57 - من صراع الوسائد إلى عواصف المانا وضريبة الفضول القاتل
الفصل السابع والخمسون: من صراع الوسائد إلى عواصف المانا وضريبة الفضول القاتل
(POV: كاي)
كان المنظر فوضوياً لدرجة جعلني أتساءل: “هل أنا في مقر مجلس طلاب، أم في حضانة للأطفال ذوي القوى الخارقة؟”.
ريو يغلي غضباً ويمسك بياقة روز، والآخرة تبتسم ببلاهة مستفزة وكأنها لم تفتعل إعصاراً حطم بروتوكول المكان قبل ثوانٍ.
نظرتُ إلى سليا؛ كانت تدلك صدغيها بنفاد صبر كأم تعاني مع أطفالها، أما مايا وكاسيوس فكانا يراقبان بهدوء وداروين يقف خلفهم كالصنم.
بينما إليان بجانبي يراقب المشهد بمتعة وكأنه يشاهد فيلماً كوميدياً في عرض حصري كان ينقصه فقط بعض الفشار. أما سيلفان، فقد كان على وشك الاعتذار نيابة عن الرياح نفسها من فرط إحراجه!.
ولكن رغم الفوضى، وبسبب دخول روز الغير المتوقع تحطم ذلك الجو المتوتر، و شعرتُ برغبة غريبة في الضحك و أنا أفكر بسخرية: “أهلاً بكِ يا صانعة الفوضى.. لقد جعلتِ الأجواء أكثر حيوية”.
لكن ذلك المدعو ريو كان يبالغ في ردة فعله. لم يكتفِ بالصراخ، بل بدا وكأنه ينوي رفع روز من ياقته ليقذف بها بعيداً. في تلك اللحظة، فهمتُ مقصد المدير آرسلان تمام عن هذه الفتاة. تنهدتُ في سري و همست: «يا للإزعاج..».
لم أفكر مرتين. تحركتُ قبل أن يدرك أي شخص في الغرفة ما حدث. لم تكن مجرد حركة خاطفة، بل كانت كـ”إزاحة مكانية” محسوبة. استعنتُ بـ [خطوات الهمس]، و في جزء من الثانية، ظهرتُ بجانبه كأنني انبثقتُ من العدم.
قبضتُ على معصمه قبل أن يرفع روز عن الأرض. لم أضغط بكل قوتي، لكنني وضعتُ إبهامي في “نقطة ضغط” عصبية دقيقة جعلت يده ترتخي قسراً.
شعرتُ بارتعاش يده تحت قبضتي؛ لم يكن خوفاً، بل صدمة من الضغط المفاجئ الذي سلطتُه على مفاصله. حاولتُ الحفاظ على برود وجهي رغم أنني أقحم نفسي في أمر لا يعنيني، لكن نظراته كانت تشتعل بغضباً بدائياً.
شعرتُ بمانا ريو وهي تضغط على يدي، كانت قوية ومركزة، لكنها.. حقا لا شيء مقارنةً بقبضة جدي التي كانت تحطم العظام.
نظرتُ في عينيه مباشرة، وأطلقتُ نبضة خفيفة، و باردة، من المانا التي تكمن في أعماقي. قلتُ بصوت هادئ، ذلك الهدوء الذي يسبق اقتلاع الأشجار: «لقد اعتذرت.. اتركها».
زمجر ريو بصوت أشبه بزئير وحش جريح: «أنت!»، وبدأ يجمع المانا حوله بغزارة حتى بدأ الهواء “يئز” من حولنا بذبذبات حادة.
شعرتُ بضغطه يتغير ويصبح أكثر هجومية. فكرتُ بإنزعاج: “يا إلهي، حقاً؟ ما الذي ورطتُ نفسي فيه الآن؟”.
«توقفا فوراً!»:هز صوت سليا أرجاء القاعة. في لمح البصر، استلت سيفها ووضعته في المنتصف بيننا. كان نصل سيفها يشع بـ”صدى” منظمة وحادة، فصَلَت ببراعة بين مانا ريو المشتعلة والمانا الخاصة بي.
نظرت إلينا سليا بعينين حادتين كالصقر: «هل نسيتم أين أنتم؟ هذا مقر مجلس الطلاب، وليس ساحة لتصفية الحسابات الشخصية! ريو.. أفلت روز. كاي.. أفلت يده».
