الفصل التاسع والخمسون: نُدبة الماضي وضجيج القاعة الكبرى
(POV: كاي)
في زاوية مظلمة، تفوح منها رائحة الرطوبة والغبار من ممرات مدرستي القديمة، كنتُ؛ ذلك الكيان المقبع أرضاً بملابس ممزقة ووجه ملطخ بالتراب وذل الانكسار.
كان هناك فتية يضحكون بسخرية مقيتة و مقززة تخترق أذنيّ كخناجر صدئة، منكمشاً على نفسه كجثة هامدة وهم يوجهون لي الركلات الواحدة تلو الأخرى، وكأن جسدي الهزيل لم يكن سوى كيس للملاكمة.
«انظروا إليه، حيواننا اللطيف يوهان الذي لا يملك صوتاً ليصرخ به حتى!»
كنتُ أغلق عينيّ بقوة، وأتمنى في أعماقي لو تنشق الأرض وتبلعني.. لو يختفي وجودي من هذا العالم تماماً.
كان شعور العجز يطبق على أنفاسي، وبرودة الوحدة تنهش روحي، بينما تملأ رائحة الصدأ والتراب رئتيّ…
«هاي كاي! استيقظ.. كاي، استيقظ!»
تلاشى المشهد فجأة كدخان تذروه الرياح، وانفتح جفناي على سقف الغرفة الفخم، وصدى صوت إليان الملحّ.
وضعتُ يدي على وجهي، وشعرتُ برعشة طفيفة تسري في أطرافي، و بعرق بارد يكسو جبيني، ودقات قلبي تتسارع وكأنني كنتُ أركض لأميال.
«هااه.. لقد كان حلماً مريعاً»، تمتمتُ بصوت مبحوح وأنا أزفر زفرة طويلة محاولاً طرد بقايا الكابوس من صدري.
“إنها المرة الأولى منذ انتقالي لهذا الجسد التي أرى فيها ذلك الماضي القبيح.. وكأن عقلي الباطن يذكرني بما كنتُ عليه”.
(POV: إليان)
خطوتُ نحوه بخطواتٍ واثقة، والابتسامة المعتادة ترتسم على وجهي وأنا أستعد لإلقاء دعابة صباحية تكسر حدة توتر اليوم المرتقب. مددتُ يدي لأدفعه للنهوض من فراشه بعبث: «هاي كاي، لقد تأخـ…».
وفجأة.. تجمدت الدماء في عروقي.
ماتت الكلمات في حنجرتي وتراجعتُ خطوة للخلف دون وعي.
لم يكن كاي الذي أعرفه هو من فتح عينيه؛ بل كان كياناً آخر تماماً.
في تلك اللحظة، شعرتُ بموجةٍ من الضغط الغاضب والخفي تنبعث من جسده، ضغطٌ لم يكن سحرياً بالمعنى التقليدي، بل كان “هالةً” ثقيلة كأن جبلٌ أطبق على المكان.
كانت ماناه تضطرب في موجات صامتة لكنها حادة، وكأنها نصلٌ غير مرئي.
نظرتُ إلى عينيه، ولم أجد فيهما بقايا النوم، بل وجدتُ تجهماً حاداً ونظرة باردة غائرة، تحدق في العالم بكراهية لم أشهدها من قبل.
كانت نظرة رجلٍ عاد للتو من الجحيم ولا يزال يحمل لهيبه في حدقتيه.
جفلتُ لا إرادياً، و شعرتُ بقشعريرة تسري في عمودي الفقري؛ ففي تلك الثانية، خُيل إليّ أن وحشاً عتيقاً كان نائماً في أعماق صديقي الهادئ، وقد استيقظ للتو وهو يشتهي الافتراس.
حاولتُ استعادة رباطة جأشي، فلكزتُ كتفه بخفة بيدي محاولاً تحطيم ذلك الجمود السام الذي بدأ يطبق على المكان، وسألتُ بنبرة حاولتُ جعلها عادية رغم الاضطراب: «هاي.. هل هناك خطبٌ ما؟ هل انت بخير!».
(POV: كاي)
كنتُ لا أزال شارداً في تفكيري المرير، أحاول نفض غبار المدرسة القديمة عن عقلي، حتى أعادتني لكمة إليان للواقع. سألني بنبرة لم تخلُ من القلق المدارى: «هل هناك خطب ما؟ هل انت بخير».
استعدتُ اتزاني بصعوبة وأنا أشعر بكياني يتشظى بين هويتين، في تلك اللحظة، شعرتُ بحركة إيدن الرقيقة، وسمعتُ صوته الطفولي في وعيي يهمس بنقاء: <هل أنت بخير يا كاي ما خطبك؟>.
أغمضتُ عيني لثانيه وأجبته ذهنياً بنبرة حاولتُ جعله مطمئناً: <أوه، أنا بخير يا إيدن.. مجرد حلم غير سار، لا تقلق>.
ضحكتُ بوهن أمام إليان محاولاً إخفاء ارتباكي، بينما كنتُ أردد في داخلي:” ذلك الماضي.. سيبقى هناك، في القاع. لن أسمح له بالخروج”.
(POV:إليان)
استعاد كاي رشده تدريجياً، وكأن الروح عادت لجسده للتو، ورأيتُ تلك الهالة المرعبة تتراجع وتختفي داخل أعماقه بنفس السرعة التي ظهرت بها، وكأنها سرٌ لا يريد لأحدٍ أن يراه.
رمش بعينيه عدة مرات، وأدركتُ من ملامحه المرتعشة قليلاً أنه فطن، إلى أن تعابيره الفتاكة قد فضحت ما كان يدور في قبو عقله المظلم.
في تلك اللحظة، رأيتُ “إيدن” يتململ بحركة انسيابية، ملتفاً حول معصمه يحك رأسه الصغير بجلد كاي وكأنه يشعر باضطراب رفيقه، و يحاول مواساته أو امتصاص غضبه.
ابتسامة باهتة وجهها كاي لإيدن الصغير، ثم نظر إليّ بنفس الأبتسامه:
«أوه.. لا شيء أنا بخير، بخير تماماً.. هاهاها».
