الفصل 19
ساد همسٌ صاخب في المدرّجات بفعل الرقم الطاغي.
عشرون مليار؟
هل هو أحمق ثريّ؟
أم أنّ لتلك القطعة قيمةٌ حقيقيّة تبرّر هذا الرقم؟
مهما كان السبب، فغايةُ الرّجل الذي نطق بعشرين مليارًا كانت واحدة لا غير.
لقد أراد فرض هيمنته، حتى لا يجرؤ أحد على مدّ يده إلى “عين مردوخ”.
أن يُنادي برقمٍ يزيد على السّعر السّابق بستّ مرّاتٍ أو يزيد، فذلك إنذارٌ بحدّ ذاته.
‘لا تلمسوها.’
فإن تجاهل أحد هذا التحذير المدفوع، وتمادى في الطمع، فلن تكون نهايته بخير.
‘عقلًا ومنطقًا، عدد من يستطيعون دفع عشرين مليارًا في هذا البلد… لا يتجاوزون عددًا يُعدُّ على الأصابع.’
لكنّ التطفّل على هويّة الزّبائن كان من المحرّمات.
“كانت تلك التي رغبتِي بها، أليس كذلك؟”
قالها آمون، الذي راقب الوضع ثمّ نطق ببطء.
توجّستُ من أنّه سيُقدم على أمرٍ طائش، فسارعتُ بالرّد:
“لا بأس، كان هناك أحجارٌ كريمة أخرى أعجبتني أيضًا.”
رغم أنّ تلك كانت الأحبّ إلى قلبي…
لكن لم أكن من النوع الذي لا يهدأ له بالٌ إن لم يحصل على ما يشتهيه، لذا قرّرت تجاوز الأمر ببساطة.
ولولا أن آمون أمسك بمعصمي ورفعه عاليًا على نحوٍ هازئ، لكنتُ نسيتُ الأمر برمّته.
“أوووووه! عرضٌ جديد! عرضٌ جديد بقيمة ملياريْن!”
هذا الوغد المجنون!
حتى لو كانت الدّفعة مزوّرة، فإضافة ملياريْن على عشرين هو جنونٌ مطلق.
عضضتُ شفتي وكتمتُ شتيمةً كادت تفلتُ من لساني.
ما كنتُ لأرغب بأن أُسلَّطَ عليّ الأنظار بهذا الشكل…!
“ألَم تكن طفلة؟”
“إنّ آمون بجوارها.”
“آه، إذًا ليس تصرّفًا عشوائيًا.”
“تبدو وكأنها تلك الغريبة المشهورة.”
“هووه…”
مئات الأعين التفتت إليّ دفعةً واحدة.
ومن بينهم، كان الرّجل الذي نطق بعشرين مليارًا أيضًا، إذ استدار ناحيتي ثمّ رفع يده من جديد.
“خمسة مليارات إضافيّة! العرض الآن سبعةٌ وعشرون مليارًا!”
يا للعجب.
ارتفع المبلغ بسرعةٍ خرافيّة.
رغم أنّ سبب ذلك يعود للرجل الذي بدأ بعشرين مليارًا، إلا أنّ المشكلة الحقيقيّة كانت تدخّل آمون.
رأيتُ بوضوحٍ الوميض المتوحّش في عينيه البنفسجيّتين وهو يرفع معصمي مدّعيًا أنّني أنا السبب.
من يقع فريسة لأحلام آمون السوداء لا مفرّ له من العذاب.
فجيبه سيُنهب حتى آخر فلس.
‘إن ارتفع المبلغ أكثر، فذاك ربحٌ لنا. وإن لم يفعل، فنحن لا نخسر شيئًا، فالنقود مزوّرة على أيّ حال.’
لكنّ من يُطحن بين الحيتان هو أنا وحدي.
“م-ما الذي ستفعلونه؟”
سأل المقدّم بصوتٍ مرتجف.
أدار آمون وجهه نحوي وابتسم بمكرٍ مستفزّ.
وكأنّه يقول إنّني من طلب إضافة الملياريْن من البداية.
“فما رأيكِ؟”
ضحكتُ ضحكةً جافّة، كمن أصيب بالذهول.
ما معنى “ما رأيكِ”؟ وما الذي يُفترض بي فعله؟
ذلك الرّجل الذي يطمع في العقد لا بُدّ أن يكون من أصحاب السّلطة الحقيقيّة. لا شكّ في ذلك.
فهل يُعقل أن أستفزّ شخصًا كهذا؟
كنتُ على وشك أن أومئ بالرّفض فورًا، لولا أنّ…
رجلًا يعتمر عباءةً ثقيلة وقف من مقعده وتقدّم نحوي بخطًى حازمة.
“هووه.”
أوقفتُ آمون بامتداد ذراعي كي لا يُقدم على حماقة، ثمّ رفعتُ رأسي بهدوء لأُواجه الرّجل.
في العُرف، لا يُسمح بمغادرة المقعد أثناء ارتفاع العرض.
لكن لا أحد في القاعة تجرّأ على الاعتراض.
كان طويل القامة، ذا بُنيةٍ تشي بأنّه فارسٌ تمرّس في التدريب لسنوات.
كلّ خطوةٍ منه تنبضُ بالإيقاع، ونبرته تحمل رزانةً ملكيّة من زمنٍ غابر.
دون أن يفعل شيئًا، يجبر خصمه على الانحناء.
كان يحمل حضورًا يفرض التقدير دون جهد.
“يا صغيرتي.”
ثمّ، جثا الرّجل على ركبةٍ واحدة أمامي.
خفض مستواه ليقابل نظري، كما لو كنتُ طفلةً صغيرة.
لم أرَى عينيه تحت غطاء عباءته، لكنّ هيبته كانت كافية.