أرخيتُ قبضتي ببطء، لكنني لم أبعد عيني عن ريو حتى تراجع هو أولاً. سحب يده بعنف وهو ينظر إليّ بحقد دفين: «تسك.. لا تتدخل فيما لا يعنينك يا مستجد!». ثم اتجه نحو الكنبة ليرتمي عليها بغيظ.
اقتربت سليا من روز وسألتها باهتمام: «هل أنتِ بخير؟».
عدلت روز ياقته بابتسامة محرجة: «أنا حقاً آسفة. لقد بالغتُ قليلاً في تقدير المسافة واستخدام قدرة الرياح لِدَفْعي».
ضحكت سليا ووضعت يدها على ظهر روز: «إذا كنتِ بخير فهذا جيد».
التفتت سليا إلينا، ومررت نظرتها بيني وبين إليان وسيلفان: «لقد أثبتم شيئاً واحداً على الأقل.. أنكم لا تملكون ألسنة طويلة، بل تملكون “حضوراً”. كاي، تدخلك كان دقيقاً، وأعجبني هدوؤك».
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، تلك التي لا تصل للعينين: «شكراً سيدي.. اوه أقصد سليا».
غمز لي إليان بخبث وكأنه يقول: “أداء تمثيلي رائع”. أما سيلفان، فقد تنفس الصعداء أخيراً وهمس لي: «كاي.. لقد كنت رائعاً حقاً، ظننتُ أن القاعة ستنفجر!».
ثم أضافت سليا وهي تصفق بيديها لتنهي الموقف: «حسناً جميعاً، هذا كل شيء لليوم. لقد تعارفنا، وهذا يكفي كبداية. فلنلتقِ بعد أن ترتبو أمتعتكم في السكن وتستقرو.. ربما بعد أسبوع؟».
حكت رأسها بضحكة خفيفة: «لستُ متأكدة من المواعيد بدقة. على كلٍ، أراكم في يوم تقديمنا كأعضاء مجلس. وداعاً».
فكرتُ بسخرية وأنا أهمّ بالمغادرة: “شخصيتها غريبة حقاً.. ولماذا ينتابني شعور قوي أنه لن يكون هناك أي ‘خير’ في لقائنا القادم؟”.
———————————————————–
(الراوي)
وفي تلك الأثناء، في مكتب المدير آرسلان الذي تفوح منه رائحة التبغ” الفاخر” كان ضوء الشمس يداعب الأوراق المتراكمة على مكتبه:
دق، دق، دق.
آرسلان بصوت رخيم ومخضرم: «من هناك؟ فلتدخل».
انفتح الباب ليخطو إلى الداخل فتىً بشعرٍ أسودَ مرتبٍ يوحي برزانةٍ بالغة، وعينين عسليتين يغلفهما البرود. انحنى بوقارٍ رصين وهو يقول بنبرةٍ هادئة: «إنه أنا».
وضع آرسلان الأوراق من يده جانباً واعتدل في جلسته: «أوه، أليستر! ماذا يفعل رئيس مجلس الطلاب هنا؟ أليس لديكم اجتماع تعريفي للأعضاء الجدد الآن؟».
رد أليستر ببرود وجفاف وهو يضع يده وراء ظهره: «لم يعجبني..».
أغمض آرسلان عينيه وتنهد بعمق: «هل تقصد طلاب السنة الأولى؟ إنك حقاً سريع الحكم يا بني، وهذا هو عيبك الوحيد الذي قد يكسرك يوماً».
رد أليستر باستهتار وهو يرفع يده بحركة متشككة: «لا أرى فيهم أي شيء يستحق الذكر، باستثناء “السيد الصغير زيفيروس”، لديه الإمكانيات فهو الوحيد الذي يملك أساساً معقولاً».
تقدم آرسلان بجسده، وشبك يديه على الطاولة بابتسامة غامضة: «حتى ذلك الفتى الساحر؟».
رد أليستر بهدوء قاطع: «لا شيء مميز.. مجرد ظل آخر».
آرسلان انفجر ضاحكاً بصوت هز المكتب: «! راقبه عن كثب يا أليستر، سترى في ذلك “الظل” ما لم تستطع بصيرتك رؤيته بعد!».
استدار أليستر ليغادر وهو يقول بنبرة متناهية: «لا أعلم ماذا تقصد، لكنني أعتقد أنه مجرد فتى نبيل دخل هنا بتوصية خاصة منك». ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
و بمجرد أن خرج وأغلق الباب، استند آرسلان بظهره للكرسي وراقب الباب المغلق بابتسامة متأملة.