ضحك كاي ضحكة واهنة، جافة، تفتقر لأي نبرة من الصدق، ضحكة مفتعلة لم تصل إلى عينيه اللتين ظلتا تحملان بريقاً غامضاً من الحزن والغضب، كان يحاول بيأس إخفاء ارتباكه خلف ذلك القناع الهزيل.
حدقتُ فيه بتمعن، شعرتُ برغبة في كشف كذبته لكنني تراجعت.
فكرتُ بسخرية مريرة: “هاه.. أنت فاشل حقاً في إخفاء مشاعرك يا أحمق، هالتك تفضح كل ما تحاول كتمانه”.
ثم قلتُ بلهجة عملية: «حسناً، استعد بسرعة، لا نريد التأخر عن حفل التقديم!»
(POV: كاي)
حدق إليان فيّ بتمعن للحظات، كانت عيناه تنقبان خلف قناعي الهزيل ببحثٍ دقيق، ثم زفر بقلة صبر.. وابتعد قليلاً وهو ينفض يده في الهواء قائلاً: «حسناً، استعد بسرعة، لا نريد التأخر عن حفل التقديم!».
قفزتُ من سريري بذعر، والغطاء يتطاير خلفي: «يا للهول! لقد نسيت تماماً!».
—-
وبعد الاستحمام؛ وغسل وجهي بالماء البارد لأطرد بقايا تلك الذكريات، خرجت وبدأتُ بارتداء الزي الرسمي للأكاديمية بحركات سريعة ومنظمة.
من خلفي، رأيتُ إليان عبر المرآة وهو يرتدي عباءته بتأنٍ مبالغ فيه، يملس على القماش وكأنه يستعد لعرض أزياء لا لمواجهة قادمة. ثم قال ونبرته تحمل وزناً جديداً: «اليوم هو الموعد يا كاي.. سيتم الإعلان في الساحة الكبرى».
التفتُّ نحو الكرسي، حيث استلقت العباءة الزمردية. أخذتُها بين يديّ، وشعرتُ بملمس قماشها الفاخر والبارد ينساب بين أصابعي. كانت ثقيلة، ليس بوزن نسيجها، بل بما تمثله من قيود ومسؤوليات.
رقبني “إيدن” من فوق الوسادة، مائلاً برأسه الصغير وعيناه تلمعان ببريقٍ مشجع: <سوف تناسبك كثيراً يا كاي، تبدو كملكٍ صغير بها>.
ارتديتُ العباءة ببطء، لتستقر فوق كتفيّ كدرعٍ رمزي، وأجبته في وعيي بصوتٍ هادئ يحاول طمأنة نفسي أولاً: <هل تعتقد ذلك حقاً يا إيدن؟ أتمنى ألا تخنقني بوزنها فحسب>.
وقفتُ أمام المرآة أحاول تعديل ياقة ردائي بدقة أمام المرآة، وغرقتُ للحظة في التفكير: “أتمنى أن يمر هذا التقديم على خير، فإني أشعر بإرهاق ذهني غريب اليوم.. هل هو بسبب ذلك الحلم؟ أم أن روحي تستشعر عاصفة قادمة؟”.
قطع حبل أفكاري صوت إليان المتهكم وهو يتكئ على إطار الباب، متألقاً بزيه الذي بدا وكأنه صُنع خصيصاً ليناسب كبرياءه الأنيقة كالعادة: «هل انتهيت من مغازلة المرآة؟ أعتقد أنها بدأت تملّ من ملامحك».
بدأ إليان يتفحص أظافره بلامبالاة مصطنعة، لكن عينيه كانتا تراقبان ردة فعلي بذكاء: «أتعلم يا كاي؟ الجميع بالخارج يحبس أنفاسه لرؤية “المستجدين” الذين زاحموا الكبار على مقاعد المجلس. الأجواء هناك مشحونة أكثر من غيمة صاعقة، والهمسات تكاد تمزق الجدران».
ضحك إليان بخفة، وفي تلك اللحظة، قفز إيدن من فوق السرير بحركة رشيقة ليستقر فوق كتفي، مخفياً جسده الصغير تحت طيات العباءة الزمردية.
أشرتُ لإليان بيدي نحو المخرج: «فلنذهب، أعتقد أن سيلفان ينتظرنا منذ دهر عند بوابة السكن».
رد إليان وهو يحث الخطى، وعلى وجهه ابتسامة جانبية: «لقد كان متحمساً لدرجة أنني أشك في أنه أغمض جفنه ليلة أمس، سيلفان يأخذ هذه الأمور بجدية مفرطة».
خرجنا من الغرفة، وعند البوابة الكبرى، لمحنا سيلفان يقف بظهره المستقيم كأنه تمثال من الرخام، لكن المفاجأة كانت في الشخص الواقف بجانبه.. “روز”.
و بمجرد أن وقعت عيناه علينا، اقترب سيلفان بخطوات واثقة وابتسامة هادئة: «كاي، إليان. أين كنتما؟ لقد بدأتُ أشك في أنكما عدتما للنوم».
أشار إليان نحوي بسخرية لاذعة: «السيد كاي الموقر هو السبب، يبدو أن جماله في المرآة سحره لبعض الوقت».
تجاهلتُه وقلتُ بهدوء: «اعذروني على التأخير، كان صباحاً معقداً بعض الشيء».
تحول نظري نحو روز التي كانت تقف بوضعية دفاعية؛ و كان يحيطها هدوءً مريباً: «همم؟ ماذا تفعلين هنا؟» سألتُ باستغراب.
أمالت روز رأسها ببرودٍ مصطنع، وضمت يدها إلى صدرها بكبرياء: «بما أننا في نفس السنة الدراسية، فمن الطبيعي أن نذهب معاً ككتلة واحدة».
سخر إليان ضاحكاً وهو يضم يديه هو الآخر محاكياً حركتها: «هوو.. هل هذا ما يقوله الشخص الذي صرّح سابقاً بأنه لا يريد رؤية وجوهنا المزعجة مرة أخرى؟».
احمرّ وجه روز قليلاً وشاحت بنظرها بعيداً وهي تتلاعب بخصلة من شعرها: «احم.. لا أعلم عما تتحدث!».
