56 - ما وراء أصول المانا وبرج صدى الرياح.. حيث تلتقي النخبة!
الفصل السادس والخمسون: ما وراء أصول المانا وبرج صدى الرياح.. حيث تلتقي النخبة!
(POV: كاي)
خطوتُ داخل الفصل وأنا ما زلتُ أشعر بوطأة اللقاء الغريب مع أعضاء المجلس قبل قليل. كان الصندوقان في يدي يشكلان عبئاً ذهنياً لا جسدياً. أحاول جاهدًا الموازنة بين الصندوقين في يدي وتجنب لفت الأنظار، لكن اعتقد اننى فشلت تمامًا.
في مقدمة الفصل، كان يقف بروفيسور نحيل، يرتدي نظارات طبية تعكس ضوء الغرفة خلفها بشارب اسود مشذب بعناية، أعطاه وقاراً أكاديمياً صارماً.
توقف البروفيسور عن الكتابة على اللوح، ونظر إلى ساعته ببطء ثم وجه نظره نحوي: «أنت متأخر يا فتى،» ثم انزلقت نظراته إلى الصناديق في يدي، فاسترخى تعبيره قليلاً وأشار بيده للمقاعد: «أوه.. فلتجلس بسرعة.»
فجأة، رأيتُ يداً ترتفع في الصفوف الوسطى، وكان إليان يهمس بحماس وهو يؤشر بيده: «هنا! هنا يا كاي!»
انطلقتُ نحوه فوراً وكأنني وجدت طوق نجاة في ذلك المقعد الذي حجزه لي. وما إن جلستُ حتى اقترب إليان مني بجسده وهو يهمس وعيناه تتسعان بذهول و فضول: «لقد تأخرت كثيراً يا كاي! ماذا حدث هناك؟ وما هذه الصناديق؟ أوه.. هل هذه عباءة المجلس؟ هل دخلت المجلس حقاً؟!»لقد أغرقني بأسئلة واضحة
التفتُّ إليه ببطء بتجهم والشرر يتطاير من عينيّ، وشعرتُ برغبة عارمة في تفريغ غضبي فيه، فقلتُ بصوت خافت لكنه مشحون بالغيظ: «أنت!»
وضعتُ الصناديق على الطاولة بخشونة، وقبل أن ينطق بكلمة آخرى، انقضضتُ عليه بسرعة البرق وأمسكتُ بياقة قميصه (رقبته) وبدأتُ بهزه بعنف: «كيف يمكنك ألا تخبرني عن مجلس الطلاب أيها الـنذل…!»
تخبط إليان بين يدي محاولاً الإفلات وهو يصرخ بهمس: «ت.. توقف! توقف! كيف لي أنا أن أعلم بأنك ستنضم؟!»
أفلتُ ياقته، قليلاً لكنني بقيتُ محدقاً فيه بعينين ضيقتين: «أيها الكاذب! المدير أخبرني أن انضمامي أمر مقرر لأنني أمير، وأنت كنت تعلم بهذا البروتوكول بالتأكيد!»
وضع إليان إصبعه على فمه، ورسم تعبيراً بريئاً مصطنعاً لدرجة مستفزة: «أوه، هذا صحيح.. كيف نسيتُ أنك أمير! يا إلهي، يبدو أن عقلي بدأ يتراجع بسبب مرافقتك!» ثم مال للخلف وهو يضع يده على جبهته كأنه سيفقد الوعي من “الصدمة”. بتمثيلية متقنة.
حررتُ رقبته بلكامل وعيناي تضيقان بوعيد، رفعتُ يدي في الهواء وكأنني سأهوي بها على رأسه بنقرة قوية: «أيها.. أيها!»
صرخ إليان بذعر وهو يغطي رأسه بيديه: «آااه! لا تنقر على رأسي! لقد بدأتُ استوعب كل شيء الآن!»
قطع شجارنا صوت حاد جعل الدماء تتجمد في عروقنا. «أنتم الاثنين.»
جفلنا في مكاننا، والتفتنا ببطء شديد والعرق البارد ينزلق من جباهنا.. لنواجه البروفيسور الذي كان يميل برأسه قليلاً، ورغم أنه كان يبتسم، إلا أن عينيه كانتا تشعان بغضب و انزعاج صامت.