“ذلك الفتى الشقي.. يظن الجميع أنه متكبر بحركاته هذه، لكنه في الحقيقة أبسط من ذلك بكثير.
أليستر لا يملك وقتاً للمجاملات أو المظاهر؛ إنه شخص عملي لدرجة القسوة، يثق بحدسه الأول أكثر من أي شيء آخر. بالنسبة له، العالم ينقسم إلى ‘قوي مفيد’ أو ‘ضعيف يحتاج المزيد من التدريب’، ولا تهمه الدماء التي تجري في عروقك”.
ضحك آرسلان بخفة وهو يداعب لحيته: “أنت في المرحلة الثالثة من رتبة ‘المحترف’، ولذلك حدسك يخدعك هذه المرة. لقد اعتاد أليستر على رؤية ‘الظاهر’، لكنك ستتفاجأ قريباً. كاي ليس مجرد نبيل دخل بالتوصية، بل هو كيان أعمق مما يتخيله حدسك العملي”.
نظر المدير آرسلان إلى النافذة: «هناك شيء عميق ومظلم في ذلك الفتى .. شيء سيهز أركان هذه الأكاديمية».
ثم تمتم آرسلان وهو يعود لأوراقه: «سيكون المستقبل ممتعاً بحق».
———————————————————–
(POV: كاي)
دخلنا أنا وإليان مبنى السكن، وكان المكان مذهلاً لدرجة تجعلك تنسى أنك في مؤسسة تعليمية؛ بدا الأمر وكأننا في فندق ملكي. لكن ما لفت انتباهي لم يكن التصميم المعماري، بل تلك الهمسات التي بدأت تلاحقنا كظلال مشؤومة ونظرات الطلاب التي اخترقت ظهري.
التفتُّ حولي بهدوء وتمتمتُ بنبرة غير مرتاحة: «واو.. ما هذا الاستقبال الحافل؟ لماذا يحدق الجميع بي وكأنني مخلوق غريب سقط من السماء لتوّه؟».
ردّ إليان بنزقٍ وهو يزيح خصلات شعره للخلف بانزعاج: «إنه بسبب استدعاء المدير لك، وأيضاً.. الصناديق التي كنت تحملها. إشاعات “مجلس الطلاب” تنتشر هنا أسرع من حرائق الغابات. الجميع يتساءل من هذا “المستجد” الذي نال العباءة الزمردية بعد استدعائه من قبل المدير».
«أوه».. تذكرتُ فجأة تحذير تلك الفتاة في الممرات حين قالت لي أن أجهز نفسي و تساءلت إن كان هذا ضمن ما كانت تقصده. ابتسمتُ بسخرية في سري: ” على كلٍ، بل كان عليها هي أن تجهز نفسها بعد ما حدث في القاعة المجلس قبل قليل”.
بعد مسيرةٍ ليست بطويلة، وصلنا أخيراً إلى غرفتنا؛ كانت رحبةً وجدرانها مزينة بنقوشٍ سحرية تومض بخفوت وتعمل كعازلٍ متقنٍ للصوت. ضمت الغرفة سريرين فخمين ونظام تدفئةٍ مدعوماً ببلورات “المانا” المتوهجة. شعرتُ بدفئه الطيف يداعب وجهي فور دخولي للغرفة. سألتُ بفضولٍ وأنا أتفحص تفاصيل المكان: «أوه صحيح.. وماذا عن سيلفان؟».
ألقى إليان بمعطفه جانباً بلامبالاة وأجاب: «سيلفان مُبارز، لذا استقر في سكن “معقل السيوف”. لا تقلق، غرفته هناك لا تقلُّ فخامةً عن غرفتنا هذه».
فكرتُ بذهولٍ وأنا أنظر حولي: “وااه.. هل هناك قصرٌ آخر للمبارزين أيضاً؟ ميزانية هذه الأكاديمية وحدها ميزانيات دولة كاملة اعتقد!”
بعد عناء ترتيب الأمتعة، ارتمى إليان على سريره؛ وبما أنه يملك جسداً يرتجف من أقل نسمة هواء، فقد سارع برفع المدفأة السحرية لأقصى طاقتها.
شعرتُ بالحرارة تخنق أنفاسي، فنزعتُ ردائي وصرختُ محتجاً: «هاي! الجو هنا تحول لفرن صهر معادن!»، وقمتُ بخفضها فوراً.
انتفض إليان وهو يتقوقع داخل لحافه: «ماذا تفعل؟ أنا أتجمد!».. وعاد لرفعها مجدداً.
