الفصل 20
فقد كنتُ قد أنهيتُ صنعها وخبّأتُها في صدري قبل أن يظهر هو.
“سأعود حالًا.”
“إيّاكِ أن تحاولي خداعي.”
“أيعقل؟”
دُووم.
مع كلّ خطوةٍ يبتعد فيها آمون، كان قلبي يضطربُ أكثر فأكثر.
حتى ضلوعي بدأت تؤلمني.
أخذتُ أتنفّس بعمق عدّة مرّات وأنا أُلهث، ثمّ قبضتُ يدي بقوّة.
‘يجب أن ألحق به.’
ما يزال الوقت مناسبًا.
لا يزال بإمكاني الوصول إليه.
الرجل خرج من بين الجموع المهووسة واختفى خارج قاعة المزاد.
قفزتُ واقفة ما إن تيقّنت من الموقف، وسارعتُ بالتحرّك في الطريق الذي خرج منه.
سرتُ أولًا على عجل، ثمّ سرعان ما وجدتُ نفسي أركض.
“انتظر، أرجوك! لحظة فقط!”
هل سبق أن ناديتُ أحدًا بهذا القدر من التوسّل في حياتي؟
أجزم أنّني لم أفعل.
وما إن لمحتُ ظهره من بعيد، حتى صدحتُ بأعلى صوتي:
“أردتُ أن أُعطيك شيئًا، أرجوك… فقط لحظة…”
كان صدري يؤلمني كما لو أنّه يتمزّق.
وحتى فمي أصبح بطعمٍ غريب.
رغم أنّني خضتُ تدريبات شاقّة على الرقص الاجتماعي، إلا أنّني لم أكن معتادة على هذا النوع من الركض، ولهذا كنت ألهث من مجرّد هذه المسافة.
لا، لا بدّ أن ألحق به…!
المخرج… هناك…!
“لقد وعدتُكِ بأن أُحقّق أمنيتكِ، أليس كذلك؟ ما الأمر، صغيرتي؟”
لكني دُهشتُ حين توقّف الرجل فجأة أمام بوّابة الخروج.
اصطدمتُ به بعنف، فرفعتُ رأسي وأنا أفرك جبيني بسرعة.
في هذه اللحظة، لن أُمثّل.
لا أريد أيّ قناع.
‘مع هذا الشخص… التمثيل لا ينفع أساسًا.’
فور أن التقت أعيننا، أدركتُ ذلك.
أدركتُ ما يعنيه أن يكون المرء “كائنًا متجاوزًا”، من أولئك الذين تجاوزوا حدود البشر وهم في أجسادٍ بشريّة.
أمام هذا الرجل، أنا – بل أيّ إنسان – لستُ سوى فأرٍ صغير.
‘يجب أن أكون صادقة. وحدها الحقيقة قادرة على تحريكه.’
نزعتُ قناع الورد الأبيض.
ثمّ توجّهتُ بكلّ صدقي نحو صاحب النظرات الباردة حتى القشعريرة.
نحو دوق إيسيكل، وقلت:
“هدية. أردتُ أن أقدّم لك هدية.”
“هدية؟”
نبرة صوته الرزينة حملت بعض الدهشة.
رفعتُ بصري لأُقابل عينيه القرمزيّتين الناظرتين إليّ من علٍ، وردّدتُ في داخلي بيقين:
‘لا شكّ في ذلك. إنّه دوق إيسيكل!’
في الرواية الأصلية، كان دوق ايسيكل ساحرًا عظيمًا لا يملك القدرة على الإحساس بالمشاعر.
لكن… كان هناك استثناءٌ واحد فقط.
أمام الأطفال، كان يظهر جانبًا ضعيفًا.
وإن استمع الدوق لحديثي، فلا بأس لديّ أن أتصرّف كطفلة صغيرة.
‘لكن… لماذا؟ لماذا أشعر وكأنّي على وشك البكاء؟’
ذلك الرجل الضخم انحنى لي، بكلّ طواعية.
رجلٌ لا حاجة له لأن ينحني حتى أمام الإمبراطور… فعل ذلك فقط ليستمع إليّ.
