لعبة أطفال، ويتأمّلها لحظة.
عادةً ما يُرشّ العطر على المرفقين في الصيف، لكنّه لا يشعر بالحرارة أصلًا، ولا يرتدي ملابس تكشف عن بشرته.
فهو رجل من الطّراز القديم، ولم يعتد بعد على صيحات الموضة العصريّة.
‘ممم… المعصم قد يكون أنسب إذًا.’
تششش!
خرج العطر بنعومة بالغة.
رشّه أوّلًا على معصم ميخائيل، ثمّ رشّ القليل على معصمه هو أيضًا، واقترب ليشمّ الرّائحة.
حتى تلك اللحظة، لم يخطر بباله شيء.
لم يشعر بأيّ طاقةٍ سحريّة في العطر.
ولم يكن فيه أثرٌ لطاقةٍ شيطانيّة كذلك.
بل كان نقيًّا، آمنًا تمامًا.
“أبي!”
لكن… ما الذي يحدث هنا بحقّ السماء؟
“أبي، توقف عن النوم ولو قليلًا!”
“……!”
“لقد وعدتني أن تذهب معي إلى النزهة اليوم! كفى قراءةً للكتب!”
كان قبل لحظةٍ فقط داخل عربة الخيول، وهو متأكّد من ذلك.
إذًا، لا شكّ أنّ ما يراه الآن مجرّد وهم.
‘لكن… لماذا؟’
يُحسّ بلمسة اليد الصغيرة التي تسحب ذراعه.
دفءُ جسدِ طفلٍ صغير يلامس جلده كأنّه حقيقيّ، ما جعله يقطّب حاجبيه في حيرةٍ وارتباك.
“أبي؟”
لكنّ هذا الوهم لم يكن يحمل أيّ ضرر.
لم تكن تعويذةً خبيثة تهدف إلى تضليله.
بل كان فقط، فقط لطفًا غير محدود.
معجزةً نسجها قلبُ طفلةٍ أرادت أن تُحِبّ وتُحَبّ بكلّ ما أوتيت من طاقة.
وفجأةً، أدرك أراغون ما هي هذه القوّة.
“هاه.”
عطرٌ يُريك من تشتاق إليه ومن تودّ لو تراه مجدّدًا…
أطلق ضحكةً قصيرة، وهو يسحب الكتاب الذي كان يغطّي وجهه.
هو يعلم أنّ هذا مجرّد وهم، لكن… ألا يحقّ له أن يستمتع به قليلًا؟
ولو للحظةٍ قصيرةٍ فقط، لِمَ لا يعيش هذه الكذبة الجميلة؟
“حسنًا، لنذهب. كنتَ تترجّاني بالأمس كي نذهب في نزهة، أليس كذلك؟ ما زلت أتذكّر ذلك بوضوح.”
هو قادر الآن على الحديث بلطفٍ شديد.
لكن لماذا، لماذا لم يستطع أن يكون كذلك في ذلك الوقت؟
“حقًّا؟! إذًا ستذهب معي الآن؟ حقا؟!”
حين نهض فعلًا، ابتسمت ابنته ابتسامةً عريضة.
لكن الحقيقة هي…
في ذلك اليوم، لم يكن لطيفًا معها.
كان منغمسًا تمامًا في سعيه المحموم نحو طبقةٍ أعلى.
في ذلك الزّمن، كان شابًّا متغطرسًا ومتهوّرًا، يركّز فقط على ما أمامه، ويغفل عن كلّ ما هو ثمينٌ حقًّا.
“أبي، انظر! فراشة!”
كي يصعد للأعلى… ليخترق المرحلة التالية…
كان يعتقد أنّه إن بذل مجهودًا أكثر قليلًا، فسوف يبلغ هدفه.
لذا…
تخلّى عن عائلته قبل كلّ شيء.
ظنّ أنّه لن يندم.
ظنّ أنّهم سيظلّون في مكانهم كما تركهم.
‘في لحظاتك الأخيرة، كنتِي قد بكيتِ كثيرًا… لدرجة أنّك لم تعودي قادرةً على البكاء.’
شَعرٌ بلاتينيّ يتمايل بين الزّهور.
طفلته، تلك التي حظي بها منذ زمنٍ بعيد… تبتسم له.
ما يراه الآن ليس مشهدًا من حلمٍ حقيقيّ، فهو لم يره يومًا في الواقع.
بل هو مجرّد أمنية تجسّدت على هيئة وهم.
‘ليت الأمور كانت كذلك. ليتها… كانت كذلك فقط.’
ابنته بعدما كبرت، لم تعد ترجوه للذهاب في نزهة.
لم تعد تلقي عليه التّحيّة، ولا تشدّ على ذراعه.
“هذا ما كنتَ تريده، أليس كذلك؟ أن لا أكون مصدر إزعاج.”
قالتها بوجهٍ مرهق، منهك.
“لن أزعجك بعد الآن. أنا فانِية، وأنت خالد. كنّا من البداية مخلوقَين من عالمين مختلفين. حين فكّرت بهذه الطريقة، استطعت أن أتقبّل كلّ شيء.”
وسط هذا الوهم العذب، غاص أراغون في الذكريات.
الندم الذي لطالما تجاهله، ظلّ حيًّا بداخله، يتّقد أمام عينيه بوضوحٍ مؤلم.
كان قلبه يتألم بشدّة، وفي ذات الوقت يغمره السّرور حدّ الموت.
فحقيقة أنّه قادرٌ على تحقيق رغبة ابنته، ولو في وهم، كانت بحدّ ذاتها نعمةً عظيمة.
“تبًّا…”
هذا فعلًا… أمرٌ بالغُ الحَرَج.
ما إن انتهى الوهم، حتى أطلق أراغون تنهيدةً خافتة.
لم يكن يتوقّع هذا.
جاءته المفاجأة بسرعةٍ صاعقة، ما جعل أثرها يتضاعف في قلبه.
“أميي!!”
وإن كان هو بهذا الحال، فكيف بميخائيل؟
حدق أراغون بميخائيل الذي كان يصرخ بصمتٍ، ثمّ مدّ يده وربّت على كتفه برفق.
“كان وهْمًا.”
“آه…!”
“على ما يبدو، الطفلة التي ابتلعتها الغابة في يومٍ ما… ها هي الآن تتجوّل في عالم البشر.”
“هاه؟ ما الذي تعنيه، سيّدي؟”
سأل ميخائيل وهو يرمش، لكنّ أراغون لم يُجِب.
‘كانت أمنيتها… أن تغادر العائلة التي هي فيها الآن.’
لم يكن أراغون يصغي إلى كلمات البشر.
بل كان يسمع ما يتسرّب من داخلهم… من صدقٍ حقيقيّ.
لذلك، لم يكن أحدٌ قادرًا على خداعه.
إلا إن قرّر هو أن يُخدَع.
“أحضر لي تقريرًا عن تلك الفتاة التي يهتمّ بها أَمون. اسمها بيليت ساتشيت.”
“هاه؟ أ-أجل، حاضر!”
كان أنف ميخائيل محمرًّا.
خلع نظّارته المستديرة ومسح عينيه، ثمّ شَهَق قليلًا وتناول قلمًا ريشة.
أراغون، وهو يراقب ذلك المشهد، أغمض جفنيه ببطء.
‘كنت قد أقسمت ألّا أتدخّل مجدّدًا في شؤون البشر بعد أن فقدت ابنتي…’
لكن… هذا موقفٌ حَرِج.
بالغُ الحَرَج.
التعليقات لهذا الفصل " 21"