لم أتمالك نفسي، سحبتُ وسادتي وقذفتها بكل قوتي لتستقر مباشرة في وجهه: «تجمد إذاً! لا أريد أن أستيقظ غداً كقطعة لحم مشوية!».
أطلق إليان شهقة درامية وهو يزيح الوسادة عن وجهه، ثم أمسك بها وردها إليّ بضربة مباغتة أسقطتني على السرير: «يا لك من عديم إحساس! أتضحي بصديقك الوحيد من أجل بعض البرودة؟».
بدأ صراع “طفولي” وساخر بيننا؛ إليان يرفع الحرارة وأنا أخفضها، وبين كل ضغطة والأخرى كانت الوسائد تتطاير في أرجاء الغرفة الفخمة.
وفجأة، فتح إيدن المستلقي كأفعى صغيرة خاملة فوق سريري عيناً واحدة بملل، وتردد صوته الطفولي في وعيي:<كاي.. هل أحرق الغرفة وأريحكم من هذا الصراع البدائي؟ أنا أيضاً أريد “اللعب” ببعض الحرارة!>.
تصلبتُ في مكاني والوسادة لا تزال عالقة في يدي، والتفتُّ إليه بذعرٍ صامت: <لا! إياك وفعل ذلك!>.
تنهدتُ مستسلماً وألقيتُ بالوسادة جانباً، ثم تركتُ إليان يضبط المدفأة كما يشاء. و ما إن استقرت الحرارة على الدرجة العالية حتى تمدد إليان بانتصار، وقال بابتسامة عريضة وهو يغمز لي باستفزاز: «شكراً! هذا التنازل يجعلك أمير جديراً».
استلقيتُ على سريري، ثم اعتدلتُ فجأة وسألت: «هاي إليان، بعيداً عن المزاح.. ما هي مهامنا الحقيقية في المجلس؟ وما هي الامتيازات؟».
نظر إليّ إليان بذهول تام: «هل حقاً المدير آرسلان لم يخبرك بشيء؟».
أطلقتُ زفيراً حانقاً وأنا أتذكر وجه المدير آرسلان الماكر ونظراته الغامضة، فقلتُ بنزق: «هو لم يخبرني بأي شيء، يا له من مدير فاشل!».
جلس إليان على حافة سريره وبدأ يشد رباط حذائه قائلاً: «حسناً، انظر.. المهمة الأساسية هي الضبط. نحن من نحقق في استخدام السحر غير المصرح به، أو القتالات بين الطلاب وما إلى ذلك».
عدلتُ جلستي بملل، وسندتُ ظهري إلى الوسادة مهتمساً: «همم.. أعمال متوقعة..؟».
أخذ إليان يعدد لي المهام بأصابعه بحماس: «ونشرف على البطولات، ونتحكم في الموارد مثل الوصول لغرف التدريب الخاصة لوقت محدود، أو الوصول للكتب القيمة».
فكرتُ في نفسي بذهول: “وااو، مجلس الطلاب هؤلاء متحكمون حقاً.. هل هذا سبب دخولي؟”.
رفع إليان يده الأخرى مكملاً: «أوه، والمميزات هي!»، رفع أصبعاً واحداً: «أولاً، دخول الأرشيف المُقيَّد؛ تمنح لنا مفاتيح لأقسام لا يدخلها الطلاب العاديون».
اتسعت عيناي قليلاً وقلت باهتمام: «هذا جيد..».
أضاف أصبعاً آخر: «ثانياً، قاعة التدريب المُحاكي؛ محاكاة خصوم بمستويات عالية جداً».
أكمل بجدية وهو يرفع أصبعاً ثالثاً: «والأهم، الحصانة الجزئية والإشراف على المهام الخطيرة.. مهام حقيقية خارج الأكاديمية».
«أجل.. أجل! إنهم حقاً في مستوى آخر تماماً!»، انفجرتُ صراخاً بحماس وأنا أنتفض واقفاً. ابتعدتُ بخطواتي غارقاً في تفكيري، ثم رفعتُ يدي ببطء وبسطتُ كفي نحو السقف وكأنني أحاول قبض قبضة على المستقبل.
تابعتُ في سري، وعيناي تلمعان ببريق لم أعهده:” الامتيازات التي تمنح لأعضاء المجلس مذهلة.. الأرشيف السري، غرف التدريب.. والأمر الأخير لست متأكداً منه لكنني استشعره.. “المهام”.
