54 - بداية الأكاديمية.. ألوان متصارعة، إرث قديم، واستدعاء مريب
الفصل الرابع والخمسون: بداية الأكاديمية.. ألوان متصارعة، إرث قديم، واستدعاء مريب
(POV: كاي)
«واااو!»
لم أستطع منع نفسي أطلقتُ هذه الصرخة من أعماق قلبي فتحتُ عينيّ على وسعهما وأنا التصق بنافذة العربة كطفل صغير.
كانت الأكاديمية أمامنا تبدو وكأنها حلمٌ منسوج من الخيال، تطفو في الآفاق بهيبةٍ لا توصف. لم تكن مجرد مبانٍ حجرية صماء، بل كانت سيمفونية من القصور المعلقة والجسور المعمارية التي تتمايل بلطف ومرونة مع نسائم الرياح القوية والموجهة سحرياً.
«إذن هذه هي أكاديمية “زيفيروس للرياح”؟ إنها حقاً شيء عظيم!» همستُ وأنا أتأمل الجمال الخيالي.
تحرك إيدن حول عنقي، رافعاً رأسه الصغير متسائلاً ببراءة طفولية كالعادة: <أيمكنه أن يطفو؟أين أجنحته؟ كيف لا يسقط؟>.
أمسكتُ برأسي بيأس: «إيدن.. إنه الرياح، سحر الرياح هو من يحمله».
بمجرد أن خطت أقدامنا خارج العربة، توقف إليان فجأة. رأيتُ إليان ينحني بجسده قليلاً، بوقار مبالغ فيه، واضعاً يده اليسرى خلف ظهره ومشيراً بيده الأخرى نحو البوابة العظيمة، وقال بنبرة رسمية جهورية: «مرحباً بك في أكاديمية زيفيروس.. أيها الأمير السادس، كاي دي آل إيغنار!»
تجمدتُ في مكاني.
طوال رحلتي من الحدود وفي بيت الماركيز، لم أشعر أبداً بأنني ذلك الأمير “المنبوذ” أو “الفاشل”. الجميع كان يعاملني باحترام، وينادونني بلقبي بصدقٍ يلامس القلب لا تشوبه سخرية.
لكنني كالعادة، تظاهرت بالانزعاج، و وضعتُ يدي على وجهي محاولاً إخفاء إحراجي وقلتُ لي إليان: «لقد أخبرتك مئة مرة أن تتوقف عن الرسميات! إنها تجعلك تبدو مرعباً وغير طبيعي!»
رفع إليان رأسه: «كيف يمكنك قول هذا لرفيقك أيها الأمير؟» قالها بوجه بريء و مستفز،
صرختُ في وجهه: «توقف الآن!»
رد إليان وهو يبتعد بضع خطوات: «أوقف ماذا بالضبط.. “سمو الأمير”؟»
«توقف!» صرختُ وحاولتُ الإمساك بياقة قميصه، لكنه أفلت مني برشاقة كالهواء وانطلق راكضاً وهو يضحك بأعلى صوته: «هاهاها!»
لحقتُ به وأنا أركض في الساحات الخارجية، وشعرتُ بابتسامة دافئة تتسلل إلى أعماقي.. ”هذه هي الحياة التي أردتها حقاً.. لي، ولـ “كاي”
دخلنا إلى الأكاديمية، لنجد عالماً من الزجاج والضوء. القاعات واسعة ومفتوحة للسماء والرياح اللطيفة التي تداعب الوجوه، والطلاب يرتدون الزي الأكاديمي ويتحركون بنشاط. على الفور بدأتُ أتفحص الهالات السحرية من حولي كعادة لدي. “همم.. هالاتهم بسيطة بشكل عام”.
كنتُ غارقاً في تفحص المكان و لاحظ إليان تشتتي و انبهاري، فناداني عدة مرات دون جدوى، حتى اقترب من أذني و همس: «! توقف عن الانبهار يا كاي، تبدو أحمقاً!»
التفتُ و قلتُ بانزعاج ساخر: «لقد كنت تناديني بالأمير منذ لحظة، والآن أحمق؟ يا لك من وغد متقلب!»
ابتسم إليان بخبث: «هيهي.. المهم، هل كنت تسمع ما أقول؟»
«لا، ماذا كنت تقول؟» سألتُه.
أشار إليان بإصبعه نحو أحداً الغرف التي يصطف أمامها طابور طويل من الطلاب: «هناك.. غرفة التقييم».
قطبتُ حاجبي و تساءلت باستغراباً تام: «غرفة التقييم؟ يقيمون ماذا؟ أليسوا قادرين على تحديد مستوانا السحري بمجرد النظر؟»
شرح إليان ونحن نسير باتجاه الطابور: «الأمر ليس متعلقاً بمستوى القوة فقط، بل يقيمون نوع سحرك؛ هل يليق بك أن تكون مهاجماً، أم في خطوط الدفاع، أم كدعم سحري؟ السحر له طبيعة داخلية، وتلك البلورة هي من تحدد المسار الأفضل لك».