ثم استعادت نبرتها الحادة وهي تراقب المحيط بنظرات ثاقبة: «على كلٍ، أليس علينا الرحيل من هنا؟ نظرات “غير المرغوبة” تحيط بنا كذباب القمامة».
نظرتُ حولي بهدوء، كانت أروقة الأكاديمية تضج بحياةٍ لا ننتمي إليها. همسات الطلاب كانت تحفّنا كطنين مزعجة، ونظراتهم الفضولية والعدائية تصطدم بظهري.
وضعتُ يدي في جيبي، ثم قلتُ بجمودٍ لم تهتز نبرته: «أنتِ على حق.. لنذهب».
انطلقنا نحن الأربعة؛ سيلفان بمشيته العسكرية المتوترة، وإليان الذي بدا وكأنه يملك الممر، وروز التي كانت تطلق شرارات تحليل بعينيها لكل من يقترب.
و في منتصف الطريق، شعرتُ بثقلٍ يجثم على صدري، تلك الذكريات وما تلاها من أحداث جعلتني أزفر تنهيدة عميقة وطويلة.
«حقاً.. ما خطبك اليوم يا صاح؟». مال إليان نحوي، والابتسامة لا تفارق وجهه.
مسحتُ وجهي بيدي، محاولاً طرد ذلك الشعور الغريب: «أعتقد أنني مرهق فقط.. هذا كل ما في الأمر».
«أو ربما أنت متوتر من الوقوف أمام الجميع؟». ضربني بكتفه بمزاحه المعتاد.
أجبته بسطحية وأنا أشيح بنظري عنه: «لا.. ولكن، كيف سيكون التقديم بالضبط؟».
رفع إليان رأسه قليلاً، مستمتعاً بدور الشارح: « مثل ما قلت لك سيتم تقديمنا رسمياً في القاعة الكبرى، ولكن قبل ذلك، علينا المثول أمام المدير والأساتذة في مقر المجلس لتعريفهم بأنفسنا بالكامل.. أسماؤنا، ورتبنا، وعائلاتنا».
توقفتُ ذهنياً للحظة، لاستيعاب ما قاله: «هذا يعني أنني سأضطر لقول اسمي كاملاً؟».
«أوه، أجل، هذا بروتوكول»، رد إليان ببساطة.
ابتسمتُ بمرارة، وأنا أتخيل الموقف: «جيد، ربما حينها يدرك ذلك الأشقر والحمقى الآخرون أنني أمير، وأن وجودي هنا ليس باختياري بل هي سياسة الأكاديمية.. لعلهم يتوقفون عن النظر إليّ بتلك الطريقة المستفزة».
انفجر إليان ضاحكاً، وضرب ظهري بقوة جعلتني أترنح قليلاً: «لا أعتقد ذلك يا صديقي».
قال بابتسامة اتسعت لتكشف عن نذالةٍ مبطنة: «تلك القاعدة التي أخبرك بها المدير.. عن أن انضمامك للمجلس إلزامي لأنك أمير؟ لقد اختلقها المدير آرسلان من وحي خياله!». ثم أضاف وهو يرفع يده بلامبالاة: «يبدو أنه فعل ذلك فقط ليجعلك تبتلع الطعم وتتقبل المنصب دون جدال!».
تسمرتُ في مكاني. شعرتُ بدمي يغلي فجأة، أنزلتُ رأسي حتى غطى شعري عينيّ، وبدأت يدي ترتجف بانزعاجٍ مكتوم: «إليان! أيها النذل.. لقد أيدتَ كلامه في ذلك اليوم!».
هز كتفيه ببرودٍ يثير الجنون:«لم أؤيد كذبته، أنا فقط أيدتُ حقيقة أنك أمير.. الباقي كان مجهوداً شخصياً منك لتصديقه!».
بعثرتُ شعري بعنف: «يا لك من مراوغ… لماذا لم تخبرني منذ البداية!».
شعرتُ بالخديعة تنهش عقلي.” ذلك المدير الثعلب أوقع بي في فخه منذ اللحظة الأولى، كان عليّ أن أعرف أن الصدق لا يسكن في مكتبه!”.
تنهدتُ تنهيدةً بدت وكأنها تخرج من قاع روحي.
وإذا بصوت إيدن الطفولي ينبعث في وعيي، ليزيد من حنقي وهو يستهزئ بي: <كاي المسكين.. لقد تم خداعك تماماً مثل الأطفال! هيهي!>.
<إيدن.. هل تريد أن أنقر على رأسك الصغير؟> هددته وأنا أرفع يدي بحركةً رمزية.
فرأيته ينكمش ويختبئ تحت العباءة الزمردية، مغير نبرته لتمثيل دور الضحية: <لا شكراً.. أنا مجرد وشاحٍ بريء.. هيهي> ضحك بتوتر وهو يختفي تماماً.
(POV: سيلفان)
كنتُ أسير بجانبهم بخطواتٍ موزونة، لكن قبضة يدي كانت مشدودة بقوة حول مقبض سيفي لدرجة أن مفاصل أصابعي ابيضّت.
كان هناك ثقلٌ جاثم على صدري، شعورٌ بالمسؤولية والخوف من تكرار فوضى المرة الماضية. تمتمتُ بصوتٍ خافت لم يسمعه غيري: «أتمنى حقاً ألا يكون هناك قتالٌ اليوم..».
كنتُ غارقاً في هواجسي، ولم ألحظ أن عينيّ كاي كانت تلاحقان حركتي المتوترة.
التقت نظراتنا لوهلة، ورأيتُ في عينيه تساؤلاً صامتاً، وكأنه يقرأ القلق المعتصر في ملامحي: “هل هو بخير؟”.
لم أجب، بل اكتفيتُ بابتلاع ريقي وأنا أشد ظهري أكثر، محاولاً استعادة نفسي كفارس، أتطلع نحو الباب الضخم لمقر المجلس الذي انتصب أمامنا كبوابة للجحيم.
وما إن مدّ كاي يده وفتح الباب، حتى انشق الهواء بعنفٍ مرعب.
لم يكن مجرد هواءً، بل كان إعصاراً مكثفاً غادراً.