قبضتُ كفي بقوة فجأة، وارتسمت على وجهي ابتسامة واثقة: «خوض معارك حقيقية، مهام تشبه دخول المغارات.. أليس كذلك؟ سيفيدني كثيراً، هذا بالضبط ما أحتاجه لاكتشاف أسرار هذا العالم وتطوير نفسي».
أما إليان، فكان يراقبني بغرابة، وقد رفع حاجباً واحداً وهو يهز رأسه بيأس: «هل جن جنونك يا كاي؟ أنت تبتسم وكأنك وجدت كنزاً غارقاً، بينما أنا أفكر فقط في حجم التعب الذي ينتظرنا».
في تلك الأثناء، كان إيدن مستلقياً بكسل في حضن إليان يراقب هو الآخر. اغمض عينيه ببطء، وتثاءب بتململ قبل أن يتمتم صوته في وعيي بنعاس: <ربما.. ربما جن جنونه فعلاً>.
تنهد إليان وهو ينهض من السرير، وحاول تغيير الأجواء قائلاً: «على أي حال، لم يعد جسدي يتحمل المزيد من التفكير بمعدة خاوية.. أعتقد أنه وقت العشاء، فلننطلق إلى قاعة الطعام».
بمجرد أن نطق كلمة “طعام”، انتفض إيدن وفتح عينيه على وسعهما، ثم قفز بحماس من حضن إليان متجهاً نحوي وهو يصرخ في ذهني: <طعام؟ كاي.. كاي! سمك! أريد سمكاً!>.
ضحكتُ بخفة وأنا أضع أصبعي فوق رأسه الصغير وأفركه: «حسناً، حسناً سيد إيدن.. لا تفقد أعصابك، سنأكل حتى تشبع».
ثم سألتُ إيدن ونحن نغادر الغرفة متوجهين للقاعة: «عندما هربت يا إيدن وتركتني أواجه ذلك المجلس، أين كنت؟».
رد وهو يهز رأسه طرباً بفكرة الطعام: <تجولتُ في أرجاء قليلاً.. ثم وجدتُ مكاناً دافئاً ونمت>.
قلتُ بتهكم: «اهاا.. أنت والنوم قصة عشق لا تنتهي يا إيدن».
و في الطريق، لمحنا سيلفان منتظراً بقرب القاعة؛ لكزني إليان بمرفقه فجأة وهو يشير برأسه: «أنظر، إنه سيلفان هناك».
كنتُ شارد الذهن قليلاً، فالتفتُّ يميناً وشمالاً أبحث عنه بضياع: «أوه، أين؟». حينها رأيته رافعاً يده يلوح بهدوء وسط الزحام.
اقتربنا منه، فتوقفتُ أمامه و سألته بفضول: «ماذا تفعل بوقوفك هنا وحدك؟».
رد سيلفان بابتسامة وبساطة المعهودة: «لقد كنت أنتظركم يا رفاق، خمنتُ أنكم ستأتون الآن».
وضعتُ يدي على مقبض الباب الضخم ودفعته بكتفي قليلاً: «أوه، هكذا إذاً.. شكراً لانتظارنا يا صاح، فلندخل إذاً».
و بمجرد دخولنا القاعة الضخمة، شعرتُ وكأن الهواء تجمد؛ اتجهت كل الأنظار نحونا، نظرات حقد وشك وغيرة، وبدأت الهمسات تتصاعد: «هل هذا هو الفتى؟»، «صاحب الأفعى الغريبة؟»، «ما المميز فيه؟»، «وذاك ذو الشعر الأسود، هل هو في المجلس أيضاً؟».
فكرتُ بسخرية لاذعة: “واو، رائع حقاً.. يبدو أننا دخلنا السجادة الحمراء لفيلم رعب والجميع هنا يكره الأبطال. هل يجب أن ألوح بيدي؟ نظرات حقد وشك.. هل هذا بوفيه طعام أم محكمة تفتيش بحق؟”.
وفجأة، اقتحم صوت إيدن البارد والساخر عقلي: <كاي، هل يمكننا متابعة السير؟ السمك ينتظر! هؤلاء البشر رائحتهم تفوح بالغيرة والغباء.. إنهم يحدقون بي وكأنهم لم يروا أفعى وسيمة من قبل>.
حاولتُ كبت ابتسامة ساخرة وأنا أتابع تفكيري:” الآن أفهم لماذا كان سيلفان ينتظرنا بالخارج؛ ربما كان يتردد في الدخول لكي لا تصيبه شظايا هذا الحقد المنفجرة هنا. ذكي يا سيل، ذكي”.
