55 - ما وراء الرداء الزمردي.. وداعاً للحياة الهادئة!
الفصل الخامس والخمسون: ما وراء الرداء الزمردي.. وداعاً للحياة الهادئة!
(POV: كاي)
خطواتي كانت ثقيلة، يتردد صداها في الرواق بينما عقلي يغلي بالتساؤلات. ما الذي يريده ذلك المدير مني؟ وهل يعقل أن يكون قد اخترق مستوى “الماستر” حقاً؟
”هذا المستوى.. إنه يكسر موازين القوى التي أعرفها. حسب علمي المتواضع. الملك، الدوقيتان، الماركيز، وجدي.. هؤلاء هم القمة. هل أخطأ الكاتب في تقديراته حقاً أم أن الكاتب يعبث معي الآن؟؟ سحقاً، لقد توقفتُ عن الاعتماد على معلومات الرواية منذ مدة، فالواقع هنا أكثر تعقيداً”.
توقفتُ قليلاً، ورفعتُ يدي لألمس القلادة الباردة المستقرة على صدري، وكأنني أستحثها على إعطائي جواباً.
“تيامار لم يظهر منذ مدة ليخبرني عن ماهية هذه القوة.. تنهدت بمرارة ثم رفعت بي نظري واضفت بنبرة جادة،«عليّ أن أجد الحقيقة في منبع المعلومات هذا».”
(الراوي)
في الردهة الواسعة، وبينما كان كاي يشق طريقه ببطء نحو مكتب المدير و غارقاً في أفكاره، انشقت زحام الطلاب عن فتاة ذات حضور لافت. لم تكن تترصد كمعجبة، بل كانت عيناها تلمعان بفضول و ذكاء حاد، كباحثة وجدت لغزاً يستحق الحل، أو كزميلة رأت في كاي هدفها التالي للدراسة والتحليل.
(POV: كاي)
فجأة، قطعت طريقي فتاة بملامح حادة ومستفزة. وقفت بثقة مفرطة وهي تضيق عيناها العسليتان بدقة وهدوء،نحوي ونحو إيدن المستقر على كتفي وكأنها تحاول أن تقرأ أفكاري.
سألتني دون مقدمات و هيَ تقترب بشعرها البني الداكن، الذي يتمايل مع هبوب نسمة رقيقة من الرياح، ينساب على كتفيها بنعومة جعلت المشهد يبدو وكأنه توقف: «مهلاً أنت.. كيف تمتلك ثعبانًا سحريًا في الحرم الأكاديمي؟ من أنت بحق؟ وهل هو من سلالة نادرة؟ لم أره في سجلات الكائنات المسموح بها!»
اهتز إيدن فوق كتفي، ورفع رأسه الصغير بحدة وهو ينفث بلسانه المشقوق:<ما شأنها هذه؟ هل يجب أن أحمل بطاقة تعريف؟ أنا لست مجرد “ثعبان” يا حمقاء!>
الفتاة لم تتراجع، بل اقتربت أكثر و مالت بجسدها للأمام وهي تدقق في حراشفه بفضول مريب: «أي نوع من الترويض استخدمت؟ هل هي تقنية عائلية؟ يبدو أنه ثعبان منخفض المستوى، لكنه غريب!»
جن جنون إيدن، وشعرت بجسده يلتف بقوة حول عنقي من شدة انزعاجه الطفولي: <غريب؟ أنا كائن أسطوري! أنا آكل الأحلام، أنا رفيق الأمير! لا تجرؤي على تصنيفي بالمنخفض!>
نهرتُه في سري بإحراج: ” إيدن! اصمت، توقف عن هذا الصراخ في رأسي ارجوك!”
رفعت حاجبي محاولاً استعادة هدوئي والخروج من دوامة تفكيري، ونظرت إليها بتوجس: «هل أنتِ الشخص الذي من المفترض أن يرافقني؟»
ضحكت ضحكة قصيرة جافة، لم يرتفع بها صوتها، لكنها كانت من الجفاف بحيث شعرتُ برغبة ملحة في تقديم كوب ماء لحنجرتها؛ كانت ضحكة باهتة ومنهكة، وكأنها قد سهرت الليالي.