تشششفت!ــــــــ
انطلقت موجة حادة من الرياح المضغوطة، مشبعةً بقوةٍ سحرية غاشمة، اتجهت كالصاعقة نحونا كانت تهدف لاقتلاعنا من أماكننا.
جفلتُ وتراجعتُ خطوة غريزية، وشعرتُ بضغط الرياح يلفح وجهي، يدي تحركت لي تسل السيف بسرعة البرق، لكنني كنتُ أبطأ من أن أصد هجوماً بهذا القرب.
ثم حدث ما جعل أنفاسي تتوقف.ــــــــ
لم يرتجف، لم يتراجع، بل ولم يرمش حتى. ــــــــ
كاي لم يتزحزح قيد أنملة. رأيته يرفع يده ببراعة مذهلة، حركة انسيابية هادئة خلت من أي ارتباك.
تجمدتُ في مكاني، لكن عينيّ كانت معلقة بظهـر كاي.
في جزءٍ من الثانية، شعرتُ بتدفقٍ مرعب للمانا في عروقه، طاقة باردة وحادة انبعثت من كفه.
وبحركة خاطفة، وجه دفقاً مضاداً من السحر الصرف؛ لم يصطدم بالرياح فحسب، بل بددها بـ طنينٍ خافت، لتتفتت في الهواء كأنها لم تكن، تاركةً عباءته الزمردية ساكنة تماماً، وكأن الهجوم لم يكن سوى وهمٍ عابر.
ساد الصمت، وتلاشى الغبار السحري تحت وطأة نبرة كاي التي قتلت أي أمل في المزاح، نبرة غارقة في برودٍ جليدي لم أعهده: «ما هذا الهراء الآن؟».
نظرتُ خلف مصدر الهجوم، فكان ذلك الفتى الغاضب، “ريو”.. صاحب الهالة العدائية المعهودة.
رأيتُ ملامحه القاسية تتهاوى دفعة واحدة؛ اتسعت عيناه باستغراب تام، ثم ضاقت نظراته بتفاجئ مستتر كاد أن يفضحه.
لا ألومه حقاً على هذا الذهول، فما فعله كاي لم يكن مجرد صد، بل كان استعراضاً للقوة والتحكم المطلق.
كان هدوء كاي وهو يواجه هجوم ريو الصاعق شيئاً يفوق المنطق.. شيءٌ مبهر لدرجة تجعلك تشعر بضآلتك أمامه.
«صدٌ موفق.. يا أنت!» نطقها ريو بنبرة منزعجة، محاولاً يائساً استعادة كبريائه الجريح، لكن نظراته المشتتة فضحته.
(POV: كاي)
وصلنا إلى وجهتنا دون أن نضيع ثانية واحدة في التردد. دفعتُ الباب الضخم بكلتا يدي، وما إن انفتح حتى استقبلنا هجومٌ “أخرق” بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ دفقات من الرياح الحادة والمكثفة كانت تستهدفنا مباشرة.
لم أفكر مرتين، ولم أسمح لعنصر المفاجأة بأن يربك توازني، لم يكن الأمر يستحق استجابةً قتالية كاملة.
رفعتُ يدي اليمنى في مسارٍ دائريٍ قصير، وجعلتُ المانا تتدفق من عروقي بسلاسة مطلقة، لا كجدارٍ صلب، بل كإعصارٍ صغيرٍ مضاد.
لم يكن مجرد صدّ، بل استخدمتُ تقنية [التوجيه الانسيابي]؛ جعلتُ المانا الخاصة بي تغلف رياح الخصم وتنساب معها بدلاً من الاصطدام بها، مما سمح لي بسحب قوتها وتشتيتها فجأة لتتبخر في الهواء وكأنها لم تكن.
«ما هذا الهراء الآن؟» قلتُها بنبرة هادئة خالية من أي انفعال، بينما كان الغبار السحري لا يزال يتراقص في الهواء.
أنه تقنية معقدة تعلمتُ أصولها من “تيامار”. لقد استغرق الأمر مني وقتاً طويلاً وجلسات تدريب منهكة حتى أتقنتُ فن سحب مانا الخصم وتشتيت قوتها في لحظة التلامس.
أتذكر جيداً كيف أن جدي، برغم صرامته المعهودة التي لا تلين، قد امتدح هذه المهارة تحديداً، واصفاً إياها بـ [المهارة المخادعة] لأنها تجعل الخصم يشعر وكأنه يضرب الفراغ.
وقبل أن ينقشع الضباب تماماً، جاءني صوت ذلك الفتى المستفز “ريو” من الداخل: «صدٌ موفق.. يا أنت!».
في زاوية خفية من عقلي، فكرتُ بانزعاج: “هذا الفتى الأخرق مرة أخرى..”.
في نفس اللحظة، سمعتُ “إيدن” وهو يتثاءب بتململ، قبل أن يهمس بصوتٍ طفولي: <لقد دخلنا إلى عش الدبابير المجنونة حقاً.. هااا، سأعود لقيلولتي، أيقظني حين يبدأ المرح الحقيقي>.
اقترب إليان مني وعلى وجهه علامات انزعاج واضحة: «ما خطب هذا الهجوم المفاجئ؟».
رد ريو بابتسامة متغطرسة: «إنه مجرد اختبار صغير للسيد الشاب إلـ…»لم يكمل جملته، إذ هوت صفعة قوية “مجلجلة” على قفاه من الخلف، جعلت رأسه يترنح للأمام.
«أيها الأحمق! ألن تتوقف عن أفعالك الصبيانية؟» صرخت سليا بغضب وهي تنفث أنفاسها المشتعلة.
ثم التفتت نحونا بملامح اعتذارية مكسوة باليأس: «أوه، أنا آسفة.. لقد نهرته عن فعل ذلك مراراً لكن هذا الأحمق.. لا يتعلم».
و أنهت كلامها بتنهيدة عميقة، و هي تشير بيدها للداخل: «على كلٍ، تفضلوا بالدخول»
تنهدتُ انا الاخر بضيق، بينما قال سيلفان وهو يلتفت إلى روز بدهشة: «وااه، لقد فاجأني ذلك حقاً!». أما روز فقد التفتت إليّ بابتسامةٍ جانبية: «كانت ردة فعلٍ جيدة يا صديق».