شعرتُ بذبذبات إيدن في وعيي مجدداً، وقد بدأ يفقد صبره تماماً؛ زمجر بغضب: <“ليتهم يعلمون أنني الآن أشتمهم فرداً فرداً بلغات انقرضت قبل أجدادهم.. كاي، تحرك أسرع، هؤلاء الحمقى يعطلون مسيرنا نحو السمك المشوي، وإذا لم نصل قريباً، أقسم أنني سألتهم أحدهم بدلاً من السمك!>.
بينما كنتُ أحلل بنظراتي الباردة وجوه الحاقدين وأستمع الى زمجرة إيدن الغاضبة في عقلي، شعرتُ فجأة ببرودة مفاجئة تجتاح الهواء من حولي.
لم تكن برودة طبيعية ناتجة عن طقس الأكاديمية، بل كانت مانا مكثفة بدأت تتجمع في نقطة واحدة بجانبي.. نقطة كان يقف فيها إليان.
التفتُّ إليه ببطء، وتجمدت كلماتي في حلقي.ـــــــ
لم يكن ذلك الفتى الذي كان يمازحني قبل قليل بشأن حرارة الغرفة. اختفت الابتسامة اللعوب تماماً، وحل مكانها وجه كأنه نُحت من رخام الجليد. رأيتُ ظهره يستقيم بصلابة أرستقراطية مرعبة، ومال رأسه قليلاً لأسفل بينما ارتفعت نظراته لتخترق الجموع كأنهم مجرد حشرات.
لم تكن مجرد رياح عادية، بل كانت “عاصفة صامتة”.كان إليان يقف ببرود قاتل، يديه مرتخيتان وراء ظهره، و رأيتُ شعره الذهبي يتطاير بعنف إلى الخلف بفعل ضغط الطاقة، وعيناه.. عيناه لم تعودا بشريتين؛ بل أصبحتا تشعان بضوء أخضر فسفوري حاد، يشبه عيون المفترسات التي تتربص بفرائسها في ليلة مظلمة.
انتشرت موجة الضغط السحري و شعرتُ بها تصطدم بالطاولات فجعلت الأواني الفضية ترن وتتراقص فوق الخشب بصوت حاد، واهتزت الثريات المعلقة فوقنا بعنف.
الطلاب الذين كانوا يهمسون قبل ثوانٍ، رأيتُ وجوههم تشحب فجأة؛ كأن يداً خفية قبضت على حناجرهم. جفّت ألسنتهم، واتسعت أحداقهم بذعر وهم يراقبون خيوط الرياح الحادة تدور حول إليان كأنها نصال غير مرئية مستعدة لتمزيق أي شخص يتجرأ على النطق بكلمة أخرى.
أبعدتُ خصلات شعري التي عصفت بها رياحه عن وجهي، وراقبته بابتسامة إعجاب مكتومة: “وااه.. انه المرة الأولى التي أراك فيها بهذا الشكل يا ‘ابن الماركيز’!”.
حتى إيدن، الذي لا يأخذ شيئاً على محمل الجد، وقف فوق كتفي شعر بشحنات المانا في الجو، وصاح في وعيي بمرح: <واو! إليان الصغير رائع، لديه مخالب حادة حقاً!!>.
وضعتُ يدي بهدوء على كتفه، مشكلاً “نقطة ارتكاز” لتهدئة تلك العاصفة الهائجة. همستُ بصوت منخفض لا يسمعه غيره: «هذا يكفي أيها الفتى الغاضب.. لقد جعلت الجميع ينسون طعم العشاء قبل أن يبدأوا حتى».
بمجرد أن لمستُ كتفه، بدأت الرياح تخمد تدريجياً، وانطفأ التوهج الأخضر المرعب في عينيه ليعود لونهما الطبيعي الهادئ.
تنهد إليان بعمق، وأرخى كتفيه المتصلبين، ثم رفع يده ليعيد خصلة متمردة من شعره إلى مكانها بكل رقة وأناقة.
وبسرعة البرق، عادت تلك الابتسامة المشرقة والمستفزة لوجهه وكأن شيئاً لم يكن: «أوه، يا إلهي! اعتذر كاي، سيل.. يبدو أن “برستيجي” قد تأذى قليلاً من همساتهم الرخيصة». عدل ياقة بدلته بزهو: «هوووه! والآن، أين هذا الطعام اللذيذ؟ المعدة لا تنتظر!».