المعلم بنبرة هادئة مرعبة: «هل كنتما تستمعان لما كنتُ أقوله؟»
في تلك اللحظة، تخيل لي اني رأيت خلف ظهره هالة مظلمة بدأت تلتهم ضوء الغرفة، وتوهجت عيناه بوميض أحمر جعل شعري يقف.
:”تباً.. أعتقد أن هذا البروفيسور لا يجوز المزح في حصصه بحق! إنه يمتلك ضغط “تربوي” !”
مال البروفيسور برأسه أكثر، وبرز عرق على صدغه وهو يضغط على طبشورته: «إذاً.. ماذا كنتُ أقول؟»
نظرتُ لإليان في ثانية واحدة، وكان الصمت بيننا كفيلاً بنقل الرسالة: ‘لقد انتهينا.. لقد انكشفنا!’. في نفس اللحظة صرخنا باعتذار يائس: «نحن آسفان!»
تنهد البروفيسور بعمق، وعدل نظارته بسبابته وهو يعود للوح يحاول استعادة هدوئه: «فلتركزوا من الآن وصاعداً، لن أكرر ما أقوله مرتين.»
ثم استأنف البروفيسور شرحه بجدية: «في هذه الأكاديمية، لن نركز على القشور التي تعرفونها عن سحر الرياح، بل سنغوص في الأعماق. الرياح ليست مجرد قوة دافعة، بل هي درع غير مرئي، وسرعة تخرق الخيال، وضغط دقيق يمكنه تحطيم الجبال. مادتنا ستركز على التحكم في الجسيمات للوصول لمرحلة (الهمس)..»
’الهمس؟” لمعت الفكرة في عقلي فوراً: ‘هذا يذكرني تماماً بمهارة خطوات الهمس!”
تابع المعلم وهو يلملم أوراقه: «..حيث يصبح السحر استجابة غريزية تنبع من داخلك دون تفكير. سنحرص على تطوير تقنياتكم و..» توقف ونظر للساعة ثم جمع أوراقه: «انتهى الوقت. لا تنسوا ما أخذناه، سيكون هذا محور دروسنا القادمة. وداعاً.»
انتهت الحصة بسرعة غير متوقعة ثم خرجنا فوراً، وكان إليان يسير بجانبي بخفة مستفزة وكأنه لم يتعرض للتوبيخ قبل قليل.
سألتُه بتعجب وأنا أحمل صناديقي: «بهذه السرعة؟ هل انتهت الحصة حقاً؟»
ابتسم إليان ابتسامة طفيفة وأجاب: «أجل يا صاح، اليوم الأول تعريفي. وبما أنك صدعت رأسي برغبتك في “فهم السحر”، فقد اخترتُ لنا فصولاً هي حجر الأساس. استعد للحصة القادمة.»
«أوه.. هكذا إذاً،» شكرتُه واتجهنا معا للقاعة التالية. كانت القاعة تعج بالطلاب والهمسات تملأ الأرجاء، حتى دخل البروفيسور.
كان له حضور لا يُمزح معه، حضور يفرض الوقار بمجرد أن تطأ قدماه القاعة. وقف البروفيسور خلف منصته؛ وجهه الأنيق يشي بأنه في منتصف العشرينيات، لكن شعره الرمادي الداكن كان يمنحه هيبة تسبق عمره بكثير. ثم نطق بصوت رزين تردد صداه في الزوايا: «مرحباً بكم جميعاً. أنا البروفيسور أندري».
تعالت أصوات التصفيق، لكنه أشار بيده في حركة خاطفة ليقطعها، ثم أكمل: «اليوم سنبدأ بما قد يعتقده البعض بديهياً، لكنه في الحقيقة.. سر الوجود. سنتحدث عن المانا».
تسمرتُ في مكاني، وشعرت برعشة مباغتة: “مانا؟ هذا المصطلح موجود هنا حقاً؟”.
