الفصل الثامن والخمسون:شرارة العرش، شرارة الأوردة، والشرارة الأولى
(الراوي)
العاصمة – القصر الملكي
في قاعة الاجتماعات الكبرى، حيث تعانق الثريات الكريستالية الأسقف الشاهقة، كان الملك يجلس على كرسيه ببرودٍ قاتل. ملامح الملل كانت ترتسم على وجهه وكأن شؤون المملكة لا تتعدى كونها ذبابة مزعجة، بينما كان ”إل” جالساً بجانبه، وعيناه تراقب الحضور بحذر.
أمامهم، الدوقان والماركيز ولفيف من النبلاء المسؤولين عن الأمن، وكان الجو مشحوناً برائحة القلق والتوتر بالحديث عن الأحداث الماضية وظهور “الأردية السوداء”.
التفت أحد النبلاء نحو الملك متحدثاً بنبرة يغلفها القلق: «يا جلالة الملك، إن ظهور تلك الأردية السوداء في الآونة الأخيرة أمرٌ مقلق للغاية، لكن اختفائهم المفاجئ هو ما يثير الرعب في النفوس! لا نعلم ماذا فعلوا أو أين هم، أو ما هي الخطوة القادمة في مخططاتهم!».
أيده المسؤول عن أمن البوابة بحزم: «أجل يا جلالة الملك! لهذا السبب أطالب بزيادة التعزيزات الأمنية والحراسة عند جميع المداخل والمخارج.. لا يمكننا البقاء في وضع الاستعداد هذا للأبد!».
تعالت ضحكة ساخرة من أحد النبلاء في الجانب المعارض: «زيادة الأمن؟ وما الفائدة؟ لقد ظهروا واختفوا كالضباب تماماً، الحراسة الإضافية ليست سوى هدرٍ للموارد وسدٍ للفراغ!».
تعالت الأصوات واحتدم النقاش، صرخ معارضٌ آخر غاضباً: «وهل تعتقد أن الميزانية تسمح بذلك؟ مقاطعتنا تعاني بالفعل، ربما المشكلة تكمن في إدارتكم الفاشلة للأمن وليست في عدد الجنود!».
تصاعد الجدال حتى تحولت القاعة الوقورة إلى سوقٍ للمزايدات الشخصية. ارتفعت الصيحات واحتكت هالات الغضب بين الطرفين، بينما ظل الملك يقلب بعض الأوراق بين يديه بلامبالاة تامة، يسند رأسه على راحة يده ويراقبهم كما يراقب طفلٌ صراعاً بين الحشرات.
وفجأة.. انقطع الهواء.
انتشرت هالة مرعبة، ضغط سحري خانق هبط على صدور الحاضرين حتى جفت الكلمات في حلوقهم. كانت المانا الخاصة بـ “إل” تملأ الزوايا كأنها مفترسٌ يستعد للانقضاض.
ساد صمتٌ مطبق، لم يُسمع فيه سوى صوت أنفاس النبلاء المذعورين. وبإشارة باردة من يد الملك، انتهى الاجتماع.
بينما كان الدوق ثيون والدوق إيدون يشقان ردهة القصر الطويلة، التقطت مسامع ثيون همسات النبلاء الغاضبة من برود الملك واعتماده المطلق على القوة لإخراس الجميع بدلاً من اتخاذ القرارات.
مال ثيون نحو إيدون وهس بابتسامة خبيثة: «هل رأيت برود جلالته؟ إنه لا يهتم باتخاذ قرارات حاسمة، يكتفي بالصمت بينما المملكة تغلي من تحت قدميه».
تابع ثيون وعيناه تلمعان بمكر: «أعتقد أنه حين يحين الوقت، سنجد الكثير من الأيدي الممدودة إلينا.. أيدٍ سئمت من هذا الجمود».
غطى الدوق إيدون فمه بيده ليخفي ابتسامة متشفية، ورد بنبرة خافتة: «أتشوق حقاً لرؤية ذلك اليوم يا دوق ثيون».
و في داخل الغرفة المغلقة، زفر “إل” بحنق وهو يعصر قبضة يده فوق الطاولة حتى ابيضت مفاصله: «هؤلاء النبلاء الفاشلون.. يظنون أن عويلهم سيغير شيئاً. ويتصرفون بهذا الشكل الوقح في حضرتك يا أبي!».
