‘لا أفهم أيّ نقطة أعجبته بالضبط. يقول إنّه يشعر بالأسف، فكيف يكون مسرورًا؟ ألا يُفترض أن يشعر بالسوء؟’
على أيّ حال، ما دام قد وافق، فلا حاجة للإطالة في الحديث.
تبعتُ آمون إلى أسفل… ثمّ إلى أسفل أكثر.
ذلك المكان المظلم أصلًا كان في السابق حلبة قتال غير قانوني، ثمّ جرى تحويله إلى قاعة مزادات.
الكراسي تحيط بالمسرح على شكل دائريّ، وكلّما ابتعدت المقاعد إلى الوراء، ازدادت قيمتها.
فهي مواقع يسهل منها الهرب في حال وقوع أيّ طارئ.
“إنه آمون.”
“آمون بنفسه.”
“أليس هذا هو ذاك الـ…”
بدأ الحاضرون يهمسون حينما رأوا آمون.
المشكلة الوحيدة، أنني بوجودي بجانبه، أصبحت محطّ أنظار الجميع أيضًا.
“من تكون تلك الآنسة؟”
“من لباسها يتّضح أنّها نبيلة لا شكّ.”
“آه! سمعتُ عنها من قبل! آمون ذاك مغرمٌ بأخته الصغيـ… كوخ!”
شعرت وكأنّ أحدهم أُخِذَ أنفاسه الأخيرة.
لم تكن حاسة سمعي ممتازة كحاسة الشمّ، لذا نظرتُ خلفي مستغربة.
“ما الأمر؟”
سألني آمون بلهجة كسولة.
“ظننتُ أنّي سمعتُ صرخة.”
“لا بدّ أنّكِ توهّمتِ.”
“حقا؟”
صحيح، ما الفارق في ذلك أصلًا؟
طالما لم تكن صرخة صادرة من فمي أنا، فكلّ شيءٍ بخير.
لقد عشتُ حياتي وسط تهديداتٍ مستمرّة بالموت، لذلك أصبحتُ لا أُبالي كثيرًا بشؤون الآخرين.
أنا مشغولةٌ كفايةٌ بالنجاة بنفسي.
“والآن، سنبدأ بالمزاد رقم 991!”
ظهر المقدّم فجأة، وجذب انتباه الجميع.
كان آمون لا يزال جالسًا بقربي، ووجوده الملاصق لي مزعج، لكن لم يكن بوسعي طرده.
لأنّ آمون، بشخصيّته الملتوية، سيُصرّ على البقاء إن قلتُ له أن يذهب.
“قلتِ إنكِ ستشترين جوهرة.”
“أجل.”
“أيّ واحدة ترغبين بها؟”
أخذتُ كتالوجًا ناولني إيّاه آمون، وبدأتُ أتصفّحه سريعًا، أحدّد ما أريده، إلى أن توقّفت في المنتصف.
لقد كان عقدًا يجذب العين منذ اللحظة الأولى.
بدقّة أكثر، ذلك القلادة التي تتدلّى منه، بلونها القرمزي، كانت تخطف الأنفاس.
“عين مردوخ؟”
الاسم غريبٌ بعض الشيء، لكنّ الشرح الموجز تحته زاد من فضولي.
“عقدٌ أثريّ عُثِر عليه في أنقاض الحدائق المعلّقة. الحجر المزيّن به لا يُشبه الألماس ولا الياقوت. معدنٌ غير معروف، لكنّه يتلألأ تحت ضوء الشمس بجمالٍ فريد.”
وبينما أقرأ، مدّ آمون إصبعه وضرب بخفّة على القلادة المرسومة في الكتالوج.
“وصاحب هذا العقد كان يتعرّض للّعنات جيلاً بعد جيل. كلّ بيتٍ اقتناه دمّره هذا العقد، إلى أن انتهى به المطاف هنا.”
“حقًا؟”
لا أدري إن كان يحاول إخافتي أم لا، لكنّ كلامه لم يؤثّر فيّ.
أمورٌ خياليّة ولا واقعيّة كهذه، لم أعايشها، ولم أرها بعيني.