ثم تابعت بنبرة فاترة: «بالتأكيد لا، أنا لست مرسال المدير.. لكنني رأيت ما حدث. هل كان هذا أنت؟»
حاولتُ الالتفاف من حولها للمتابعة: «رأيتِ ماذا؟ خطاب المدير؟ الجميع رأوه.»لكن حركتها كانت أسرع
خطت خطوة للأمام لتقطع طريقي مجدداً، وهمست بتركيز فأق وهي تخفض صوتها: «لا، بل تركيزك لقياس مستوى المدير.. لقد كنت تقيس قوته السحرية، أليس كذلك؟»
شعرت بوخزة من المفاجأة، و تراجعتُ خطوة للخلف متجنباً وجهها القريب،: «إنه ليس من شأنكِ حتى لو فعلت.»
ابتسمت باتساع، ومدت يدها لتنقر بخفة بسبابتها على صدري، قبل أن تنصرف: «كل شيء سحري ومثير للفضول هو من شأني.. وخاصة الطالب الذي جعل المدير آرسلان يكسر بروتوكول الخطاب من أجله. أنا “روز أليو”.»
وهي تبتعد، لوحت بيدها في الهواء دون أن تلتفت: «على أي حال، مكتبه من ذلك الطريق، لقد تأخرت عن زملائي.. بالتوفيق في لقائك، أعتقد أننا سنرى بعضنا البعض قريباً، يا “فتى الظواهر”.»
نظرتُ إلى أثرها بذهول وأنا أفرك موضع نقرتها على صدري، و هي تختفي، ثم التفتُّ إلى إيدن متسائلاً: «حقاً، ما الذي حدث للتو؟»
رد إيدن بسخط: <إنها مجنونة، هذا مؤكد.>
نقرتُ على رأسه بخفة و تنهدت:<لا يجب أن تدعو الناس بهذا يا إيدن.>
<أوتش! ولكني لم أخطئ!>
وبعد مسيرة وقفتُ أخيراً أمام باب ضخم تنبعث منه هيبة غريبة. أخذتُ شهيقاً عميقاً وزفيراً طويلاً لأهدئ من روعي.
“دعنا ندخل الآن.”
طرق طرق
جاء الصوت من الداخل رزيناً: «ادخل.»
فتحت الباب ببطء. كان المكتب واسعاً، والمدير يقف خلف كرسيه مواجهاً النافذة الكبيرة التي تطل على الأكاديمية. لكنه التفت فوراً بابتسامة هادئة: «فلتتفضل بالجلوس، أيها الأمير السادس كاي.»
لم يطرف لي جفناً، وفكرتُ بهدوء: ”بالطبع يعلم من أكون.. إنه المدير على أي حال.”
تقدمتُ بخطوات ثابتة، ثم انحنيتُ باحترام: «مرحباً، أنا كاي دي آل إيغنار، تشرفت بلقائك أيها المدير آرسلان.»
انفجر المدير ضاحكاً، وكأنه سمع نكتة طريفة: «إنك تبالغ كثيراً في الرسميات!» ثم حنى رأسه بمزاح: «أجل، وأنا أيضاً تشرفت بلقائك، اوه.. ها ربما يجب أن أبالغ أنا أيضاً في تقديم نفسي هاهاها!»
”إنه غريب الأطوار.. لا يشبه الشخص المهيب الذي كان في القاعة، إنه بطريقة ما يذكرني بتلك الفتاة روز.”
و قال بتساؤل وهو يدلك ذقنه بتفكير، وكأنما قد قرأ أفكاري: «أوه، لا أرى روز.»
«أوه تلك الفتاة؟ هل أرسلتها لترافقني؟»
وضع المدير يده على رأسه بيأس: «آهه، تلك الفتاة! لقد أخبرتك أنها ليست مرسلة لترافقك، صحيح؟»
”هل هربت وتركت مهمتها؟ يا لها من فتاة متهورة!”
إيدن من الداخل وهو يتململ: <همم، أخبرتك أنها مجنونة.>
نقرتُ على رأسه بخفه:<لا>
توقفت نظرات المدير آرسلان عند إيدن، واقترب قليلاً: «هل هذا حقاً ثعبان؟»
اجبته ببساطة: «أه، أجل.»