عدل الملك جلسته ببطء، وقال بنبرة خالية من المشاعر: «إنهم لا شيء يا إل، ولم يكونوا يوماً شيئاً يُذكر لا تلقِ بالاً لضجيج القطيع الصغير، بل ركز نظرك على الوحوش الكبيرة.. هل وجدت شيئاً؟».
أخفض “إل” نبرته بجدية: «ليس بعد يا أبي، ولكنني أمسكتُ بالذيل.. ولن يمر وقت طويل حتى أصل إلى الجسد، ومن ثم الرأس».
صمت الملك لثوانٍ، ثم سأل بحدة مفاجئة اخترقت الهدوء: «وماذا عن تلك الفتاة؟».
أنزل “إل” رأسه قليلاً، في إشارة نادرة للفشل: «حتى الآن.. لا أثر».
ضيق الملك عينيه وهو يحدق في الفراغ، وتمتم بصوتٍ غارق في الشك: «تلك الفتاة.. هل حقاً تبخرت من على الوجود؟ أم أنها تختبئ في مكانٍ لم نجرؤ على النظر إليه بعد؟».
قال إل بأسف: «أعتذر مرة أخرى يا أبي.. أحتاج لمزيد من الوقت لإيجادها ولكنـ..».
فجأة، تردد صدى صوتٍ مهيب وساخر، انبعث من الظلال العميقة للغرفة، نبرة تحمل كبرياءً يتجاوز البشر: «إنكم تحتاجون إليّ فقط.. ليس هناك قوة أخرى في هذا العالم تستحق الاعتماد عليها غيري».
وضع الملك الأوراق من يده، وشبك أصابعه ببعضها، وارتسمت على وجهه ابتسامة شريرة واثقة: «إنه على حق يا إل.. لنكتفِ بالبحث عنها من بعيد، ولنركز قوتنا الكاملة على ما نملكه هنا بين أيدينا».
———————————————————–
(POV: كاي)
تسللت خيوط الشمس الذهبية عبر الستائر الحريرية كإبرٍ من ضوء، لتقبّل جفنيّ بإصرارٍ مزعج، معلنةً نهاية هدنة النوم القصيرة. فتحتُ عينيّ ببطء، واستقبلتُ سقف الغرفة المزخرف بتنهيدة عميقة سكنت صدري.
استيقظتُ وجسدي يرزح تحت ثقلٍ غريب؛ لم يكن تعباً جسدياً، بل كان شعوراً بأن المانا الكثيفة في هذا المكان بدأت تتأقلم مع إيقاع جسدي.. أو العكس؟.
نظرتُ الى يدي وتمتمت:«مانا».. هذا المصطلح الذي تعودتُ عليه الآن، ولم يعد غريباً كما كان في أيامي الأولى. هنا، في أروقة هذه الأكاديمية، المانا ليست مجرد طاقة عابرة، بل هي الأوكسجين الذي نمزقه بصدورنا، واللغة الخفية التي تشكل واقعنا.
كان الجو في الغرفة خانقاً، دافئاً بشكل مبالغ فيه أفسد عليّ لذة الصباح كالعادة.
«صباح الخير أيها “الأمير المطهو”.. هل تنوي الاستمرار في النوم حتى موعد حفل التخرج؟»
جاءني صوت إليان المرح من الجانب الآخر. التفتُّ إليه، فكان كعادته قد انتهى من هندام ملابسه، ومن ترتيب شعره الذهبي ببراعة أرستقراطية لا يملكه غيره.
تمطيتُ بكسل وأنا أجلس على حافة السرير، وشعور الحرارة يغلف جلدي: «اللعـ*ة على هذه التدفئة.. أشعر وكأنني كنت أنام داخل تنين».
جاء صوت إيدن الطفولي والساخر في وعيي: <داخلي أنا؟ أحلامك كبيرة يا كاي!>.
فجأة، استدار إليان نحوي وأخرج ظرفاً ورقياً من جيب معطفه، مد يده بالرسالة قائلاً بنبرة هادئة خالية من المزاح: «وصلت هذه للتو.. إنها من جدك».
انتفضتُ في جلستي وكأن صاعقة ضربت سريري: «من جدي!». تملكني شعورٌ بالذنب المباغت وفكرت: “سحقاً.. لم أرسل له أي كلمة منذ وصولي، لقد ابتلعتني أحداث الأكاديمية تماماً”. التقطتُ الرسالة بلهفة مشوبة بالحذر.