أنا لستُ من النوع الساذج الذي يُصدّق ما لم يلمسه بنفسه.
في النهاية، الشيء يبقى شيئًا.
إن رأيتُ اللعنة تنبعث من هذا العقد بعيني، حينها فقط سأصدّق.
“أريد هذا.”
“جريئة.”
أطلق آمون صفيرًا ساخرًا.
‘أيّ لعنةٍ أفظع من كوني وُلدتُ في هذه العائلة؟’
وإن كان الكلام صحيحًا، فهذا العقد سيجعل خراب آل ساتشيت أكثر حتميّة.
في كلتا الحالتين، أنا الرابحة.
“المال؟”
“أحضرتُه.”
“من والدكِ؟”
سؤاله مبطّنٌ بالريبة، كأنّه يسألني إن كان مالًا مزيّفًا.
اكتفيتُ بإيماءة صغيرة.
في النهاية، ذلك الذي طرح العقد في هذا المزاد ليس نقيًّا أيضًا.
الأشخاص الشرفاء يُودِعون بضائعهم في المزاد الملكي الرسمي، لا هنا.
قدومه إلى هذا المكان دليلٌ كافٍ على أنّه شخصٌ فاسد.
ولهذا، فإنّ الكونت ساتشيت لم يتردّد في خداعه.
فهو لا يملك حتّى حقّ التقدّم بشكوى.
‘إذًا، ستكون هذه الجوهرة هي اختياري…’
أما عطري، فسأطرحه في نهاية المزاد كمنتجٍ خاص.
البقاء مستمعةً لبقيّة المزاد رغم قلّة اهتمامي به كان أمرًا مملًّا، لكنّني كنتُ صبورة.
“أوه، ها هو قد ظهر.”
قال آمون، وهو مسنِدٌ ذراعه إلى كرسيّي، مشيرًا إلى الأمام.
هناك، تحت دائرة الضوء، ظهر العقد.
“آه! هذا العقد، يصلح كهديةٍ مثاليّة لمن تودّون لعنهم!”
ضحك الجمهور من تعليق المقدّم.
“مردوخ، إلهٌ من العصور القديمة في هذه البلاد! يُقال إنّه قتل التنّين الشرّير، ومن جسده صنع العالم. إنّه إله الخلق!”
ألهذا الحدّ كان مردوخ عظيماً؟
إذًا، فإن تسمية جوهرةٍ ملعونة باسمه تبدو مبالغة.
‘على الأرجح، كلّها كلمات ترويجٍ لجعل سعر البداية مرتفعًا.’
اتّكأتُ على يدي، أستمع بلا حماس.
“يُصوّر مردوخ غالبًا في هيئة تنّينٍ عملاق، لأنّ التنّانين كانت أذكى الكائنات وأقدمها في ذاك الزمان. لم يكن البشر قد وُجدوا بعد، بل كانت الأرض مليئة بالتنانين!”
أثناء حديث المقدّم الذي أخذ يُطنب في الوصف، كان آمون يلفّ خصلةً من شعري بأصابعه يلعب بها بملل.
صفعتُ يده مرّتين بضجر، لكنّه استمرّ بعناد، فاستسلمتُ في النهاية.
في هذه الأثناء، أصبحت أكاذيب المقدّم أكثر إسرافًا.
“مردوخ، إلهٌ يرى كلّ شيء، وأصلٌ من أصول السحر! فهل تتخيّلون قيمة ما يُسمّى ‘عين مردوخ’؟ من ذا الذي سيكشف عن قيمتها الحقيقيّة يا ترى؟”
إلى متى سيستمرّ هذا الكلام الفارغ؟
بدأت أشعر بالملل حقًّا، فشرعتُ أتأمّل الوجوه الجالسة في الجمهور.
من كلّ هؤلاء الناس، كم واحدًا يعيش مثلما أعيش؟
هل هم سعداء؟ هل يملكون عائلاتٍ دافئة؟
تساؤلات سخيفة، أعلم… لكنّي كنتُ أفكّر بها أحيانًا.
التعليقات لهذا الفصل " 18"