أكمل أندري وكأنه قد قرأ الحيرة على وجوه القليل منا: «أعلم أن بعضكم، خاصة من نشأ في الأقاليم البعيدة والريفية، اعتاد إطلاق مسمى “السحر” على كل شيء. لكن هنا، نحن نفرق بين المادة والنتيجة. دروسي هي: أصول المانا.. من السكون إلى التدفق».
بدأ يشرح بأسلوب علمي صارم كيف أن المانا ليست سحراً، بل جزيئات خام تحيط بنا، وأن “جوهر القلب” ليس مجرد مضخة، بل هو “نواة مانا” يجب تنقيتها بمجرد الاستيقاظ.
انغمرتُ في التحليل، وبدأت خيوط ذاكرتي تترابط: “في الحدود و بيت جدي، كانت كيرا والجد يتحدثون دائماً عن السحر ككتلة واحدة.. كقوة خام نضخها لنقاتل أو لنحمي. يبدو أنهم كانوا يبسطون الأمور لي، أو أنها لغة المحاربين التي لا تهتم بالتعريفات الأكاديمية”.
“المانا هي المحرك، والسحر هو مجرد التعبير الخارجي عنها. تباً، لقد قرأتُ عن هذا في الروايات، لكن سماعه كعلم حقيقي يجعل الأمر مخيفاً وممتعاً في آن واحد”.
فجأة، تناهى إلى سمعي صوت إيدن وهو يتثاءب بكسل داخل وعيي: <أخيراً بدأت تستخدم المصطلحات الراقية؟ “مانا”.. كلمة تعطي هيبة أكبر لجمالي من كلمة “سحر” المبتذلة التي كنت تكررها كالببغاء!>.
صدمتُ وسألته بذهول:<هل كنت تعلم بهذا المصطلح طوال الوقت ولم تخبرني؟>.
أجاب إيدن بفخر مستفز وهو يغلق عينيه: <بالطبع أعلم، أنا كائن مرتبط بالمانا منذ ولادتي، لكنني ظننتك تحب البساطة يا كاي>.
نظرتُ إلى إليان بجانبي؛ كان متكئاً بملل واضح، مما أكد لي أنه يعلم كل هذا مسبقاً، وأنني الوحيد الذي كان يعيش في “عصور الظلام” المصطلحية بينهم..
وبعض مدة انتهى البروفيسور من عرضه السريع وغادر الفصل على الفور، تاركاً خلفه هالة من الجدية و طالباً منا أن نتجه لأخذ معلومات السكن الأكاديمية.
تنهدتُ واستندتُ بظهري للخلف: «هل انتهينا من جميع الفصول لليوم؟».
أجاب إليان وهو يتبع حركتي بابتسامة: «أجل، يبدو ذلك».
نظرتُ له باستغراب: «لنأخذ معلومات عن غرفنا. أليس كذلك؟».
رد إليان وهو يرفع يده بلا مبالاة: «ليس علينا ذلك. نحن في نفس الغرفة المشتركة».
قلتُ بتعجب وأنا أرفع حاجبي: «أوه حقاً؟ كيف ذلك؟». ثم توقفتُ للحظة، ومالت شفتاي بابتسامة ساخرة وأنا أهز رأسي: «أوه صحيح، أنت ابن الماركيز! كيف نسيتُ ذلك؟».
ضحك إليان وهو يلوح بيده: «هل تقلدني الآن؟ على كلٍ، فلنتجه لمكان آخر».
قطبتُ حاجبي وسألته: «مكان آخر؟».
«ألم يخبرك المدير عن اجتماع مجلس الطلاب؟»؛ قال إليان وهو ينهض من كرسيه.
جفلتُ للحظة و أنا أتذكر: «أوه صحيح! الاجتماع! في الواقع.. لم يخبرني المدير بشيء، بل عرفتُ من شخص آخر».
سأل إليان بفضول: «شخص آخر؟».
تنهدتُ بعمق وحككتُ مؤخرة رأسي بنزق: «أجل، إنها قصة طويلة.. ذلك المدير غريب الأطوار لم يخبرني عن شيء يخص نظام المجلس».
رفع إليان يده وبدأ يصفق بحركات درامية ساخرة: «واااو! المدير آرسلان حقاً رائع في مهامه!».