فتحتُ الرسالة، وكما توقعت، بدأت بـ “ترحيب” دافئ ينضح بأسلوب جدي الصارم:
«إلى الفتى الذي أصيب بفقدان ذاكرة تجاه القلم بمجرد أن وطأت قدماه تلك الأكاديمية المرفهة.. أخبرتُك أن تتواصل معي فور وصولك، فهل ابتلع سحرة المدينة لسانك؟ أم أنك انغمست في نعيم الأسرة الوثير حتى نسيت من صهر عظامك؟»
تنهدتُ بمرارة؛ “كنتُ أعلم أن هذا العتاب القادم من الغابات البعيدة لا مفر منه”. أكملتُ القراءة والكلمات تشتعل بقوة شخصيته:
«كيف هي أحوالك في تلك “الحضانة”؟ هل وجدتَ هناك من ترهف له حواسك، أم أنهم مجرد دمى محشوة بالمانا والغرور؟ والأهم من كل ذلك يا كاي.. هل ما زلت تمارس “الأساسيات”؟ هل جسدك لا يزال يتقن لغة الصمت والفتك التي غرسناها فيك، أم بدأت تعتمد على السحر وتنسى أن القوة الحقيقية تبدأ من تلاحم مفاصلك وقوة قبضتك؟ لا تجعلني آتي إلى هناك لأرى إن كان جسدك قد ترهل، لأنك لن تعجب بالنتيجة حينها».
طويتُ الرسالة ببطء، وابتسامة غريبة ارتسمت على وجهي. شعرتُ بثقل دروسه يطبق على صدري حتى وأنا بعيدٌ عنه بآلاف الأميال. رغم الكلمات الحادة، إلا أنني شعرتُ بدفءٍ تسلل إلى داخلي.
في هذا المكان الغريب، وسط آلاف الوجوه التي لا تعرف عني شيء سوى اسمي أو إشاعةٍ عابرة، كان من الرائع أن أملك “شخصاً” هناك.. يهتم بما أفعله، يراقب خطواتي من وراء الأفق، ويوجهني بقسوةٍ لكي لا أنكسر.
وقفتُ تحت الماء المنهمر، تاركاً الحرارة تتغلغل في مسام عضلاتي وتطرد آخر بقايا النعاس عن جسدي.
بينما كان الماء ينساب على جلدي، شرد ذهني بعيداً.. بعيداً جداً، متجاوزاً حدود هذا العالم المليء بالسحر.
تذكرتُ حياتي السابقة، ذلك الميتم البارد حيث لم أكن أملك شيئاً سوى الكتب.
كنتُ ذلك الفتى اليتيم الذي يهرب من واقع الحرمان بالغرق في صفحات الروايات القديمة؛ روايات عن محاربين لم يعتمدوا على السحر، بل على ذكائهم وفهمهم العميق لطبيعة الأشياء.
كنتُ أحلل خطط الأبطال، و تكتيكات المعارك، وأتخيل نفسي بطلاً وسط تلك السطور. و ذكائي هذا كان درعي الوحيد للنجاة في بعض الأحيان ضد التنمر، و قراءاتي كانت نافذتي للهروب.
ابتسمتُ بمرارة تحت رذاذ الماء. من كان يظن أن تلك “الروايات” ستصبح واقعي الآن؟ لقد علمتني تلك الكتب أن المعرفة هي القوة الحقيقية، والذكاء هو السلاح الذي لا ينفد مانه. والآن، أضاف لي جدي الجانب العملي لتلك النظريات.
خرجتُ من الحمام، جففتُ شعري والماء لا يزال يقطر منه، ووقفتُ أمام المرآة الضخمة أجهز نفسي بآلية وهدوء. ثبتُّ حزامي بإحكام، وهمستُ لنفسي وأنا أتأمل انعكاسي الحاد: «لو علم الجد أنني استخدمتُ إحدى “نقاطه” في يومي الأول، لربما خفف من حدة رسالته هذه.. قليلاً».
تذكرتُ وجه ريو المندهش عندما شللتُ حركته بضغطٍ بسيط على معصمه. السحرة هنا، حتى الموهوبين منهم، يظنون أن حماية أجسادهم تبدأ وتنتهي عند “دروع المانا”.
لم يفهم ريو أنني لم أحطم سحره، بل استخدمتُ “نقطة ضعف فيزيولوجية” علمني إياها جدي في حصص الألم المميتة؛ نقطة تقطع التواصل بين العصب والمصدر في لحظة. لقد انهار كبرياؤه أمام حقيقة تشريحية بسيطة.