مجرد تلك المعاملة، كانت كافيةً لتغمر عيوني دموعًا عجيبة.
“هذه… أردتُ أن أُعطيك إيّاها. صنعتُها بنفسي.”
“أهي نفس العطر الذي عرض في المزاد؟ أنتِ من صنعه؟”
“رغم أنّه قد يبدو غريبًا، إلّا أنّني أمتلك قدرة صناعة عطورٍ خياليّة. وأردتُ إهداءك واحدًا منها.”
لكنّ هذا ليس ما كنتُ أنوي قوله.
كنتُ سأقولها بطريقةٍ أكثر اتزانًا، بابتسامة هادئة، كما أعتدتُ.
أخفي مشاعري وأتحدّث برقةٍ مصطنعة.
ظننتُ أنّني قادرة على ذلك…
لكنّني أشعر الآن وكأنّني عارية تمامًا.
قوّة هذا الرجل كانت هائلة، ورائحته التي تصلني تُرعبني إلى درجة الرعشة.
أمام كيانٍ عظيمٍ ومهيبٍ بهذا الشكل، لم أعد قادرة على إظهار أيّ كذب.
“سآخذها.”
“آه…!”
“سأثق بكِ، وأستخدمها. فلا تبكي، صغيرتي.”
هل بكيتُ؟ أنا؟
لمستُ طرف عينيّ بدهشة، ثمّ تراجعتُ خطوةً إلى الخلف.
لكن… لا شيء.
عينيّ جافّتان كما هما دائمًا.
“ليس من الضروري أن تنهمر لتُدعى دموعًا. سأستخدمها شاكرًا.”
“……!”
مدّ يده نحو رأسي ووضعها بلطف.
ثمّ راح يربّت عليّ برفق، فجمُدتُ مكاني، لا أعرف كيف عليّ أن أُبدي ردّة فعلي.
كلّ ما فعلته هو التحديق في عينيه القرمزيّتين، عيني دوق إيشكال.
كانت تشبهان شمس المغيب، وقد استقرّت فوق أرضٍ موحشة متشققة.
فحتى في أرضٍ لا يسكنها أحد، يمكن للضوء أن يكون رحيمًا.
“في لقائنا القادم، إن رغبتِ بالبكاء، فافعلي.”
عينيه الخاليتين من أيّ تعبير ظلّتا كذلك حتى النهاية.
ومع ذلك، لم يكن في ذلك البرود ما يُزعجني، بل كان أقرب إلى… عزاء.
ربما لأنّ حياتي مليئة بالابتسامات الزائفة.
أن يُقال لي إنّه لا بأس ألّا أبتسم… تلك كانت راحةً حقيقيّة بالنسبة لي.
لذا أنا…
“أتمنّى رؤيتك في احتفال رأس السنة القادمة.”
…رغم كلّ ذلك، قلت ما أردتُ قوله.
“اسمي بيلييت ساتشيت! أرجوك، تذكّرني!”
حتى حين استدار وغادر، لم أنسَى أن أُطلق اسمي عاليًا.
فدوق إيسكيل لا ينسى.
لذا، ما إن يسمع اسمي، فلا بدّ أنّه سيحتفظ به في قلبه.
***
“أوه، ما هذا العطر؟”
بمجرّد أن صعد العربة، خفض أراغون غطاء رأسه.
واصطدم قرطا أذنيه البرتقاليان ببعضهما، مطلقين رنينًا رقيقًا.
في الوقت ذاته، انسكبت خصلات شعره البلاتينية اللامعة بعدما كانت مخفيّة.
رغم أن عمره مجهول، إلا أنّه لا يزال شابًّا وجميلًا.
إنّه سيّد أسرة ايسيكل، والساحر الأعظم الأوحد في بابل.
أراغون ميريت إيسيكل.
مرّر يده سريعًا في شعره ليرتّبه، ثمّ ناول عباءته لمساعده الواقف قرب العربة، قائلاً:
“إنّه هدية.”
“هاه؟! حضرتك استلمتم هدية؟! ألم تقول سابقًا إنّك لا تقبلون شيئًا من أحد؟”
“أعطتني إيّاها طفلة باكية.”