قلتُ له بحدة طفيفة: «توقف عن الاستهزاء! أريدك أن تخبرني بكل شيء لاحقاً. الآن لنذهب كي لا نتأخر، أشعر أنني أصبحتُ “عميد المتأخرين في الفترة الأخيرة “!».
رد إليان فوراً وهو يومئ برأسه بجدية مصطنعة: «هذا صحيح». ثم سكنت نظراته على الصناديق في يدي وأضاف: «ولكن.. ما خطب الصندوق الآخر؟».
ابتسمتُ باتساع: «إنه لسيلفان».
توقف إليان عن المشي فجأة والتفت لي: «هل سيلفان أيضاً سينضم للمجلس؟».
أجبتُه وأنا أعيد إحكام قبضتي على الصناديق: «أجل».
ابتسم إليان بابتسامة خبث بدأت تظهر في زوايا فمه: «هذا رائع! فلنتجه لقسمه إذاً ونذهب معاً». ثم همس بنبرة شيطانية: «هل تعتقد أنه سيموت هذه المرة من شدة الصدمة؟».
ضربتُه بكتفي بخفة: «أيها الشرير إليان!».
ضحك إليان، ثم توقف ونظر إليّ من أعلى لأسفل: «مهلاً.. هل ستذهب حقاً وأنت تحمل الصناديق هكذا مرة أخرى؟».
أجبتُه ببساطة: «إذاً أين تريد أن أضعهم؟ فوق رأسي؟».
أشار إليان بسبابته إلى معصمي، وتحديداً نحو الأسوارة: «يبدو أنك نسيت هذه.. هل هي للزينة أم ماذا؟».
اتسعت عيناي وأنا أنظر للمعصم: «أوه يا إلهي صحيح! لقد نسيتُ وجود تكنولوجيا التخزين السحري هذه تماماً!». ركزتُ عقلي على أسوارة التخزين، وفجأة ومضت بشكل خافت وانبعثت منها هالة خضراء، لتسحب الصندوقين اللذين ذابا في الهواء كأنهما مجرد وهم.
زفرتُ براحة وأنا أهز معصمي: «هوووه! الآن لنكمل طريقنا».
عبرنا الحرم الأكاديمي حتى وصلنا لمبنى ضخم يشبه معاقل السحر الخاص بنا. أشار إليان بيده: «لقد وصلنا. يبدو أنهم انتهوا هم أيضاً».
قلتُ وأنا أتفحص وجوه المبارزين: «أجل، هناك الكثير من المبارزين بحق! أوه، انظر..». من بين الحشود، لمحتُ شعراً مألوفاً رفعتُ يدي وصرختُ بأعلى صوتي: «سيل! هنا! سيلفان!».
التفت سيلفان بسرعة، وعندما رآنا أشرق وجهه: «أوه، كاي! السيد إليان!». واقترب منا بخطوات سريعة.
حك سيلفان شعره بارتباك واضح: «آه، ذلك.. أعتقد أنه ليس لائقاً لي أن أناديك باسمك وأنت من عائلة الماركيز».
رد إليان بسخريته المعهودة: « واو.. لقد ناديتَ أحد أمراء المملكة باسمه، وسيكون من غير اللائق أن تناديني أنا باسمي؟ مرحبا.. هل عقلك يعمل بشكل جيد؟!».
ثم مد يده وطبطب على كتف سيلفان مرتين بأسلوب يجمع بين التشجيع والاستعلاء المضحك: «على كلٍ، فلتنادني باسمي أيضاً، وإلا شعرتُ وكأنك تطردني من “شلة الأصدقاء”!».
أجاب سيلفان بارتباك شديد: «لا لا، ليس هذا!». ثم خضع في النهاية وقال بقلة حيلة: «ح.. حسناً.. إليان».
رأُيتي لي سيلفان يستسلم أمام إصرار إليان لي كسر البروتوكولات، جعلني افكر بسخرية”إليان يملك موهبة فطرية في تحويل المواقف الجدية إلى مسرحية هزلية. إنه يحاول إقناع سيلفان بأنهما “متساويان” بينما يطبطب على كتفه كأنه حيوان أليف. يا إلهي، مرافقة هؤلاء الأشخاص ستكون مهمة مرهقة اعتقد”.