أغلقتُ آخر أزرار ردائي، ونظرتُ إلى انعكاسي بحدة: «حسناً.. هيا بنا ليوم جديد».
خرجنا من الغرفة، ووقع أقدامنا يتردد في الرواق الفاخر. كان إليان يمشي بجانبي بخطواته الواثقة، يداعب شعره بعبثه المعتاد، ثم قال فجأة: «كاي.. هل تصدق؟ لقد مرت ثلاثة أيام بالفعل».
في الحقيقة، كانت الأيام الثلاثة الماضية عبارة عن هدوء خادع؛ ذلك النوع من الهدوء الذي يسبق العاصفة.
كنتُ أتنقل بين القاعات، أحاول الانصهار في الروتين الدراسي. ورغم أن نظرات الطلاب كانت لا تزال تلاحقني كسهام مسمومة، إلا أن الصمت كان سيد الموقف؛ وكأن الجميع ينتظرون الشرارة الأولى لاندلاع الحريق.
و الآن، نحن في اليوم الرابع..وجدنا أنفسنا جالسين داخل قاعة (مسارات الأوردة: فن القنوات) الفسيحة.
استندتُ بيدي على خدي، وعيناي تراقبان البروفيسور الذي يشرح حركة الجزيئات بذهن شارد تماماً. شعرتُ بـ إيدن، الملتف حول عنقي كوشاح حي، وهو يتثاءب بتململ قبل أن يهمس في وعيي: <كاي.. هذا الهراء ممل بحق، هل سيطول الأمر؟>.
رددتُ عليه بهدوء: <اصبر قليلاً يا إيدن. القواعد والصبر هما أساس القوة، وعليّ إعادة بناء معرفتي من الصفر إذا أردتُ التفوق حقاً>.
وقف البروفيسور “باريت” ذو الشارب الكثيف والنظارات الصارمة أمام السبورة، وضربها بعصاه السحرية ليتوهج رسم توضيحي لقلب بشري محاط بخيوط من النور.
قال بنبرة جهورية: «أنصتوا جيداً! السحر ليس مجرد تمتمات، بل هو في جوهر المانا. هذا الجوهر هو المخزن الوحيد، والارتقاء من مستوى إلى آخر ليس تمرينناً، بل صراع لتوسيع حدود هذا الجوهر و “الأوردة”.عادةً، يبدأ استيقاظ السحر في سن العاشرة، تتبعها سنوات من التدريب الشاق فقط للمس عتبة المستويات الأولى».
سخرتُ في نفسي، وشعرتُ بتوتر طفيف يسري في جسدي: “سنوات؟ ماذا سيحدث لهذا العجوز لو علم أنني بدأت قبل سنة ونصف فقط، وأنا الآن في ذروة المرحلة الثالثة من مستوى المتدرب؟”.
أكمل البروفيسور بجدية: «والتحديات تصبح أكثر قسوة عند محاولة الاختراق من مستوى (المتدرب) إلى (المحترف).. وما بعدهما يتطلب انضباطاً وزمناً طويلاً لتوسيع أوردة القلب».
نزعتُ يدي عن خدي ووضعتُها على الطاولة بهدوءٍ مريب، بينما صوّبتُ نظراتي نحو البروفيسور بتساؤلٍ حاد: «همم.. إذاً أنتَ تخبرني أنَّ التحديات الأصعب تكمنُ في اختراق المستويات الثلاثة الأخيرة؟»
مالت نظراتي نحو إليان الذي كان يدون الملاحظات بتركيز، ثم سألته بهمس: «هاي إليان.. متى استيقظ سحرك؟».
أجاب دون أن يرفع عينه عن الورقة: «في التاسعة.. لماذا تسأل؟».
اتسعت عيناي بذهول. اعتصرتُ ذاكرتي بقوة وتساءلتُ في نفسي بحدة: “هل ذكر الكاتب ذلك؟”!
ثم أضاف إليان بانزعاج حاد: «وأبكر من استيقظ في تاريخنا المعاصر هو الأمير”إل”.. لقد أيقظ قوته وهو في السابعة، لذا يلقبونه بـ العبقري. ألم تكن تعرف ذلك حقا؟!».
تجمدتُ مكاني. شعرتُ بوخزة انزعاج غريبة: “في السابعة؟ يا له من وحش.. يبدو أن الطريق أمامي لا يزال طويلاً حقاً”.