وقفتُ أنا وسيلفان في مكاننا لثوانٍ، عاجزين عن استيعاب هذا التحول اللحظي الجنوني. نظر سيلفان إليّ بهمس مصدوم: «كاي.. هل رأيت ما رأيته؟».
هززتُ رأسي بيأس وأنا: «أجل يا سيل.. صاحبنا هذا مجنون رسمي بمرتبة شرف».
—-
(POV: سليا)
من زاوية بعيدة في القاعة، كنتُ أراقب المشهد بتركيز وأنا أرتشف مشروبي ببطء: «كنتُ على وشك التدخل لتهدئة تلك الهمسات، لكن إليان سبقني.. إنه يملك كبرياء النبلاء وحضورهم الفطري، موهوب حقاً».
رد بجانبي أليستر بجديته المملة المعتادة، ونظراته لا تزال تحمل ذلك البرود الزائف وهو يراقب: «هذا متوقع من سليل عائلة زيفيروس، إنه عضو جدير بالمجلس.. على عكس رفيقيه».
هززتُ رأسي بتعب ونظرتُ إليه بنظرة عتاب وانا ادفع خصلة من شعري للخلف: «آه.. إنك سريع الحكم كالعادة يا أليستر. لأنك لم تحضر اللقاء التعريفي، فاتك استشعار “ثقل” حضورهم و معدنهم الحقيقي».
رد ببساطته المستفزة: «وما به حضورهم؟».
اندفعتُ خطوة للأمام، وقد بدا الضيق واضحاً في نبرة صوتي وأنا أهتف بحنق: «لقد أخبرتُك ألف مرة أن تتوقف عن فعل ذلك! توقف عن ممارسة هذا التكبر الزائف، إنه لا يليق بك!».
لم يكلف أليستر نفسه عناء الرد؛ بل تجاهلني تماماً ببرودٍ مستفز، واكتفى بوضع يده في جيبه وهو يشيح بنظره عني.
حركتُ يدي بقلة حيلة: «انسَ الأمر يا رجل، يبدو أن بصيرتك تحتاج لبعض الراحة. لكن حقاً.. ألا تعلم من يكون هذا الفتى؟». وأشرتُ بسبابتي نحو المبارز ذو الشعر الأسود الباهت الذي كان يبتسم بوضوح.
التفت أليستر نحوي مستغرباً: «من يكون..؟».
ضربتُ جبهتي بيدي ويئستُ من انغلاقه على نفسه: «رأيتُ أنك لا تعرف شيئاً خارج حدود ما تراه! وتقييم الناس من منظورك و تتسرع في الحكم! ذلك الفتى يكونـ…!».
—-
(POV: كاي)
تعالى صوت سيلفان بحماس وهو يشير لمكان في وسط القاعة: «آه! لقد وجدتُ مكاناً فارغاً هناك!».
كانت هناك فتاة واحدة تجلس على تلك الطاولة، ممسكة بكتابها وتتناول طعامها بهدوء غريب وسط هذا الضجيج، لم تكن سوى تلك الفتاة.
ضيق إليان عينيه بتعجب: «أوه.. تلك الفتاة المهرجة من المجلس؟».
زفرتُ بتنهيدة خافتة وأنا أتقدم: «أجل.. إنها روز».
التفت إليان نحوي فجأة، وبريق الفضول يشتعل في عينيه، وخفض صوته: «كاي.. هل هي من معارفك؟ لقد تدخلتَ بصرامة لإنقاذها من ريو، والآن تناديها باسمها وكأنكما صديقان قديمان؟».
وضعتُ يدي على جبهتي، وشعرتُ بصداع خفيف بمجرد تذكر لقائنا الأول: «في الحقيقة، هي أول من واجهتُه في طريقي لمكتب المدير. بدأت بفحصي وفحص إيدن كأننا قطع أثرية نادرة، ثم أرشدتني للمكتب.. وبالمناسبة، هي من أخبرتني بأمر الاجتماع، بينما نسي المدير “العظيم” ذكر ذلك تماماً».
رفع إليان حاجبيه بذهول ساخر، ثم وضع يده فوق فمه ليخفي ابتسامة عريضة وخبيثة، وقال بنبرة مليئة بالغمز واللمز: «إذن كانت “دليل” الأمير اللطيف؟ يا للروعة! يبدو أننا بصدد قصة بدأت شرارتها في أروقة المكتب.. و تدخل بطولي؟».
نظرتُ إليه بحنق بينما استمر هو في هز كتفيه بضحكة مكتومة، وكأنه وجد مادة دسمة للمزاح طوال العشاء.