سأل سيلفان مستغرباً: «ممم، لِمَ لن تتجها لمكتب السكن؟».
قلتُ بهدوء: «أوه، لقد أتينا لنعطيك شيئاً». وبحركة سينمائية أخرجتُ الصندوق من الأسوارة وناولته إياه: «هاك».
تجمد سيلفان وبدت علامات الفضول على وجهه: «أوه.. ما هذا؟». فتح الغطاء ببطء واتسعت عيناه: «واااو، إنها عباءة مذهلة!».
ضحكتُ في سري: “إنه تماماً مثل ردة فعلي عندما استلمتها!”. قلتُ له: «إنها عباءة مجلس الطلاب».
نظر إليّ سيلفان ببراءة قاتلة: «أوه حقا رائع،» .
كتمتُ ضحكتي بصعوبة: “تباً، إنه يكرر نفس ردة فعلي حرفياً! هل نحن مستنسخون؟”.
وضعتُ يدي فوق العباءة وقلتُ بجدية: «إنها عباءة انضمامك لمجلس الطلاب يا سيل».
هنا.. تجمد سيلفان تماماً. بدأ يفتح فمه ويغلقه كسمكة خارج الماء، ثم تشنج جسده بالكامل: «أنا.. المجلس؟ أنا في مجلس الطلاب؟ أنا سيلفان المبارز العادي؟ أنا؟».
وفجأة بدأ يركض في دائرة صغيرة وهو يحتضن العباءة بجنون: «لا، لا، يجب أن أموت الآن! هذا شرف لا أستحقه! سأبكي! لا، سأضحك!». ثم سقط على ركبتيه وصرخ بهمس جنوني: «أنا في مجلس الطلاب!».
وضعتُ يدي على وجهي من شدة الإحراج والمارة ينظرون إلينا: «هل يمكنك أن تهدأ الآن؟ فضحتنا!».
إليان بضحكه مستمتعاً بمنظر سيلفان: «هاهاها! دعه يحتفل يا صاح، إنها لحظة تاريخية!».
سيلفان كان يشرد بذهنه ويتمتم: «أنا مجلس.. أنا عضو عظيم.. هل أنا في “حلم” أم ماذا؟».
تنهدتُ وأمسكتُ بيده لأجبره على الوقوف: «لستَ في حلم! فلتنهض! دعنا ننطلق لمقر المجلس».
انتفض سيلفان: «ماذا؟ الآن؟».
أجاب إليان: «أجل، وهذا أحد أسباب قدومنا. لنذهب».
نكزتُ إليان في جنبه: «حسناً، الآن أرشدنا يا “GPS”، من أي اتجاه هو المجلس؟».
أشار إليان بيده بزهو: «أوه، إنه هناك.. في تلك المنطقة العليا مهلاً و ما هذا؟».
توقفنا أنا وسيلفان والدهشة ترتسم على وجوهنا: «واااو! هذه المنطقة مذهلة بحق!».
كان المقر يقع في قمة تل صغير، تحيط به حدائق منحوتة كأنها لوحات فنية، وممرات تتلألأ بحجارة غريبة. المبنى نفسه كان يحمل اسماً شاعرياً “برج صدى الرياح”، بقبة زجاجية تعكس ألوان الطيف، وتحيط به أشجار تصدر همسات هادئة.
اقترب إليان و وضع ذراعيه حول رقابنا انا و سيلفان وابتسم: «أجل، المقر هناك». ثم دقق في رقبتي وسأل: «اوه.. بالمناسبة كاي، أين إيدن؟».
لمستُ رقبتي الفارغة بتلقائية: «أوه، لقد تركته في الخارج ليتجول قليلاً»؛ “في الحقيقة، لقد قفز من رقبتي فجأة وقال إنه يشم رائحة مجانين ولا يريد التورط معهم..”.
وصلنا للباب الضخم ونظرنا لبعضنا البعض. قلتُ بجدية: «إذاً.. فلننطلق». دفعتُ الباب، لكنني استشعرتُ ضغطاً غريباً خلفه: «إنني أشعر بشيء ما وراء هذا الباب..».