اقترب إليان وسأل بفضول: «وماذا عنك يا كاي؟ متى كان استيقاظك؟».
رددتُ ببرود وأنا أداعب رأس إيدن النائم: «أوه.. قبل سنة ونصف تقريباً».
في تلك اللحظة، حدث ما لم أتوقعه. انتفض إليان من مقعده وكأن صاعقة ضربته، وسقطت الريشة من يده لتحدث رنيناً في القاعة الصامتة. صرخ صرخة لم يستطع كبحها: «ماااااذاااا؟!».
ارتددتُ للخلف بذعر: «ما بك؟ لماذا تصرخ فجأة؟!».
اندفع إليان وأمسك بوجهي بذهول وهزني بقوة: «أنت.. ما أنت حقاً؟! هل تمزح معي؟ سنة ونصف وتصل لهذا المستوى؟».
تململ إيدن بانزعاج: <امم.. أنتم حقاً مزعجون، ألا يمكن للشخص النوم بهدوء؟>.
وفجأة، جاء الصوت الرخيم والمألوف: «أنتم هناك.. مرة أخرى؟».
جفلنا أنا وإليان وكأن الموت نادانا. التفتنا لنرى وجه البروفيسور باريت وقد تحول لكتلة من الغضب، والشرارات تتطاير من نظارته. زأر البروفيسور: «إلى مقاعدكما فوراً! قبل أن أحولكما إلى تماثيل حجرية في الساحة!».
قال إليان باعتذار وهو يخفض صوته : «أنا أعتذر»، ثم تراجع وجلس في مكانه وهو لا يزال تحت تأثير الصدمة، يرمقني بنظرات جانبية وكأنه يرى كائناً فضائياً لأول مرة.
تنهد البروفيسور بملل وعدل نظارته التي لمعت تحت ضوء القاعة، ثم تنحنح ليكسر الحدة التي خيمت على المكان: «حسناً، أين وصلنا؟ اوه، الأوردة واختلافاتها..( الماستر) و(الأسطوري)».
كتب الكلمات بضخامة على السبورة وأكمل: «هذان المستويان هما حلم كل ساحر، لكنهما أيضاً مقبرة الطامحين. الوصول إليهما يتطلب من جوهر المانا أن يضخ طاقة تتجاوز قدرة الأوردة والأعصاب البشرية على الاحتمال».
عدلتُ في جلستي بتركيز، وشعرتُ بيدي تضغط ببطء على الطاولة بينما عيناي معلقتان بتلك الكلمات الضخمة على السبورة. “أجل، هذا ما كنت أريد معرفته..”، تمتمتُ في سر خفي لا يسمعه أحد غيري: “هل تقتصر عليهم مثلما قال الكاتب أم لا؟”
رفعتُ يدي بهدوء، وعيناي تحملان تساؤلاً عميقاً اخترق صمت القاعة: «أيها البروفيسور،أليس الأمر في النهاية يقتصر عليهم فقط؟ الملك، الدوقيتان، والماركيز.. أليس يبدو أن مستويات الماستر وما فوقها ليست مجرد مسألة تدريب، بل ملكية خاصة لسلالات محددة؟».
صمتت القاعة تماماً، بينما تابعت بصوت ثابت يعكس “المنبوذ يوهان” الذي لا يملك سوى ذكائه كدرع: «وكأنه يبدو أن جوهر قلوب البقية صُمم ليتوقف عند حد معين.. فهل نحن نتسلق جبلاً لا قمة له لغيرهم؟ هل “الأوردة” التي تشرحها الآن هي القيد».
خيم صمت جنائزي على الفصل، وبدأت همسات الطلاب المتفاجئ و المذعورة: «م.. ما خطب هذا الفتى؟»«ما هذا السؤال!»«كيف يجرؤ على طرح سؤال كهذا؟».
تنهد البروفيسور بعمق ووضع عصاه جانباً: «سؤال جريء.. في الواقع، القانون لا يمنع أحداً، لكن الفارق يكمن في (الأوردة العتيقة)».
أكمل البروفيسور وهو يضع يده وراء ظهره ويحوم حول طاولته بنبرة جادة، وكأنه يلقي حكماً بالإعدام على أحلام الكثيرين: «أجل، القانون لا يمنع أحداً من الوصول، ولكن.. الوصول لمستوى الماستر يتطلب من “جوهر قلب المانا” أن يضخ طاقة تتجاوز قدرة الأوردة البشرية العادية على الاحتمال».