وضع يديه وراء ظهره وهو يقترب أكثر: «همم.. هناك شيء غريب فيه..»
بدأ إيدن بانفعال مرة اخرى وهو يزمجر بصوت منخفض لا يسمعه غيري: <لماذا الجميع يقول إنني غريب؟ ما خطب هذا اللعيـ..!>
نقرتُ على رأسه بقوة أكبر هذه المرة جعلته يتراجع للخلف: <أوتش!>
ابتسمتُ للمدير محاولاً التغطية وأنا أحك مؤخرة شعري بإحراج: «هاهاها، يقول الجميع ذلك، ولكنه ثعبان لطيف.»
إيدن بغرور وهو يحك مكان الضربة بطرف ذيله: <أجل أنا لطيف، ايه المسن.>
نظر إليه المدير وأغمض عينيه بابتسامة خفيفة: «إذا كنت تقول ذلك، فهو كذلك..» ثم اتجه نحو مكتبه والتقط شيئاً من على الطاولة: «على كلٍ، دعنا ندخل في موضوعنا الأساسي هنا . لقد استدعيتك اليوم لأعطيك هذا.»
استدار وتقدم نحوي، ثم ناولني صندوقاً خشبياً أنيقاً.
سألتُ بتعجب وأنا أستلم الصندوق: «ما هذا؟»
آرسلان بإشارة من يده: «افتحه.»
رفعت الغطاء ببطء، داخل الصندوق، قبعت تذكرة دخولي لعالم الصفوة؛ عباءة بلون أخضر زمردي خلاب، تتلألأ أطرافها بخيوط الذهب الخالص. لم تكن مجرد قطعة قماش تغطي كتفي وصدري، بل كانت رمزاً للسلطة. وفي الخلف، برز شعار الأكاديمية بتفاصيله الحادة، ليؤكد للجميع أن مرتدي هذه العباءة ليس شخصاً عادياً
قلت بذهول:«أوه، إنها عباءة!» ثم نظرت إليه بتساؤل.
رد المدير آرسلان بابتسامة فخر: «إنها عباءة مجلس الطلاب.»
نظرتُ إليه بعدم استيعاب، وكأنني لم أسمع جيداً، فتابع: «عباءة انضمامك لمجلس الطلاب.»
«ماذا؟ ولماذا!» صرختُ بذهول، لدرجة أن إيدن الذي كان يحاول ان يغفو انتفض بجسده كمن لُذع فجأة.
لم تكن صرختي مجرد صوت عابر، بل كانت كفيلة بجعل إيدن ينتفض من سكونه القاتل. فتح إيدن عينيه بالكامل، وكان بريقهما يحمل انزعاجاً واضحاً. تمدد بكسل مريب وهو يتثاءب بضجر، ثم قال بنبرة فحيح خافتة:< كاي.. إنك مزعج حقاً؟>
نظرتُ إليه، كان انزعاجه واضحاً في طريقة تقوس حاجبيه، لم أشأ إثارة بعض الجدل معه، فرمقته بنظرة فاترة وأجبته بكل هدوء: <أوه، آسف.>
انحنى المدير آرسلان قليلاً ليقترب من مستواي، واضعاً سبابته على فمه بحركة غامضة: «اخفض صوتك قليلًا يا كاي،» ثم استقام في وقفته و أردف بنبرة تحمل الكثير من التساؤلات: «إننا زملاء قدامى، وهناك أشياء أخرى تجمعنا، ولكن هذا ليس مهماً الآن.»
“وااه، هو الآخر زميل جدي أيضاً!.. ولكن مهلاً، ليس بالأمر الغريب تماماً، فجدي كان كونتاً بعد كل شيء، وله ثقله في النهاية.”
عاد آرسلان إلى مكتبه و أشر لي للجلوس، وبدأ يعبث ببعض الأوراق وهو يتحدث بهدوء: «قال جِدك إن انضمامك لمجلس الطلاب سيفيدك كثيراً،اوه.. وإليان أيضاً عضو في المجلس.»