أكد إليان وهو يضيق عينيه: «أنت محق..».
فتحنا الباب بالكامل، فإذا بفتى ضخم قليلاً ببنية جسدية توحي بالصلابة، يملك شعراً أخضر باهت وملامح عابسة وكأنه لم ينم منذ قرن.
نظر إلينا ببرود: «من أنتم؟». ثم لمح إليان فتغيرت نبرته فوراً: «أوه، السيد إليان! إنه أنت!».
ابتسم إليان ابتسامته الدبلوماسية المصطنعة: «أوه مرحباً، كيف أحوالك؟ لقد مر وقت».
رد الفتى بتوتر واضح: «أجل.. مر وقت طويل! هاهاها.. طويل جداً!».
فكرت بسخرية: “يالك من نذل سياسي يا إليان، أشفق على هذا الفتى المسكين”.
فجأة، انبعث صوت أنثوي مألوف: «إنهم الوفد الجديد! دعهم يدخلون! افسح الطريق يا داروين!».
قلتُ في سري:”أوه، هذه الفتاة..”.
ابتعد الفتى الضخم وهو يلوح بيده بارتباك: «آه، آسف! فلتتفضلوا».
دخلنا للداخل، وكان البهو ضخماً لدرجة تجعلك تشعر أنك في قاعة مؤتمرات دولية. أثاث فاخر، وشاشات سحرية تطفو في الهواء تعرض بيانات.. أجواء توحي بأن هؤلاء الطلاب يديرون دولة وليس مجرد مدرسة.
تلك الفتاة كانت جالسة فوق طاولة خشبية ضخمة، واضعةً رِجلاً فوق أخرى بأبتسامة طفيفة على وجهه. كانت تمسك سيفها بغمده الأسود المذهب، وتضعه عرضاً فوق فخذها، بينما يدها اليمنى تستند على مقبضه كأنها مستعدة لاستلاله في أي أجزاء من الثانية..
ثم جاء ذلك الصوت المزعج الذي عرفتُه فوراً: «حسناً حسناً، من لدينا هنا؟ الوفد الجديد!». كان الفتى الأشقر، ثم أضاف بنبرة تودد لإليان: «أوه، مرحباً يا سيد إليان».
: “أنا ماذا؟ هل هناك ضريبة على التنفس هنا؟”. ابتسمتُ ببرود وقلتُ: «مرحباً، نلتقي مرة أخرى!».
ردت الفتاة و هي تقفز من على الطاولة: «أجل،» أقتربت وابتسمت لنا: «حسناً، يبدو أننا اكتملنا الآن».
بدأ الفتى الأشقر يتلفت يميناً وشمالاً بسخط: «الرئيس لم يصل بعد؟».
ردت سليا بفتور وبرود: «رئيس المجلس لن يأتي».
نظر إليها الفتى الأشقر بصدمة: «ماذا؟». ثم نظر إليّ وإلى سيلفان المتوتر وأصدر صوتاً مزعجاً: «تسك..» وهمس بكلمات لم أفهمها، لكن الواضح أن وجودنا لا يعجبه.
فكرت بنزعاج: “ما بال هذا الأشقر، لماذا ينظر إلينا بهذا القرف حقا؟ ومن هذا الرئيس الغامض الذي يجعل الجو يتوتر هكذا؟ هل هو النسخة السحرية من ‘فولدمورت’ أم ماذا؟”.
حركت سليا يدها بنفاد صبر: «دعك من هذا، ولنقدم أنفسنا لهم. فلتدخلوا لغرفة التدريب الجماعية».
دخلنا الغرفة وكانت مجهزة بأحدث الأشياء السحرية. وقفت سليا بحزم ووضعت يدها على صدرها: «حسناً، سأبدأ أنا. أنا في السنة الثالثة، نائبة الرئيس واسمي “سليا”، تشرفت بلقائكم».
شعرتُ بـ “الوخز” المألوف الذي يسري في عروق المقاتل عندما يقف أمام خصوم حقيقيين.