توقف البروفيسور ونظر إليّ مباشرة، وتابع بلهجة باردة: «السلالات الكبرى، من الملك والدوقيات والماركيز، يملكون ما نسميه (الأوردة العتيقة)؛ وهي طفرة فيزيولوجية في أجسادهم تسمح بمرور كميات هائلة من القوة دون أن تنفجر تلك الأوعية. لقد خُلقوا كأوعية مثالية للطاقة القصوى».
عدل البروفيسور نظارته التي عكست ضوء القاعة الباهت: «أما النبلاء العاديون أو عامة الشعب، فأجسادهم تملك (صمام أمان) طبيعي. إذا حاولت اختراقه للوصول لمستوى الماستر، فأنت لا تتدرب.. أنت تنتحر».
توقف ووضع يده فوق الطاولة بكل ثقله، وأضاف بنبرة مؤكدة ومحذرة في نفس الوقت: «نعم، يمكنك المحاولة.. ولكن بشق الأنفس أو بدفع الثمن. وغالباً ما يكون الثمن هو حياتك؛ ستحترق أوردتك وينفجر السحر بداخلك، محولةً جسدك إلى رماد في طرفة عين».
شعرتُ بصدمة عنيفة هزت كياني. توقف عقلي عن العمل لثوانٍ: “هل هذا حقيقي؟.. أوه، جدي! جدي ليس من العائلات الكبرى، هذا يعني أنه بلغ مستواه بشق الأنفس! كيف غفلتُ عن ذلك؟”.
شعرتُ بالغباء؛ لقد انشغلتُ بزيادة قوتي حتى ضعف تدقيقي العقلي. سخرتُ من نفسي: “يالها من خسارة على شهاداتي السابقة كـ (كيوهان).. حقا عليّ الاعتماد على عقلي الآن أكثر من أي وقت مضى”.
قطع إليان تفكيري بنقرة على يدي: «هل حقاً تعتقد أن المستويات تقتصر على العائلات الأربع فقط؟».
بعثرتُ شعري وتنهدتُ بانزعاج: «هذا ما قرأتُ عنه في أحد الكتب».
رد إليان بسخرية: «كاتب ذلك الكتاب.. أخرق».
قلتُ بضيق: «أجل بحق، إنه أخرق لعـ*ـين».
استيقظ إيدن فجأة وكأنه سمع كلمته المفتاحية: <من هو اللعـ*ـين يا كاي؟ الملك؟>.
جفلتُ وهمستُ له:<أوه إيدن! لماذا تستيقظ دائماً عند هذه الكلمة؟>.
رد ببساطة طفولية: <هيهي.. إنها كلمتي المفضلة!>.
سحبتُ رأسه بلطف وأنا أتنهد <هاه.. وما الرائع فيها؟>.
—-
و بعد مدة— انتهى الدرس أخيراً، بصفقة قوية من عصا البروفيسور باريت على الطاولة، وكأنها طلقة أعلنت الإفراج عنا.
خرجنا أنا وإليان إلى الردهة، حيث تمدد إليان بعنف حتى كادت مفاصله تصرخ: «كان درساً طويلاً.. ومعلوماته أثقل من الجبال».
أبعدتُ يده التي كادت تصطدم بوجهي أثناء تمدده: «أجل، وفيه الكثير مما يحتاج للتدقيق.. اوه صحيح إليان، متى موعد تقديم أعضاء المجلس؟».
فجأة، تردد صوت همس غامض من خلفنا مباشرة، كأنه نابع من الفراغ: «إنه في الغد..».
التفتنا أنا وإليان بسرعة البرق، وبحركة لا إرادية تحفزت حواسي القتالية. الردهة كانت خالية! يميناً وشمالاً، لا يوجد أثر لأي كائن بشري.
«ما هذا؟» تمتمتُ بريبة، وأنا أتحسس أذني التي لا تزال ذبذبات الصوت ترن فيها.
وفجأة، انفتح باب الغرفة المجاورة وخرجت روز وهي تنفجر بالضحك بخبث: «.. كيف وجدتَ قدرتي الجديدة؟ هل أصابتك القشعريرة؟».
أرخيتُ عضلاتي المتوترة واقتربتُ منها بهدوء أحاول استيعاب ما حدث: «هل كانت هذه أنتِ حقاً؟».