فكرتُ بانزعاج وأنا أخطو للداخل: “لماذا دائماً هناك “دراما” قبل دخولنا لأي مكان؟ ومتى أصبحتُ صديقها؟”.
دخلنا إلى ساحة التدريب الجماعية، وفور تخطي العتبة، استشعرتُ ثقلاً مفاجئاً في الهواء.
لم يكن نقصاً في الأوكسجين، بل ضغطاً مهولاً نابعاً من “هالات” الأشخاص الموجودين بالداخل. شعرتُ بهيبة المعلمين مجتمعين، هيبة تجعل الأنفاس تتعثر في الحناجر؛ مانا كثيفة، مدربة، وخالية من الثغرات.
همستُ لإليان بصوتٍ خفيض: «إليان، أشعر بـ…».
«أجل يا كاي»، قاطعني بابتسامةٍ واثقة وكأنه قرأ أفكاري: «هؤلاء هم صفوة القوة في الأكاديمية، لا مجال للخطأ هنا».
بمجرد تقدمنا، التقت نظراتي بالمدير آرسلان والأساتذة. شعرتُ “بوخزة” غريزية في نفسي، ليس خوفاً، بل بذلك “الوخز” المألوف الذي يسري في أطراف المقاتل عندما يقف أمام قوة حقيقية تستحق الاحترام.
وقفتُ وسط القاعة، الهواء فيها لم يعد ساكناً؛ لقد تحول إلى ساحة معركة من الهالات المتصادمة التي تمزق هدوء المكان، و ضغطٍ لا يدركه إلا من صُقلت حواسه على استشعار أدق ذبذبات المانا.
فكرتُ في نفسي وأنا أحلل هالاتهم المتداخلة: “أوه.. الأساتذة الذين حضرتُ فصولهم فرادى كانوا يملكون حضور لا يُستهان بها، لكن الآن.. وهم مجتمعون في بقعة واحدة، أصبح الأمر مختلفاً تماماً”.
كانت المانا في الغرفة تتقاطع كخيوطٍ فولاذية غير مرئية؛ كل واحدٍ منهم يمثل جبلاً من الخبرة والطاقة، وكأنهم يشكلون معاً جداراً صلداً يحمي هيبة هذا المكان.
أمالتُ رأسي قليلاً، وارتسمت على وجهي ملامح الرضا: «إذاً.. هذا هو معيار “القوة” في هذه الأكاديمية؟ لا بأس به.. حقاً، لا بأس به أبداً».
بدأتُ أتفحص الوجوه؛ و أغلبهم كنتُ اعرفهم بالفعل، و فجأة وقعت عيني على وجهٍ مألوف بشكل غير سار.. الشخص الذي تجاهلني في الممر سابقاً في أول يوم لي في الأكاديمية.
حللتُ جسده بعينٍ ناقدة و بلمحةٍ سريعة: “ضغطه ليس سيئاً، يشبه “كيرا” إلى حد ما في الكثافة، لكنه أقل خبرةٍ بكل تأكيد.. هااه”. لاحظتُ أن عباءته كانت أطول من الآخرين، وتصميمها يوحي بسلطةٍ عليا تميزه عن غيره.
فجأة ضربت سليا ظهره بخفة: «بما أنكم لم تلتقوا به رسمياً، هذا هو رئيس مجلس الطلاب.. أليستر».
ضيقتُ عينيّ بتوجس: “همم، إذن هذا هو الغراب المترئس للمجلس”.
رد أليستر ببرود وهو يغمض عينيه بكبرياء: «أستطيع تقديم نفسي بنفسي».
علقت سليا بوجهٍ يقطر مللاً: «تقديمك سيكون مملاً كالعادة، نحن نوفر عليهم الوقت».
ضحك المدير آرسلان بخفة: «أنا أتفق معكِ تماماً يا سليا». ثم أمر بحركة حازمة من يده: «حسناً الآن، ليتفضل أعضاء السنة الأولى بتقديم أنفسهم».
اصطف الأساتذة والمجلس في جهة، ووقفنا نحن الأربعة في مواجهتهم. بدأ إليان بنبرة هادئة وهو يضع يده على صدره بوقارٍ ملكي وبنبرة هادئة ورسمية قال: «السنة الأولى، مصنف من رتبة مهاجم، إليان فون زيفيروس».
تساءلتُ في نفسي: “هل عليّ استخدام الألقاب الملكية أيضاً؟ تباً.. ليكن”.
تبعته روز بنبرة واثقة كعادتها: «السنة الأولى، مصنفة من رتبة داعم، روز أليو».
ثم تقدمتُ خطوة، وبصوت هادئ ورزين اخترق صمت القاعة، قلت: «السنة الأولى.. مصنف من رتبة دفاع، كاي دي أوروس آل إغنار».
و ما إن تقدم سيلفان ليقدم نفسه: «سيلفان لـ…»، حتى انقطع حبل كلامه بصراخ “ريو” المذهول الذي كاد يقفز من مكانه: «ماذاااااا؟! إغنار؟!».
رأيتُ عينيه وكأن حدقتيهما ستسقطان على الأرض من فرط الصدمة، وتبعه داروين بذهول مماثل: «العائلة الملكية؟!».
لم يطل صراخهما، فقد قفزت سليا ومايا فوراً لإسكاتهما بضربتين متزامنتين على الرأس: «اصمتا أيها الحمقى!».
في تلك اللحظة، تأكدتُ يقيناً أن هويتي كأحد أفراد عائلة “إغنار” لم تكن معلومة للجميع؛ وهذا منطقي، فالقلة فقط من يعرفون وجه الأمير السادس، وأغلبهم من صفوة النبلاء الذين حضروا الحفل السنوي وسمعوا همسات انتقالي إلى هنا.
رفعتُ رأسي بهدوء، أراقب الوجوه المذهولة للأساتذة وأعضاء المجلس، لكن عيني استقرت على “أليستر” الذي تجهم وجهه فجأة وبدت عليه علامات الاستياء الواضح: “ما خطبه؟ لماذا يبدو غاضباً وكأنني سرقتُ إرثه؟ هذا الفتى.. يحتاج لدروس في ضبط تصرفاته”.