نظرتُ إلى سليا. ضغطها كان منظماً بدقة مذهلة، كأنه تيار بارد يتدفق بهدوء لكنه يملك قوة كافية لثقب الصخر. لم يكن ضغطاً يهاجمك، بل كان ضغطاً “يحذرك” من الاقتراب.
ثم أشارت بحدة للفتى الأشقر: «وهذا الأحمق الذي بجانبي هو زميلي واسمه “ريو”».
انتفض ريو بغضب: «هي! مَن الأحمق؟».
أما هذا الاشقر، فكانت هالته مثل نيران عشوائية. على رغم من حماقته وتصرفه كالمراهقين المستفزين، إلا أن طاقته السحرية كانت تملك كثافة تدل على أنه خاض معارك حقيقية، وليس مجرد طالب يتمرن في الصالات المغلقة.
“ريو إذاً.. مع انه أحمق، لكنه أحمق يملك مخالب جيدة. وسليا.. هي المحرك الذي يضبط إيقاع همجيته”.
على كلٍ تجاهلته سليا ببراعة وأكملت: «وهذا الضخم نائب قائد السنة الثانية “داروين”».
وفجأة، خرجت فتاة بشعر أسود وعينين زرقاوين صافيتين، يرافقها فتى بشعر بني قصير بندبة صغيرة في رأسه، وكلاهما يرتدي ملابس خفيفة تبدو للتدريب.
قالت الفتاة وهي تمسح العرق عن جبينها: «أوه، أنا آسفة، كنت أتمرن على مهارة جديدة بعد انقطاع عن الأكاديمية..».
ابتسمت سليا بود و لوحت بيدها برفق: «لا..لا عليكِ لقد أتيتِ في وقتك! هذه قائدة السنة الثانية “مايا”».
حنت مايا رأسها بلطف: «تشرفت بلقائكم». ثم أشارت لزميلها: «وهذا “كاسيوس”». الذي اكتفى بإيماءة صامت.
داروين ومايا وكاسيوس. هالاتهم كانت متكاملة؛ القوة الخام، السرعة، والتخفي.
داروين الضخم، كان وجوده يشبه الجدار الهوائي. لم يكن ضغطه حاداً، بل كان “ثقيلاً” بشكل جيد.
وبينما كانت مايا وكاسيوس يخرجان من غرفة التدريب، شعرتُ بـ “بقايا” طاقتهما في الجو. كانت مانا مايا صافية كالثلج، بينما كاسيوس.. كان وجوده باهتاً، ليس لضعفه، بل لأنه يملك قدرة مذهلة على “كتم” هالته، وهو النوع الأخطر من المقاتلين على حسب قول القائد مايكل.
فكرت ببعض الذهول: “الآن أفهم.. المجلس ليس نادياً للأنشطة المدرسية أو لتوزيع الأقلام الرصاص هنا حقاً. هؤلاء هم ‘قوات النخبة’ للأكاديمية. إنهم الخط الدفاعي الأول. كل واحد منهم يملك ضغطاً سحرياً يعادل ثلاثه الى خمسة من الجنود العاديين الذين رأيتهم في الحدود”.
كان الضغط في الغرفة كفيلاً بجعل أي طالب عادي يسقط على ركبتيه معتذراً، لكن بالنسبة لي؟ كان الأمر أشبه بوقوفي أمام مروحة عملاقة.. مزعجة، لكنه لا يحركني من مكاني أنه لا شيء بالمقارنة مع ما خضته.
نظرتُ إلى إليان بجانبي. كان يبتسم بتلك الابتسامة الدبلوماسية المستفزة، لكنني استشعرتُ تدفق المانا حول جسده. إليان لم يكن يتأثر بضغطهم؛ بل كان “يلعب به” ببرود. هادئة تماماً لكنه يوازن أي ضغط يقترب منها.
فكرت في نفسي بسخرية: “إليان.. أنت تمثل دور الضحية بشكل سيئ. أنا أعلم ذلك”.