“« إليان أيضاً»؟.. هذا الأمر أيضاً ليس بي الغريب.. و لا أعلم يقيناً ما هي الفائدة التي يراها جدي في هذا،ولكن بما أنه هو من خطط، هل أتبع حدسه كالعادة. وبوجود إليان، ربما لن يكون الأمر سيئاً تماماً مع أنني لست متأكداً بقبول هذا، المجلس هو مكان متعب بحق في مثل هذا العالم.”
توقف المدير عن تقليب الأوراق، ونظر إليّ بجدية: «وعلى كلٍ، حتى لو لم يطلب مني جِدك ذلك، كنت سأطلب منك الانضمام بنفسي.»
عقدتُ حاجبي بتعجب، وسألتُه مباشرة: «ولماذا؟»
مال المدير بجسده للأمام، وسند ذقنه على يديه المشبوكتين بابتسامة غامضة: «أولاً لأنك أمير بعد كل شيء، ولذا يتوجب عليك..» ثم صمت لثوانٍ وهو يدقق في عيني بنظرة ثاقبة جعلتني أشعر وكأنه يقرأ أفكاري، قبل أن يكمل بصدق: «وثانياً.. لأني أثق بإمكانياتك.»
’اعتباري كأمير هل هذه قاعدة؟ والوثوق بي؟’
لم أستطع منع نفسي من الابتسام بسخرية خفيفة، وأجبتُه وأنا أعدل من وقفتي: «حسناً، سوف أجرب وأرى إن كان الأمر كذلك.»
لكنني لم أكتفِ بذلك، فثمة شيء في نبرته لم يرق لي. نظرتُ إليه بعينين حادتين ونبرة حازمة: «لكنني لا أعتقد أن هذه هي الأسباب الوحيدة التي جعلتك تستدعيني، أيها المدير.»
جفل المدير آرسلان للحظة، وكأن سؤالي قد اصابه بصعقة كهربائيّة، ثم انفجر ضاحكاً وهو يضرب الطاولة بخفة: «هاهاها! لقد كشفتني! كنت أريد أن أرى لماذا كان جدك يمدحك كثيراً في رسائله، وها أنا أملأ فضولي الشخصي برؤيتك أمامي،» ثم ختم كلامه بابتسامة عريضة.
وضعتُ يدي على وجهي من شدة الإحراج، وتمتمتُ بصوت خافت: «جدي مرة أخرى؟ هل ترك أحداً في هذه القارة لم يخبره عني؟»
قطع حبل أفكاري صوت رنين الجرس الذي اهتزت له جدران المكتب، ليعلن المديرآرسلان بتصفق من يده: «أعتقد أنه وقت الذهاب يا كاي، فصولك لن تنتظرك.»
«آه أجل،» وقفتُ بسرعة مستعداً للمغادرة، لكن صوته استوقفني مجدداً وهو يشير نحو صندوق آخر على الطاولة: «و.. تفضل هذا الصندوق أيضاً، أعتقد أنه سيناسب صديقك الفتى سيلفان.»
اتسعت عيناي من شدة المفاجأة، وتجمدت يدي الممتدة نحو الصندوق: «كيف عرفت عنه؟ هل رأيته معي في القاعة؟»
رد آرسلان ببرود وهو يعود للجلوس: «لا، بل قبل ذلك بكثير.»
في تلك اللحظة، لمعت ذكرى في عقلي.. ذاك الشعور بالرصد الذي انتابني حين كنتُ مع سيلفان في الحديقة!
سألتُه وعيناي تضيقان بتوجس: «أوه، هل كان ذلك الشخص الذي
يراقبنا.. هو أنت؟»
لم يجبني المدير، بل اكتفى بابتسامة غامضة وهو يلوح بيده مودعاً: «فلتحظوا بفصل دراسي ممتع.»
رسمتُ ابتسامة مجاملة على وجهي وأجبته: «أجل، شكراً لك.»
استدرتُ متجهاً نحو الباب، وبينما كنتُ على وشك الخروج، اخترق
صوت آرسلان الهدوء فجأة: «أوه صحيح..»