“ذلك الشيء ضروريٌّ لي. إن رغبتِ، سأجلب لكِ ما يُشابهه. فهل تتكرّمين بالتنازل عنه لي؟”
“……!”
“أرجوكِ.”
…ما الذي يمكنني تسميته بهذا الإحساس؟
لحظة، إنّه…
‘أجل، تذكّرت. هذا ما يُسمّى بالاحترام.’
الرّجل احترمني.
رغم أنّه لا يُجبر على ذلك بمكانته، أتى إليّ، شرح الموقف، وطلب إذني.
أن أشرح نُبله سيكون مضيعةً للكلمات.
في لحظة المفاجأة، نسيتُ ارتداء القناع للحظات.
‘قلبي… يختنق.’
شفتاي ترتجفان خِفْيَة.
هل لأنّني عشتُ طويلًا كدميةٍ بلا روح؟
لأنّ شخصًا لا يضطرّ إلى ذلك عاملني كإنسانة، فاضت من صدري مشاعرٌ حارقة.
“يا للأسف.”
لكنّ آمون كان يحدّق بي بعيْنَين لا ترمشان.
لحسن الحظ، كان القناع يُغطّي وجهي بنسبة كبيرة.
كتمتُ اضطرابي بأقصى ما استطعت، ورفعتُ طرف شفتيّ بابتسامة مصطنعة.
“أنا أيضًا أريده.”
“حقًا؟ هذا يعقد الأمور.”
هذا ما كان آمون يريده، دون شك.
لكنّه في ذات الوقت، منحني فرصة نادرة.
فرصةٌ لتأمل الرجل أكثر، ولو لبضع جمل فقط.
‘هل هو فارس؟ أم من العائلة المالكة؟ يبدو في أواخر الثلاثين أو أوائل الأربعين. لكن نبرته توحي بعمرٍ أكبر.’
مرّت عشرات الأفكار في رأسي خلال ثوانٍ معدودة.
فالواقع، هذه أوّل مرّة أتحدّث فيها حديثًا حقيقيًّا مع أحد خارج العائلة منذ أن تمّ تبنّيّ.
وأيّ حديث؟ مع شخصٍ عاملني باحترام.
“هل ترغبين بشيءٍ آخر؟ قولي ما تشائين.”
أرجوك، أخرجني من منزل آل ساشيه.
من تكون، لا يهم.
إن كنتَ أفضل من ذلك المجرم، اللورد ساشيه…
‘أرجوك. أنقذني من هذا الجحيم.’
لكن رغم رغبتي العارمة، خرجت الكلمات مختلفةً من فمي:
“إذًا، عندما نلتقي مجدّدًا… أتمنّى أن تُحقّق لي أمنية.”
كلماتٌ لن تتحقّق.
وعْدٌ سيضيع في الهواء.
لكنّها بدت كأمنيةٍ بريئة، طفوليّة، ولطيفة.
وفجأة…
‘الرائحة!’
تلك الرائحة التي شممتُها سابقًا اجتاحتني بكثافة لا تُطاق.
آه، إنّه شعورٌ خانقٌ حدّ الدوخة.
‘إنّه هو!’
سعدتُ بمعرفتي، لكنّ صدري ضاق.
الرّائحة الكثيفة تسلّلت عميقًا في رئتيّ.
كأنّني أبتلع أمواجًا لا تتوقّف، شعرتُ أنّني… امتلأتُ تمامًا.
“سمعتُ أمنيتكِ. وأعدكِ باسمي المجهول، أنّني سأنفّذها يومًا ما.”
قيود؟
لا.
بل أشبه بعباءةٍ تغطّيني كلّيًا.
الرّائحة المتدفّقة من الرجل اجتاحتني من رأسي حتى أخمص قدميّ.
وخلال ذلك، كنتُ مسلوبة الحواس.
‘عيناك… قرمزيّتان!’
في اللحظة التي وقف فيها، التقت عيني بعينيه الجافّتين، الخاليتين من أيّ ابتسامة.
كانتا بلون ذلك العقد المعروض تمامًا.
لون الغسق، كجوهرةٍ نحَتتْها أشعّة المغيب طبقةً تلو أخرى.
وأنا… أعرف من يكون صاحب هذا اللون.
“إذًا، تُباع ‘عين مردوخ’ للزبون رقم 66!”
صرخة المقدّم دوّت في أرجاء المكان، وتلاها صوتٌ باهت يقول إنّ الرّجل سيأخذ القطعة حالًا.
كنتُ لا أزال مصدومة حين وخزني آمون في وجنتي، لأفيق بصعوبة.
لكن قلبي لا يزال يخفق بجنون.
“أعطني العطر. حان الوقت لعرضه في المزاد.”
“همف، لا.”
“لا؟”
“إن سلّمتُه لك، فستأخذ عمولة حالًا.”
لا أعلم ما الذي أقوله.
لكن لساني، الذي دُرّب على مدى سنوات، نطق بتلك الجملة بكلّ هدوء.
“أوه، اكتشفتِ خدعتي.”
ولحسن الحظ، يبدو أنّ اضطرابي لم يُكتشف، لأنّ آمون بقي كما هو.
“لكن إن صعدتِ بنفسكِ، فسيكتشف والدكِ قدرتكِ. فهل تُخاطرين بذلك؟”
بالطّبع لا.
رميته بنظرةٍ مستنكرة، ثمّ أخرجتُ زجاجةً من “أنخيلو إليميتادو” من بين طيّات ملابسي.
زجاجةٌ واحدة.
فقد صنعتُ زجاجتين فقط في السابق، ولا سبيل لآمون أن يعرف ذلك.
التعليقات لهذا الفصل " 19"