(POV: أليستر)
كنتُ أقف هناك، مسنداً ثقلي بهدوءٍ، وعيناي تجوبان الوجوه الجديدة بآليةٍ معتادة وهم يدخلون القاعة، لكن وبشكلٍ لا إرادي، كانت نظراتي تعود لتستقر على ذلك الفتى ذو الشعر الأبيض المنسدل بغموض.
كلمات المدير “آرسلان” لا تزال ترن في أذني كوصيةٍ مزعجة: «راقبه عن كثب يا أليستر.. أريدك أن تكتشف معدنه الحقيقي».
قلتُ في نفسي بسخرية لاذعة: “أيها المدير.. ما الذي تتوقع مني اكتشافه حقاً؟ هل هو مجرد بيدقٍ آخر في رقعة شطرنجك المعقدة؟”
و عندما بدأ الأعضاء بتقديم أنفسهم، ضممتُ يديّ خلف ظهري بإحكام، وأنا آمل في أعماقي ألا يكون هذا الفتى مجرد ابنٍ لعائلةٍ ثرية دخل المجلس بتوصية “رخيصة” أو بوساطة عائلة، تجعل من مجهودنا نحن الأقدم سخريةً تافهة.
لكن، وبمجرد أن نطق بأسمه بصوته الرزين: «السنة الأولى.. كاي دي أوروس آل إغنار».. انهار كل بصيص أملٍ في داخلي.
في تلك اللحظة، وقعت كل توقعاتي وتحولت إلى غضبٍ مكتوم يغلي في عروقي. ضيقتُ عينيّ وأنا أحدق في وجهه الهادئ: “إذن هذا هو السبب؟ هل اقتحم قدسية المجلس لمجرد انه الأمير السادس لعائلة “إغنار”؟ ما خطب المدير آرسلان حقا؟ هل تحول المجلس إلى حضانة لأبناء التوصيات الآن؟”.
اجتاحتني موجة من الازدراء وأنا أحاول استشعار هالته وتدفق المانا في جسده:” إنني أستشعر مستواه بوضوح.. نعم، إنه جيد، لا انكر ذلك وربما يتفوق على أقرانه ببعض الشيء، لكنه ليس استثنائياً بأي حال! هناك طلابٌ في سنواتهم الأولى بلغوا هذا المستوى بجهدهم الخاص دون الحاجة لدماءٍ ملكية تسري في عروقهم، ما الذي يميزه حقاً ليحظى بكل هذا الاهتمام؟!”.
نظرتُ إلى المدير آرسلان بطرف عيني، وكنتُ أتساءل إن كان قد فقد صوابه أو أنه يخطط للعبةٍ سياسيةٍ ما على حساب كفاءة المجلس.
كان تجهم وجهي انعكاساً لهذا القرف الداخلي. نظرتُ إليه، وهو يقف بهدوءٍ مستفز، وكأنه يملك المكان. لم أرَ في عينيه “المعدن” الذي تحدث عنه آرسلان أبداً.
غضبي لم يكن نابعاً من كرهٍ شخصي لهذا “الكاي”، بل من شعوري بأن معايير المجلس قد تم تدميرها بقرارٍ ليس في محله.
(POV: كاي)
قطع المدير آرسلان حبل الصمت بصفقته المعتادة التي رنت في أرجاء المكان، وانطلق الجميع كجسد واحد نحو القاعة الكبرى.
وما إن دخلنا حتى استقبلنا ضجيجٌ يصم الآذان؛ القاعة كانت تغص بمئات الطلاب، مزيج من السحرة والمبارزين الذين تملأ أصواتهم الأرجاء كضجيج خلية نحلٍ هائجة.
ارتقى المدير آرسلان المنصة بخطواتٍ ثابتة، ورحب بالجميع بخطابٍ مهيب، متحدثاً عن دور المجلس الطلاب الجديد في صون نظام الأكاديمية.
ثم بدأ بتقديمنا رسمياً؛ دخلنا بوقار وسط عاصفة من التصفيق والهتافات التي لم تخلُ من همسات مسمومة بدأت تشق طريقها بين الصفوف.
وفجأة، شق صوت طالب صفوف الهمس بحدة: «هذا ليس عادلاً يا مدير!».
توقف آرسلان عن الكلام، وساد صمتٌ مفاجئ. نظر نحو الطالب بهدوءٍ مخيف: «وما هو غير العادل في نظرك؟».
أشار الطالب بتردد، لكنه سرعان ما استجمع شجاعته المشوب بالحقد نحونا: «لقد تم اختيار هؤلاء بالتوصيات المسبقة! نحن لم نختبر جدارتهم، ولم ننتخبهم ليمثلونا!».
تعالت أصوات التأييد كالنار في الهشيم: «أجل! هذا صحيح!»، «لا نريد أعضاءً بالواسطة!».
حاولت سليا التدخل لتهدئة الموقف، لكن المدير رفع يده، وأطلق ضغطاً سحرياً خفيفاً جعل الهواء يثقل في صدور الجميع، فخيم الصمت القسري على القاعة، ثم سأل آرسلان بصوتٍ هادئ: «إذاً.. ماذا تريدون؟».
وقف طالب من السنة الثالثة، وهو يقبض يده بطريقة عدوانية مستفزة وصاح و بنبرة تحدي: «نـزال!».
اتسعت عيناي وأنا أنظر إليه مباشرة، وحدثتُ نفسي بنزعاج: “هااه؟ ماذا يقول هذا الفاسق؟ هل فقد عقله أم ماذا؟”.
صرخت سليا بحزم وقد ارتسم الانزعاج على ملامحها: «لوريم! هل تدرك ما تقوله!».
رد الفتى بسخرية متجاهلاً إياها تماماً: «وإذا فزنا، يجب استبعادهم فوراً.. ثم إن السنة الأولى تملك أربعة أعضاء، بينما القواعد تسمح بثلاثة فقط. يبدو أن هناك شخصاً إضافياً حصل على مقعد لا يستحقه!».