لم يكد ينهي كلمته حتى شعرت بصرخة ريح عنيفة! [سهم رياح دوّار] انطلق بسرعة خارقة نحو ظهري، وكان الهجوم يحمل ضغطاً حقيقياً لم أتوقعه.
التفتُّ بسرعة مذهلة كادت تخلع رقبتي، حركت قدمي و وسطي بدقة متناهية وبحركة لا إرادية مدفوعة بغريزة البقاء، ركزتُ سحر الرياح في كفي وشكلت [درعاً كروياً شفافاً].
بوم!
اصطدم السهم بالدرع، وتراجع كتفي قليلاً للوراء، بينما تلاشى الهجوم في سحابة من الهواء المضغوط التي بعثرت شعري.
استعدتُ رباطة جأشي بسرعة، ونظرتُ إليه بنظرة يملؤها الغضب المكتوم والذهول: «ما كان هذا أيها المدير آرسلان؟!»
<ما خطب هذا العجوز المجنون أيضاً؟! هل يحاول مقاتلتنا؟> زمجر إيدن في وعيي بسخط وهو يهز بذيله.
رفع آرسلان حاجبيه، وملامحه تعكس سعادة غامرة وإعجاباً لم يحاول إخفاءه: «السبب الثالث لإرادتي بك في المجلس..» ثم اتسعت ابتسامته لدرجة مخيفة: «..قوتك الغريبة هذه! يا له من رد فعل مذهل. لقد صددت سهم رياح مني، حتى لو كان بقوة محجوزة، لكن السرعة الغريزية التي تفاعلت بها هي ما أثار إعجابي حقاً!»
أخذتُ نفساً عميقاً لأهدأ، وأنا أنفض السحر عن كفي بمنتهى الانزعاج: “ما خطب هؤلاء العجائز؟ أولاً جدي والان هذا المدير.. يبدو أنهم يستمتعون بترهيب الصغار.”
قلتُ بصوت ممتعض: «اختبار مفاجئ وغير مهذب بتاتاً، أيها المدير.»
هزالمدير آرسلان كتفيه بلامبالاة مستفزة: «هكذا تسير الأمور هنا. الاختبارات المفاجئة هي الوحيدة التي تكشف المعدن الحقيقي. لو كنت ضعيفاً، لكانت القوة المحجوزة قد دفعتك بلطف خارج الغرفة، لكنك.. أنت مختلف تماماً كما وصفك جِدك.»
”جدي ماذا تنشر عني بحق. يبدو أنك كانت تروي معلقات عني في رسائلك. حسناً، على الأقل تأكدتُ أن المدير ليس عدواً، لكن فضولي لا يزال ينهشني.”
سألتُه مباشرة: «على أي حال، ايه المدير ما هو مستواك الحقيقي بحق؟»
ضحك المدير ضحكة قوية تردد صداها في الغرفة: «فضوليّ جداً أيها الأمير السادس! حسناً، سأكشف لك جزءاً بسيطاً.. ليس ذاك الذي رأيته في القاعة.»
فجأة، رفع يده في الهواء، وشعرتُ في تلك اللحظة بضغط هائل، هواء الغرفة أصبح ثقيلاً بشكل مرعب، طاقة ضخمة تذكرني بضغط جدي والدوقين، تراجعتُ خطوة للخلف لا إرادياً وأنا أحاول استيعاب الامر.
أنزل المدير آرسلان يده، ليعود الهدوء وكأن شيئاً لم يكن: «أنا لست “ماستر” بعد، لكنني أمتلك قوة تضاهي الماستر في مجال الرياح. لنقل إنني “متميز” جداً.. أنا في مستوى “خبير خاص”، أتجاوز الخبير لكنني لم أدخل التصنيف العام للماستر بعد.»
نظرتُ إليه بإعجاب لم أستطع إخفاءه: «ما..ماذا؟ ولكن كيف هذا؟»” قوة تضاهي الماستر؟ هل يسخر مني أم أن عالم الرواية هذا يخبئ مستويات قوة لم تُذكر في السطور؟ هذا جنون حقا.”
أجاب المدير آرسلان بابتسامته الغامضة تلك: «إنه بحث أقوم بتطويره.. مستقبلاً ستدرك أن الألقاب لا تهم، القوة هي كل شيء.»