أما سيلفان، فرغم أن عرقاً خفيفاً ظهر على جبينه، إلا أن وقفته كانت ثابتة. عيناه كانت تراقبان حركات أيديهم وأقدامهم بغريزة مبارز فطرية. سيلفان ليس ضعيفاً، هو فقط “مؤدب” أكثر من اللازم، لكن أي شخص يرتكب خطأ اعتباره لقمة سائغة أنا متأكد من ذلك.
عدلتُ من وقفتي، وأرسلتُ نبضة خفيفة من “المانا” الخاصة بي لتستقر حول جسدي، صانعاً “منطقة عازلة” مكنتني من فرض نفسي أيضاً بحرية تامة وسط هذا الصخب.
فجأة، اقتحمت رياح عنيفة القاعة بطريقة عشوائية ومبهرجة لدرجة أنني ظننتُ أن إعصاراً قد ضرب المبنى! مبعثرة الأوراق والستائر بشكل فوضوي، بدأنا بنفض الغبار و الريح عن وجوهنا، فلمحتُ أخيراً المفتعلة التي لم تخيب ظني أبداً صرختُ في داخلي: “روز.
كانت روز في منتصف القاعة وآثار الرياح لا تزال تلتف حولها كأنها خرجت من مجفف شعر عملاق: «أوه أوه، أنا آسفة للتأخر! يبدو أنني استخدمت الكثير من القوة، هيهي».
زمجر ريو بغضب واقترب منها بسرعة ليمسك بياقة بدلتها: «أنتِ ايتها الخرقاء! ماذا تظنين نفسكِ فاعلة؟!».
رفعت روز يديها باستسلام طفولي: « آسفة آسفة! القوة كانت زائدة قليلاً!».
(POV: ريو)
قطع حديث “سليا” اقتحام هبّة رياح مفاجئة وعنيفة بعثرت أوراق الطاولة وجعلت الستائر تضرب النوافذ بجنون. رفعتُ يدي بانزعاج لأغطي عيني من الغبار المتطاير، وما إن خفت حدة الهواء وأبعدتُ يدي، حتى تجسدت أمامنا فتاة بشعر فوضوي، ولا تزال آثار رياح خفيفة تحوم حول كاحليها.
نطقت ببلاهة أثارت أعصابي: «أوه أوه، أنا آسفة للتأخر! أوه، يبدو أنني استخدمتُ الكثير من القوة، هيهي».
شددتُ على قبضة يدي وشعرتُ بغضب مكبوت يغلي في صدري. و قلت في نفسي: “مَن هذه الغبية بحق الجحيم؟ هل نحن في سيرك أم في مقر المجلس حقا؟”.
وبينما كنتُ أريد أن أرفعها أكثر من ياقتها لألقنها درساً في الانضباط، شعرتُ بشيء غريب.. تداخل سريع ودقيق لم أتوقعه. لم أشعر بحركة أي شخص خلفي، ولم أسمع حتى صوت وقع أقدام، إلى أن شعرت بمعصمي يُسجن داخل قبضة صلبة كالفولاذ اعتقدت انها سليا.
لكني شعرت “بمانا” و كان الإمساك قوياً جداً ومفاجئاً لدرجة أن صدمة الضغط جعلتني أرتعش وأفقد توازني للحظة، وكأن مفاصل يدي قد تجمدت في مكانها. التفتُّ بسرعة وبغضب عارم يملأ وجهي: «مَنـ؟!».
إذ بي أرى ذلك الفتى ذو الشعر الأبيض المزعج؛ “الوافد الجديد”. كان يرتدي وجهه هدوءاً مستفزاً وجليدياً، ولكن قبضته.. تلك القبضة كانت تحمل ضغطاً مركزاً، قوة سحرية هائلة لا تناسبه أبداً.
ثبت عينيه في عيني، وكانتا تتوهجان بشيء خافت، مريب، ومظلم جعل القشعريرة تسري في عمودي الفقري، ثم نطق بكلمتين فقط اخترقتا الصمت:
«لقد اعتذرت.»
شعرتُ بإهانة لم يسبق لي أن ذقتها أمام الجميع. جمعتُ المانا من حولي بجنون، وبدأت خيوط الطاقة تخرج من جسدي بعنف وأنا أزمجر بغضب: «أنتتتت!».
التعليقات لهذا الفصل " 56"