استشاطت سليا غضباً، وقبل أن تشتعل الفوضى، وتخرج عن السيطرة، رأيتُ أليستر يتقدم بخطوات باردة، ليقطع صوته الرخيم الضجيج: «هذا يكفي».
التفت أليستر نحوي بنظرة خالية من المشاعر، نظرة جعلتني أشعر برغبةٍ عارمة في لكم وجهه المستفز: «سأنشئ قاعدة جديدة الآن.. (من يعارض أو يرفض عضواً في المجلس، فمن حقه أن يواجهه في نزال رسمي)».
تجمدتُ مكاني، وضاقت عيناي بغضبٍ لم أستطع كبته، وصرختُ بنبرةٍ غارقة في الانزعاج: «ماذا؟!».
فكرتُ في نفسي بغيظ:” هل قال “قاعدة جديدة” للتو؟ أم أنني أصبحت لا أسمع جيدا بسبب هذا الهراء الذي يحدث الان؟”. ثم صرختُ مرة أخرى للتأكيد بوجهٍ ممتعض: «أعد ما قلته الآن! أيُّ هراءٍ تتحدث عنه؟!».
توقفت كل حركة في القاعة. حتى الهواء بدا وكأنه تجمد في رئات الحاضرين. مئات الأعين كانت معلقة بي، تنتقل بذهول بيني وبين أليستر الذي ظل واقفاً ببرودٍ مستفز.
بدأت الهمسات تشق طريقها من الزوايا، خافتة في البداية ثم تصاعدت كأمواج متلاطمة:
«هل صرخ في وجه رئيس المجلس للتو؟»
«من يظن نفسه هذا المستجد!»
«هل هو مجنون أم يملك قوة تغطي على وقاحته؟»
نظرتُ بطرف عيني إلى رفاقي.ــــــــ
كان إليان يقف بجانبي ببرودٍ غريب، وضع يده في جيبه وأمال رأسه قليلاً، وعيناه تراقب أليستر والطلاب بدقة باردة ومحللة، وكأنه يدرس ردود الفعل كقطع شطرنج، دون أن يبدي أي ذرة من المفاجأة.. وكأنه كان يتوقع مني هذا الانفجار.
أما سيلفان، فقد كان التوتر يرتسم على فكّه المشدود. رأيت عضلات كتفيه تتشنج في وضعية استعداد غريزي؛ كان جسده قد اتخذ وضعية القتال قبل عقله.
وفي الجهة الأخرى، كانت روز تقف وكأن صاعقة ضربتها. اتسعت عيناها بذهول حقيقي، وارتفع حاجبها بدهشة وهي تنظر إليّ، وكأنها تعيد اكتشافي من جديد؛ ربما لم تتوقع أن “فتى الظواهر” الهادئ يملك لسانًا سليطاً.
التفتُّ نحو أليستر مجدداً، وضقتُ عينيّ بينما النبض في عروقي يغلي بصمت. لم أكن أهتم بهمساتهم أو بذهولهم.. كل ما كان يشغل تفكيري هو هذا الفاسق الذي أمامي.
أكمل أليستر ببرود، متجاهلاً انفعالي: «مثلما سمعت، هذا هو اختباركم .. أثبتوا جدارتكم بالسيف والسحر أمام الجميع».
ثم تحولت أنظار أليستر ببطء شديد، متجاوزةً غضبي المنصهر، لتستقر على المدير آرسلان : «هل آخذ موافقتك يا سيادة المدير؟».
كان المدير متكئاً على المنصة بوضعيةٍ توحي بالاسترخاء، لكن عينيه كانتا تلمعان بترقبٍ حاد، وكأنه يشاهد عرضاً مسرحياً ممتعاً وصل إلى ذروته.
حك المدير آرسلان لحيته بتفكير، ونظر إليّ بنظرة ماكرة، وفجأة، شعرتُ بصوت المدير يتردد داخل أذني وحدي، وكأن الكلمات تنسلّ عبر الهواء: «اعتقد أن هذا سيفيدك يا كاي.. لتثبت نفسك وتفرض هيبتك التي تحاول إخفاءها».
أمسكتُ أذني بدهشة؛ “هااه.. إنها نفس القدرة التي كانت روز تتفاخر بها ! لكن تباً، ليس هذا وقت الانبهار بالتقنيات، ماذا يقول هذا العجوز الآن بحق الأرض؟ هل يبيعنا لأجل عرضٍ مسرحي؟”.
أعلن المدير وهو يعدل وقفته وكأن الأمر قد حُسم: «حسناً.. فليكن ذلك! المواجهات ستكون في ظهيرة اليوم، وسنؤجل التقديم الرسمي حتى تظهر النتائج النهائية».
نظرتُ للمدير بتفاجئ صارخ:” م..مهلاً! نحن لم نوافق! ما خطبه حقاً؟”.
ابتسم المدير ابتسامة ماكرة، ابتسامة ثعلبٍ وجد طريدةً ممتعة، وهمس لي بتلك المهارة المزعجة وهو يغادر المنصة: «أتوقع منك أن تتفهم.. لا تخيب ظني يا “فتى الظواهر”».
همستُ بنقمة في سري: “أتفهم ماذا أيها الثعلب الماكر؟ أنت فقط تريد إشباع فضولك بأي ثمن!”. تنهدتُ بإرهاقٍ شديد، وشعرتُ بوزن العباءة الزمردية يصبح أثقل، وكأن هذا اليوم قرر ألا ينتهي على خير.
—-
انصرف الجميع إلى مواقعهم، لكن نظرات الاستهزاء بقيت تلاحقني من كل جانب.
كنتُ أغلي داخلياً من هذا الموقف السخيف الذي وُضعت فيه، لكنني أخذتُ نفساً عميقاً، واستعدتُ هدوئي ببطء؛ فالغضب الأعمى هو أول خطوات الهزيمة.
تمتمتُ في نفسي: “يا له من يومٍ سيء حقاً.. لكن كما كان يقول الجد: السحق هو الحل الوحيد للألسنة الطويلة. عليّ وأد هذا التصرف الطفولي الآن لأضع حداً لهذه الهمسات قبل أن تتحول إلى ضجيجٍ لا يحتمل”.