«شيء تطوره؟» سألتُ بفضول.
رد بابتسامة ذات مغزى: «لدى الأمير الصغير الكثير من الأسئلة، ولكن ليس الآن.. ستعرف في الوقت المناسب.»
”تباً.. لماذا كلهم يقولون نفس الجملة المستفزة “ستعرف في الوقت المناسب”؟”
لوح المدير آرسلان بيده بلطف: «الآن، اذهب. العباءة التي معك ترمز لعضويتك الرسمية، لا
اختبارات إضافية لك الآن بما أن التوصية مني شخصياً. عملك بسيط: تعلم وأدِّ واجبك، أوه.. و أريدك أن تتأقلم مع روز أليو، فهي موهوبة لكن فضولها قد يوقعها في المتاعب.»
سألتُ بانزعاج وأنا أحمل العباءة: «روز؟ هل هي في المجلس أيضاً؟ وهل أصبحتُ الآن جليسة أطفال لها؟»
أجاب المدير آرسلان: «ألم تكن تعرف أنها في السنة الأولى مثلك؟»
“في مجلس الطلاب وفي السنة الأولى؟ الفتاة تلك؟ هذا مثير للاهتمام… أو ربما مزعج.”
و بعد أن انتهينا من الحديث، شعرتُ برغبة حقيقية في شكره على شيء . انحنيتُ قليلاً بجسدي، في إيماءة احترام، وقلتُ بصوتٍ خفيض: «شكراً لك.. وأريد أن أشكرك أيضاً على قبول سيلفان في الأكاديمية».
تغيرت نبرة آرسلان فجأة، أصبحت أكثر جدية وثقلاً وهو يقول: «كاي… هل نسيت ما قلته لك سابقاً؟ دخوله ليس بسببك». ثم تلاشت تلك الجدية ليحل محلها دفءٌ غريب في صوته وهو يبتسم: «أنا أختار الإمكانيات والموهبة الحقيقية فقط.. وسيلفان موهوب بحق، وأعتقد أنك تدرك ذلك أيضاً، أليس كذلك؟»
«أجل، أنا أرى ذلك بوضوح.. أنا فقط…»
قطعتُ جملتي ووقفتُ باستقامة، ثم مِلتُ برأسي قليلاً إلى الجانب، ولم أستطع منع ابتسامة عريضة وصادقة من الارتسام على وجهي. كانت ملامحي تشع بسعادة، سعادة خالصة «سعيد من أجل صديقي الجديد».
ثم فكرت: “لقد فاجأني حقاً.. توقعتُ أن يجامل ويقول إنه قبله إرضاءً لي. كان من السهل عليه أن ينسب الفضل، لكنه لم يفعل. إنه يحترم الموهبة كقيمة مجردة.. أشعر برعشة سعادة غريبة في صدري؛ سيلفان يستحق هذا، بحق”
خرجتُ من مكتب المدير والصندوقان في يدي، أحدهما لي والآخر لسيل. شعرتُ بثقل المسؤولية قليلاً مع اني لا اعلم ما كان ينتظرني، لكنني شعرتُ بالفخر أيضاً.
وأما إيدن كان لا يتوقف عن التذمر في وعيي.
<يا له من غريب أطوار! يهاجم الناس فجأة.. ولكنه أعجب بجمالي، أليس كذلك؟>
تجاهلتُه وأنا مازلت شارداً أتأمل العباءة الزمردية القابعة في داخل الصندوق: “مجلس الطلاب.. لنرَ ما سيجلبه لي هذا الدور.”
قفز إيدن برأسه، وقال بمرح خبيث: <كاي! كاي! هل تعتقد أن سيلفان سيتجمد كالمرة السابقة عندما يرى هذه العباءة؟>
ضحكتُ بخفة وأنا أتخيل ملامح سيلفان المذهولة: «أوه، أتمنى ألا يفقد وعيه هذه المرة!»
و بمجرد أن خطوتُ بضع خطوات، رأيت ظلال شخصٍ يقف على مقربة. لم تكن سوى تلك الفتاة، روز أليو. كانت تتظاهر بالانشغال بالنظر إلى لوحة إعلانات فارغة تماماً، وكأنها تنتظر شيئاً.. أو تنتظرني أنا.