عدلت روز خصلات شعرها بفخرٍ طفولي: «ومن غيري؟ لقد ابتكرتُ مهارة تسمح لي بنقل صوتي عبر ذبذبات الهواء المضغوطة، يمكنني إيصال الهمس لأذنك دون أن تلمح ظلي حتى!».
صفق إليان بانبهارٍ صادق، وعيناه تلمعان كطفل وجد لعبة جديدة: «واه! اخترعتِها بنفسك؟ أنتِ حقاً موهوبة بشكل مخيف يا فتاة!».
فكرتُ بذهول وأنا أتفرس في ملامحها بصمت: “هذه الفتاة.. حقاً موهوبة كما قال المدير. المانا الخاصة بها تملك تردداً غريباً، وكأنها لا تتحكم بالعناصر فحسب، بل تعيد صياغة القوانين الفيزيائية حولها مثل تحكم إليان ولكن بشكل مضطرب وغريب حقاً”.
لوحت روز بيدها بتفاخر: «لماذا أنتم متفاجئون؟ على كلٍ، التقديم غداً لذا جهز نفسك جيداً»، وأشارت إليّ بسبابتها.
فكرتُ بملل وأنا أراقب حركاتها: “ها هي تقول هذا مرة أخرى.”قلتُ بسخرية وأنا أخطو نحوها مقلصاً المسافة بيننا: «أنتِ من يجب أن يجهز نفسه، وبالمناسبة.. حاولي ألا يكون دخولكِ “مبهرجاً” كالمرة الماضية».
احمر وجه روز دفعة واحدة وتراجعت خطوة للوراء وهي تصيح بإحراج: «م.. ماذا تقصد بالبهرجة؟ لقد كان ذلك خطأً في الحسابات!!».
رفع إليان إبهامه وغمز لها بخبث: «لقد كان دخولاً أسطورياً بحق!».
أضفتُ أنا الآخر لإغاظتها رافعاً إبهامي: « هل تعتقد ذلك! إذا استمري على هذا المنوال، الجماهير تحب الأكشن».
«أنتم حقاً..!» صرخت روز وهي تلوح بيديها في الهواء، ثم سكنت فجأة.
أنزلت رأسها قليلاً، وقالت بتردد وصوت خفيض غلفه خجل غير معهود: «في الحقيقة.. لم آتِ لي هذا».
رفعت رأسها واقتربت مني بجدية مفاجئة جعلتني أتراجع خطوة. قالت بنبرة صادقة: «أردتُ أن أشكرك يا فتى الظواهر.. على ما فعلته في المرة الماضية. لقد نسيتُ تماماً أن أشكرك في قاعة الطعام.. شكراً لك».
استذكرتُ “الاستجواب” المرير الذي أذاقتنا إياه، وفكرتُ بسخرية: “أوه، بالتأكيد ستنسين! لقد كنتِ مشغولة بتمزيق خصوصياتنا بوابل أسئلتك و لم تمنحينا حتى فرصة لهضم طعامنا بسلام!”.
نظرتُ نحو ياقته وتمتمتُ في سري: “ومن حسن الحظ أن إيدن نائم، وإلا لكان له رأي آخر في هذا”.
رفعتُ رأسي وهدأتُ من نبرتي، ثم ملتُ برأسي قليلاً وابتسمتُ بصفاءٍ، قائلاً بخفوت: «لا داعي لشكري يا روز، لم يكن أمراً كبيراً يستحق كل هذا العناء.. في الحقيقة، لم أعتقد أنكِ ستأتين لشكري أصلاً».
نظرت روز لوجهي لوهلة، وتجمدت عيناها في عيني وكأنها تبحث عن سخرية مخفية في تلك الابتسامة، لكنها سرعان ما أزاحت نظرها بعيداً بسرعة وهي تمتم بغرابة، وقد بدا الارتباك واضحاً في نبرة صوتها: «لـ.. لمَ لا؟ لقد ساعدتني وهذا مجرد تعبير عن امتنان بسيط، وكان عليّ فعل ذلك فحسب.. لا تسيء الفهم!».
هنا، قرر إليان أن اللحظة أصبحت “درامية” أكثر من اللازم، فاقترب بغمزته المعتادة التي لا تبشر بخير: «أوه، انظروا إلى هذا الامتنان المفاجئ ووجوه محمرة!».
ثم مال نحو روز وهمس باستفزاز وهو يضيق عينيه: «هل أرى شيئاً يلوح في الأفق؟ في أروقة المجلس؟».