قالها أراغون بجفاف وهو يحدّق في زجاجة العطر.
الزجاجة الصغيرة التي بدت أصغر من أن تليق بيده، كانت تلمع بألوان الطيف وكأنّها مصنوعة من الأوبال.
تمامًا كتلـك الطفلة.
“آه يا سيدي، ما زلتم ضعيفا أمام الأطفال كما عهدتك.”
“هذا صحيح.”
“وماذا لو أهدتك طفلةٌ سمًّا؟ ستقبله أيضًا؟”
“لن يؤثّر عليّ على أيّ حال، فما المشكلة؟”
لو كانت لديّه قدرة على الموت، لكان قد مات منذ زمن.
لكنّ الموت نعمة لم يُمنحها، ولهذا فقط هو لا يزال حيًّا.
لقد جرّب كلّ وسائل الموت، ولم ينجح.
“إذًا، هل ستُجرّب هذا العطر؟”
“بالطبع. اعطته لي لأجل ذلك.”
“هل أُغلق أنفي؟ إن كان مسمومًا، فسيكون قاتلًا بالنسبة لي.”
قال مساعده، ميخائيل، مازحًا.
فرفع أراغون حاجبه ردًّا عليه.
وكأنّه يقول: ‘أيّ مزاح هذا؟ وأنا قد طبقتُ عليك عشر طبقات حماية بالسحر.’
“آه، جرّبه فحسب. يبدو أنك متشوّق.”
“قيل لي أنّ هذا العطر يُقدَّر بعدّة مليارات.”
“ماذا؟!”
ميخائيل، الذي كان على وشك العودة إلى أوراقه، التفت إليه بصوتٍ كاد يُسمع منه صرير مفاصل رقبته.
أيّ عطرٍ في العالم يُباع بهذا السعر الجنوني؟
حتى لو كانت الزجاجة مصنوعة من الألماس، فلن تصل لهذا الرقم!
“لحظة، العطر… أرجو أن تُجيبني على شيء.”
“همم؟”
“هل هو… ‘أنخيلّو إليميتادو’؟”
“أتعرفه؟”
أراغون لم يكن يهتمّ بتفاصيل العالم من حوله.
السياسة، إشاعات النبلاء، أو حتى شهرة بعض المنتجات – كلها أمور لا تعنيه.
فكلّ شيءٍ في النهاية يتلاشى.
يختفي… ثمّ يندثر.
كما كان في الماضي، وسيظل كذلك… حتى يحين موعد موته.
لذا، من الطبيعي أن يجهل ما يُتداول حاليًا عن العطر الخيالي.
لكنّ هذا لا يعني أنّ مساعده يمكن أن يجهله أيضًا.
“ذاك عطرٌ أسطوري لا أحد يعرف من صنعه! هناك ماركيز مهووس بأنخيلّو إليميتادو، حاول بكلّ ثروته أن يعثر على صانعه، لكنه فشل!”
“همم.”
“بل يُقال إنّ عائلة تارين، المتخصّصة في التجارة، أطلقت شبكتها السريّة للعثور على الصانع!”
الغراب الأسود، كما يُعرف، هو اسم شبكة المعلومات التابعة لدوق تارين.
وقيل إنّه لا توجد معلومةٌ في العالم تفلت منهم.
“ومع ذلك، لم يتمكّن أحد من معرفة من يكون!”
“هُمم.”
ظلّ أراغون يردّ بهدوءٍ فقط بـ”همم”، رغم حماسة ميخائيل الشديدة.
وكان ذلك لأنّه لم يعرف كيف عليه الردّ.
“بل إنّ العطور الخياليّة لا تُباع إلا في السوق السوداء الجديدة <سنّ التمساح>، ويُشرف على توزيعها شخص يُدعى آمون. نفس المكان الذي كنتم فيه قبل قليل!”
“هكذا إذًا.”
“لكن كيف حصلت عليه؟ هل فزت بالمزاد؟ أم كيف؟ لم نسمع بأيّ مزادٍ اليوم للعطور الخياليّة! لو عُلم بذلك، لكان عدد الزبائن عشرات أضعاف ما كان عليه.”
التعليقات لهذا الفصل " 20"