جفل إيدن حول عنقي، وزمجر بنبرة يملؤها الإرهاق والنفور: <إنها تلك الفتاة المجنـ…> لكنه صمت فجأة، ربما خوفاً من أن أنقره على رأسه مجدداً، ثم أكمل باقتضاب: <أوه، أعني الغريبة.. إنني لا أريد التحدث معها إطلاقاً!>. وبلمح البصر، انكمش جسده الصغير ودلف داخل أحد الصناديق التي أحملها ليختبئ.
اقتربت روز مني أكثر، ووضعت يديها خلف ظهرها ثم غمزت بمكر: «الفتى الجديد الغامض الذي استدعاه مدير الأكاديمية شخصياً، والآن أصبح عضواً في المجلس.. الجميع ينتظرك».
لوحت روز بيديها وهي تبتعد نحو الردهة: «ربما فصلك القادم من ذلك الاتجاه». تركتني هناك واقفا أحاول استيعاب التحديات القادمة.
قلتُ بسخرية بينما أراقب طيفها يبتعد: «شكراً على ذلك.. يبدو أن عملك الوحيد هو توجيهي كـGPS وتركي غارقاً في تساؤلاتي. حسناً، يبدو أن فصلي الدراسي لن يكون هادئاً كما خططت أبداً».
أكملتُ طريقي، وإيدن لا يزال يتمتم بانزعاج داخل الصندوق: <إنها مزعجة للغاية يا كاي! هل كل أعضاء المجلس بهذه الغرابة؟ آمل ألا يتدخلوا في حياتنا الخاصة مثلها!>.
ضحكتُ رغماً عني من نبرة إيدن الطفولية والمنزعجة: «أرجو ذلك يا إيدن.. أنا أحاول فقط البقاء بعيداً عن المشاكل».
ثم شعرتُ بحركة إيدن داخل الصندوق. تنهد، وتغيرت نبرة صوته تماماً، حيث تلاشت نبرة الانزعاج وحلّ محلها صوتٌ جاد وهو يتثاءب بكسل: <كاي.. ولكن، هل شعرتَ بـ “ذلك”؟>.
ضقتُ بعينيّ، وأجبته في وعيي بتركيز:<أوه.. أجل. إنها في مستوى جيد جداً بالنسبة لطالبة مزعجة، ولكن…>.
صمتُّ للحظة محاولاً تحليل ما استشعرته حواسي، ثم أكملتُ لإيدن بقلق:<هناك شيء غريب في سحر روز.. وكأن هناك اضطراباً خفياً في ضغطها السحري. لا يبدو مستقراً كالبقية، تُرى ما الذي تخفيه حقاً؟>.
“اضطراب في الضغط؟ هل هو ناتج عن شيء ما؟ أم أنها تمتلك جوهراً غير مستقر فقط؟ يبدو أن روز أليو ليست مجرد فتاة فضولية، بل هي لغز يسير على قدمين هي الأخرى”.
وصلتُ أخيراً إلى فصلي. توقفتُ عند الباب واستشعرتُ الأجواء:” أوه، هناك أشخاص يخرجون.. هل انتهت الحصة بالفعل؟”.
ابتعدتُ قليلاً لأفسح لهم المجال، وخرج شاب بشعر أسود وعينين عسليتين حادتين. كان هادئ الملامح ويبدو أكبر مني سناً.
نظرتُ إليه وسألتُه بعفوية: «أوه، هل انتهى الفصل؟».
“هل هذا في مثل سني؟ إنه يبدو أكبر وأكثر نضجاً”.
نظر إليّ الفتى بهدوء، ثم حول نظره إلى الصناديق في يدي. فجأة تجهم قليلاً، ثم أكمل طريقه. وبينما كان يمر بجانبي، شعرتُ بضغطٍ خفي، ليس عدائياً بل هو ضغط شخصٍ اعتاد السيطرة وفرض وجوده.
“آه.. مستواه لا بأس به بحق”
لكنني انزعجتُ من تجاهله البارد: «ولكن ما خطب هذا الحقير؟».