«مااااااااذااااااا!»
اشتعل وجه روز كالجمر المشتعل، ودفعت وجه إليان بعيداً عنها بكل قوتها وهي تصرخ بإحراج قاتل: «أراكم غداً! لا.. بل لا أريد رؤيتكم أبداً أيها المزعجون!». واستدارت تركض كأن وحشاً يطاردها.
راقب إليان رحيلها بزهو وهو يضع يديه على خصره، وفجأة، قام بـ “رقصة نصر” سخيفة؛ بدأ يهز كتفيه ويغني بصوت خفيض: «واحد.. صفر لصالح إليان! القطة الصغيرة هربت!».
لم يكتفِ بذلك، بل عدل ياقته ونظر لمرآة وهمية في الهواء بغرور مصطنع وهو يمسح دموع الضحك: «أنا حقاً وسيم لدرجة تجعلها تفر ذعراً».
تنهدتُ بحسرة وأنا أنظر إليه: «إليان.. أحياناً أشعر أنني أعيش مع طفل في الخامسة، وليس مع سليل عائلة زيفيروس العظيمة».
بينما كانت روز تبتعد كالإعصار، كادت تصطدم بـ سيلفان الذي كان قادماً من الجهة الأخرى. رفع سيلفان يده بتحية هادئة وبسيطة: «مرحبـ..»، لكنها تجاوزته وكأنها لم تره، بل وكأنها تخترق الزمن من سرعة ركضها.
اقترب سيلفان منا وهو يحك شعره ببراءة وبلاهة: «م.. ما خطبها؟ بدت وكأنها خرجت من فرن لتوها».
ابتسمتُ له بهدوء: «أنت هنا؟ لا تشغل بالك، مجرد مواجهة خاسرة ضد إليان».
نظر سيلفان نحو أثرها، ثم هز رأسه بأسى: «أهاه؟ لا ألومها».
وفجأة، صدر صوت زمجرة غريب وعميق من أعماق جسده: «غهرررر».
التفتنا إليه أنا وإليان لنراه يمسك بطنه بإحراج شديد ووجهه يقول الكثير: «فلنذهب لقاعة الطعام.. إنني جائع لدرجة أن سيفي بدأ يهتز مع معدتي».
انفجرتُ ضاحكاً مع إليان، الذي وضع يده حول كتف سيلفان وسحبه بقوة: «أجل، أجل! فلنذهب، فصغيرنا “سيل” لا يمكنه تحمل الجوع!».
(الراوي)
سار كاي خلف رفيقيه، وبينما كان يراقب مشاحناتهما الصبيانية، تمنى في أعماق قلبه أن تستمر هذه السكينة لأطول فترة ممكنة؛ أن تكون الأكاديمية مجرد رحلة علمية هادئة، وأن يظل مجرد طالب مستجد يستكشف هذا العالم بهدوء.
لكن القدر، كما جرت العادة، كان يخبئ له مفاجأة من نوعٍ آخر تماماً، ستعصف بكل خططه للتواري عن الأنظار، مفاجأة ستُحطم هدوءه وتجبره على كشف أنيابه مبكراً.
—-
في اليوم التالي – قاعة التقديم الكبرى
ساد صمت مطبق في القاعة بعد الصرخة التي دوت من حنجرة كاي: «ماذا قلت؟!».
كان كاي واقفاً في منتصف القاعة، وعيناه مسمرتان على «أليستر»، رئيس المجلس الذي كان يقف بشموخ بارد، وينظر إليه بنظرات مستفزة لا تحمل ذرة من الود.
ضيق كاي عينيه، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الانزعاج الصريح، وصرخ مرة أخرى وهو يحاول كبح غضبه: «أعد ما قلته الآن.. أي اختبار هذا؟!».
رد أليستر ببرود جليدي، وصوته يتردد في أرجاء القاعة الواسعة: «مثلما سمعت تماماً.. تقديمكم للمجلس سيكون (اختبار مواجهة)».
شعر كاي بغليان الدماء في عروقه، وحدث نفسه بسخرية لاذعة: “ما خطب هذا الفاسق الصغير؟”
هذه الكلمات لم تكن مجرد كلمات بل كانت تلك هي “الشرارة الأولى”.. الشرارة التي ستُعلم الجميع أن “فتى الظواهر” ليس لقمة سائغة، وأن العباءة الزمردية التي يرتديها لم تأتِ من فراغ.
التعليقات لهذا الفصل " 58"