في تلك اللحظة، مضى أليستر بجانبي. لم يقل شيئاً، لكن رداءه الذي احتك بكتفي كان يحمل هالةً باردة. لمحتُ في عينيه بريقاً غامضاً؛ لم يكن كرهًا خالصًا، بل كان فضولاً ورغبة عارمة في اكتشاف “المعدن الحقيقي” الذي يخبئه هذا الأمير المستجد. كان ينظر إليّ كأحجيةٍ ينتظر حلها في الميدان.
اقتربت سليا منا، بنبرة تحمل مزيجاً من الانزعاج والأسف، وقالت بصوتٍ خفيض: «أنا آسفة حقاً يا رفاق.. لم يكن يجب أن يتطور الأمر إلى هذا الحد».
نظرتُ إلى وجهه؛ كانت ملامحها تعكس شعوراً حقيقياً بالأسف، وكأنها المسؤولة عن هذه الفوضى.
رغم النيران التي كانت تشتعل في صدري، إلا أنني لم أرد أن أحملها ثقل ما اقترفه أليستر ولوريم.
ابتسمتُ لها ابتسامةً مرهقة ذابلة، ابتسامةً لم تصل لعينَيّ اللتين كانتا تركزان على الميدان: «لا بأس يا سليا.. ليس خطأكِ».
أرخيتُ عضلات كتفي، وشعرتُ بـ “إيدن” يتململ تحت ردائي وكأنه يستشعر نيتي. تلك الكلمات البسيطة لسليا كانت بمثابة إغلاقٍ لصفحة الكلام، وفتحٍ لصفحة الفعل.
و في الخلف، جاء صوت إليان بارداً وغاضباً بشكلٍ غير معتاد. رأيته يعدل شعره الذهبي بآلية، وعيناه تشعان بضيق: «هؤلاء الحمقى يتصرفون كالأطفال حقاً! نزال؟ هل نحن في حلبةِ همجٍ لتُثبت كفاءتك بالضرب؟ هذا يقلل من شأن المجلس قبل أن يبدأ».
أما سيلفان، فقد كان التوتر ينهش وقاره كلعادة. رأيته يشد قبضته على سيفه بقوة، وسأل بنبرة خفيضة: «هل سنقاتل جيشاً من الطلاب يا كاي؟».فكرة مواجهة الأكاديمية بأكملها كانت ثقيلة حتى على مبارزٍ مثله.
وقفت روز بيننا، ورغم أنني لمحتُ ارتجافاً طفيفاً في أطرافها، إلا أنها استجمعت شتات شجاعتها وقالت بصوتٍ حاولت جاهدة جعله واثقاً: «لماذا أنتم متوترون هكذا؟ سنكون بخير.. نحن موهوبون، أليس كذلك؟».
سخر إليان منها بمرارة، وهو يشير بسبابتيه ليدها المرتعشة: «أوه حقاً؟ انظري إلى ارتجاف يدكِ أولاً قبل أن تعطينا دروساً في الشجاعة يا “موهوبة”!».
اشتعل وجه روز بحرجٍ شديد، وأمسكت يدها المرتجفة بسرعة خلف ظهرها وهي تصرخ: «إنه.. إنه لا شيء! مجرد اندفاع مفاجئ للمانا! لا تكن سخيفاً يا إليان!».
نظرتُ إليهم جميعاً بصدق، ثم حولتُ بصري نحو القاعة التي بدأت تخلو من الطلاب الذين ذهبوا للاستعداد لمشاهدة “العرض”، وقلتُ بلهجةٍ حازمة سكنت معها مشاحناتهم: «موعدنا الظهيرة.. هااه».
كانت كلمة” الظهيرة” تخرج من فمي كأنها وعدٌ مرير. لم تكن مجرد توقيت، بل كانت الساعة التي قررتُ فيها أن أضع حداً لهذا الضجيج.
شعرتُ بعبء الاضطرار إلى إثبات البديهيات أمام عقولٍ لا تفهم سوى لغة القوة.
لم أكن أريد هذا النزال، ولم أسعَ يوماً لأكون مركز الاهتمام في ساحةٍ يملؤها الصراخ؛ لكنهم دفعوني إلى زاويةٍ لا يخرج منها المرء إلا بكسر القيود.
نظرتُ إلى الأفق، وكان هدوئي في تلك اللحظة مخيفاً حتى بالنسبة لي، كهدوء الغابة قبل أن تبتلع زوارها.
فكرتُ بمرارة: “سأفعل ما يجب فعله عند الظهيرة، ليس لأجل شيء، بل لكي أتمكن أخيراً من العودة إلى صمتي بسلام”.
(الراوي)
بينما كانت القاعة الكبرى تضجُّ بصيحات التحدي، كان السكون التام يلفُّ إحدى الغرف المتروية في أطراف الأكاديمية، حيث لا يصل ضوء الشمس إلا كخيوطٍ واهنة تتلاشى أمام عتبة الباب.
داخل تلك الغرفة المظلمة، كانت الأنفاس مسموعة، وصوتان يهمسان بنبراتٍ تقطر حذراً.
قال صوتٌ مشوش ومكتوم، كأنه قادم من وراء قناع: «هل شارف الأمر على الاكتمال؟ الوقت يداهمنا، والمدير بدأ بالتحرك بشكل مريب».
ساد صمتٌ قصير قبل أن يأتيه الرد بهمسٍ بارد ومنتظم، يحمل نبرة شخصٍ واثق من كل خطوة يخطوها:
«أجل.. تماماً كما خططتُ له منذ البداية. كل قطعة في مكانها الصحيح، والمسرح جاهز للعرض الأخير».
توقف المتحدث للحظة، ثم أضاف بصوتٍ انخفضت حدته وكأنه يتحدث عن فريسة ثمينة:
«أما بخصوص ذلك الفتى.. فلا تقلق، سأراقبه عن كثب بنفسي».
اختفى الصوتان مع حركة خفيفة لستارٍ أسود، وبقيت الغرفة غارقة في صمتها، بانتظار ما ستسفر عنه أحداث الظهيرة..
التعليقات لهذا الفصل " 59"