خرج إيدن برأسه من الصندوق وسأل ببراءة: <مَن؟>.
رددتُ عليه بسرعة:<لا شيء.. ابقَ مكانك يا إيدن>.
فجأة، خرج شخصان آخران. صاح أحدهما بنبرة مستفزة: «همم، انظروا من لدينا هنا.. أنت متأخر يا فتى السنة الأولى. تِسك.. الوفد الجديد مهمل حقاً، لكن هذا سيتغير قريباً». كان صوته مزعجاً للغاية، وكان بشعر أشقر مجعد وعينين سوداوين؛ تساءلت: “ومن هذا المزعج الآخر أيضاً؟.
ضاعت عيناه فجأة وهو ينظر إلى الصناديق في يدي، وصرخ بوجهٍ غاضب: «هوي! من أين لك هذا؟!».
رفعتُ الصناديق باستغراب: «هذا؟».
“وما خطب هذا الحقير الثاني؟”
أجاب الفتى بغضب: «أجل! ها…» وقبل أن يكمل، امتدت يدٌ من خلفه وخنقته فجأة، ووضعت كفها على فمه لتصمته.
ثم سمعتُ صوت فتاة تقول بنبرة حازمة ومنزعجة: «ومن أين سيكون لديه إياه أيها الغبي؟».
كانت فتاة بملامح حازمة ومرحة في آن واحد، شعرها بنفسجي بتسريحة ذيل حصان، وعيناها بنفسجيتان خافتتان كانت تبتسم لي بود بينما الفتى يتخبط بين يديها كالدجاجة، كان يحاول الحديث من خلف يدها: «ممم ممم!»..
نظرتُ إليها بتفاجؤ: «هووه؟».
قالت الفتاة بابتسامة ودودة: «مرحباً، أنت الوفد الجديد من السنة الأولى، صحيح؟ انسَ أمر هذا الغبي وادخل لفصلك». كانت ابتسامتها لطيفة، لكن قبضتها على فم ذلك الشاب كانت تشبه الكماشة الفولاذية.
فكرت بذهول: “وااو! إنها قوية حقاً! لقد أصمتت هذا الأحمق بلمحة بصر.. إنني استشعر صدى هالتها المستقر، هل هي مُبارِزة أنها ليست سيئة أبداً”.
مشيتُ بضع خطواتٍ آملاً ألا أصادفهم مجدداً؛ في نفسي: “فلنبتعد من هنا.. من أين ظهر هؤلاء الأشخاص؟ يبدو يقيناً أنهم ليسوا من السنة الأولى. على كل حال، أتمنى ألا أصادفهم مرة أخرى…” لكن صوتاً استوقفني من الخلف: «أوه يا فتى!».
التفتُّ بسرعة: «.. أنا؟».
ابتسمت الفتاة وقالت بمرح: «هاها.. أجل، ومن غيرك هنا؟ فلتَحضر أنت وباقي الأعضاء لغرفة مجلس الطلاب بعد الفصل، لنلقي التحية على بعضنا البعض بشكل لائق».
نظر إليّ الفتى الأشقر بغضب وهو لا يزال مخنوقاً: «مممم اممهم!» (وكأنه يقول: تحية بطيختي!).
قالت الفتاة وهي تبتعد: «إذاً.. أراك لاحقاً».
بقيتُ مكاني في حالة صدمة تامة.. (شاشة تحميل.. تحميل..).
ثم صرختُ في أعماقي: “ماااااذا! هل هم أيضاً من مجلس الطلاب؟!”.
شعرتُ برعشة تسري في جسدي من الرأس حتى القدمين، وأنا أقف حاملاً عباءتين رسميتين، محاطاً بغرباء لا يمكنني توقع جنونهم القادم
“مجلس الطلاب؟ في عالمي السابق كان المجلس يوزع أقلاماً رصاص، هنا يبدو أنهم يوزعون ‘أزمات نفسية’ مجانية مع كل عباءة.”
.. يبدو أن حياتي الهادئة التي خططتُ لها قد تبخرت تماماً قبل أن تبدأ.
التعليقات لهذا الفصل " 55"