اقترب سيلفان منها بابتسامته المهذبة: «أوه، مرحـ..».
«المكان محجوز»، قاطعتْه روز دون أن ترفع عينيها عن الكتاب.
رد سيلفان بحيرة وهو يضع صحنه ببطء: «ولكن.. هل يوجد نظام حجز في قاعة الطعام؟».
تنهدت روز ورفعت رأسها ببطء، لتجدني عن يمينه وإليان عن يساره. في تلك اللحظة، تجمدت تماماً.
انتقلت نظراتها بيني وبين إليان بسرعة، ثم قفزت من مكانها بابتسامة غريبة: «اوه.. اوه! أنتم!.. يمكنكم الجلوس طبعاً!». وبدأت تلملم كتبها وأغراضها ببعثرة واضحة.
وضعتُ صحني بريبة وشعرتُ بقشعريرة غريبة من نظراتها المتفحصة: “ما خطبها؟ هل أصابها مسٌّ ما؟”.
همس إيدن وهو يحاول التخفي خلف شعري: <كاي.. غريزتي تخبرني أن الجلوس هنا ليس قراراً حكيماً!>.
لكن الأوان كان قد فات. بمجرد أن استقررنا في مقاعدنا، انفتح سدُّ الفضول لدى روز، وأمطرتنا بوابل من الأسئلة التي لا تنتهي
«يا فتى الظواهر، هل استدعاك المدير لأنك تمتلك قوة مخفية؟ هل هزمت وحشاً من الرتبة S؟».
لم تمنحني فرصة لفتح فمي، بل انتقلت بنظرها لإيدن:« وما خطب هذا المخلوق الصغير؟هل هو استدعاء نادر؟ من أين جئت به حقا؟».
لم تترك لي فرصة للتنفس، وبسرعة البرق، استدارت نحو إليان الذي تجمد في مكانه:«تلك الرياح قبل قليل.. هل هي ميزة وراثية لعائلة زيفيروس؟ كيف تشعر بالمانا وهي تتدفق في عروقك؟ هل يمكنك الطيران فعلاً أم أنها مجرد إشاعة؟».
كنت اراقب وجه إليان ولأول مرة أراه يعجز تماماً عن الرد! بدأت ابتسامته الدبلوماسية المعتادة تتزحزح وتتلاشى من على وجهه، وحلّ مكانها تعبيرٌ من الذهول الخالص وكأنه يحاول استيعاب كمية الكلمات التي تنهال عليه.
فكرتُ بسخرية:” مسكين يا إليان.. يبدو أن “لباقتك” العالية قد تحطمت أخيراً أمام صخرة فضول هذه الفتاة!”.
مر الوقت وكأننا في غرفة استجواب تحت ضوء ساطع. ومع انتهاء وقت العشاء، غادرت روز وهي تلوح بيدها بابتسامة طفولية منعشة، بينما بقينا أنا وإليان منهارين تماماً فوق كراسينا، كجثث استُنزفت طاقتها بالكامل.. حتى أننا لم نلمس نصف طعامنا.
قلنا أنا وإليان في نفس اللحظة بصوت متهالك: «لم يكن علينا الجلوس هنا أبداً..».
التفت إليّ إليان، وكان شعره مرتبكاً وعيناه ذابلتين من أثر “الاستنزاف” الذي مارسته روز، وقال بنبرة جادة ومحطمة: «كاي.. تذكر كلامي جيداً، أنا لا أتفق معك بتاتاً بشأن بدأ “تلك القصة” التي زعمتَ أنها ستبدأ!».
أشار بيده المرتجفة نحو الباب الذي خرجت منه روز وأكمل: «بعد أن رأيتُ هذا الفضول المرعب.. أُفضل الوقوع في حفرة من الوحوش الغاضبة على البدء بأي “قصة” مع فتاة استنزفت طاقتي الحيوية في دقائق!».
أما سيلفان فكان يراقبنا ونحن نترنح في طريق العودة للغرفة، وهز رأسه بأسى: «آه.. إنني ممتن حقاً لأنني لستُ ساحراً ولا أثير فضول أمثالها، يبدو أن ضريبة السحر باهظة».
وهكذا بقدامٍ تجر خلفها ذيول التعب، انتهى يومي الأول الطويل المليء بالمانا، و الرياح،.. يوم بدأ بصندوق، وانتهى بـ “إعصار” من الأسئلة..
التعليقات لهذا الفصل " 57"