هززت رأسي بعدم استيعاب كامل: «أوه.. لا أفهم تماماً، ولكن لندخل ونرى»
دخلنا الغرفة التي كانت محاطة بحاجز سحري. في المنتصف تماماً، كان هناك حجر كبير متوهج بلون غريب أرجواني مسود، و يقف بجانبه رجل ذو ملامح جادة كالصخر، شعره بني فاتح وعيناه السوداوان تخترقان الصفوف بصرامة.
همست لي إليان بينما نجلس على مقاعدنا: «من هذا؟»
«هذا البروفيسور “جييد”، المسؤول عن اختبار التصنيف».
حاولتُ قياس قوته متساءلاً.”دعنا نرى المعلمين هنا. هممم…أوهو.. إنه في مستوى الخبـ…”.
فجأة، قشعريرة باردة ضربت عمودي الفقري. اتسعت عيناي وجمدت الدماء في عروقي للحظة: ”ما هذا؟ هذا الضغط الغريب والمختلط.. لقد شعرت به من قبل!”. تذكرت فوراً المستشار الذي قابله قبل سنة.. نفس الثقل، نفس الهيبة المريبة. رفعت رأسي ببطء لي أجد أن البروفيسور جييد ينظر إلي مباشرة، وكأنه يشرح جسدي بنظراته. ثم، ببطء شديد، ارتسمت ابتسامة خفيفة غامضة على شفتي البروفيسور.
”هااه.. يبدو أنه راضٍ عما رآه”، فكرت بي توتر ساخر وأنا أحاول تهدئة نبضات قلبي المطربة بشكل غريب.
بعد ان دخل جميع الطلاب، تقدم البروفيسور جييد ووقف أمام الطلاب الجدد قائلاً بصوت عميق: «مرحباً، أنا البروفيسور جييد. أتمنى أن أرى بينكم إمكانيات عظيمة اليوم لمستقبل المملكة و تليق باسم زيفيروس!»
تعالى التصفيق، ثم أكمل بصيغة عملية: «فلنبدأ!»
استندتُ بظهري إلى الكرسي الخشبي وأنا أراقب المشهد بتركيزٍ حاد. كان النظام هنا واضحاً؛ لا ألقاب، ولا هالة نبلاء. لقد تم تجريد الجميع من مسمياتهم العائلية ليرتدوا رداءً واحداً مع عامة الشعب، مجرد “رقم” مطبوع على ورقة صغيرة مخبأة داخل ياقة البدلة الأكاديمية.
“مساواة؟ هااه. لا مكان للاختباء خلف اسم العائلة هنا.. القوة وحدها هي التي تحكم”.
بدأ الطلاب بالتقدم واحداً تلو الآخر عند مناداة أرقامهم. كانت عيناي تلاحقان كل حركة؛ يخطو الطالب نحو المنصة بخطوات تتأرجح بين الثقة والارتباك، يمد يده ليمسح فوق سطح البلورة، وفجأة.. يولد الضوء.
كانت البلورة بمثابة قاضٍ لا يرحم:
الأزرق السماوي: كان يندلع داخل البلورة كعاصفة محبوسة؛ وهذا يعني “الهجوم”. قوة مركزة، حادة، ومدمرة كالنصل. كنت أرى الطلاب الذين يحصلون على هذا اللون يشدون أكتافهم بزهو، وكأنهم ضمنوا مقعدهم في طليعة.
الأبيض الشفاف: يتسلل داخل الحجر برقة كالسحاب؛ وهذا يشير إلى “الدعم”. سحر التعزيز، التسريع، والإخفاء. كانت نظرات هؤلاء الطلاب أكثر هدوءاً، ربما لأنهم يعلمون أن قوتهم تكمن في خفاء الظل لا في صخب المعركة.
الرمادي المتوسط: يملأ جوهر البلورة بكثافة تشبه الجدار الضبابي؛ وهذا يعني “الدفاع”. تشكيل الحواجز والدروع الهوائية الصلبة.
راقبـتُ البلورة وهي تتوهج وتخبو، وتخبو ثم تتوهج. وفي كل مرة يلمسها أحدهم، كنتُ أشعر بـ “هفيف” السحر في الهواء.
”فكرتُ بفضول مقلق “تُرى.. عندما يحين دور الرقم 33، أي لون سيختاره هذا الحجر لي؟ وهل ستصمد الأداة أمام فحص البلورة؟”
قبضتُ على ركبتي وأنا أزفر نفساً هادئاً، منتظراً تلك اللحظة التي سأقف فيها أمام الجميع.
«رقم 33.. كاي!»
دوى صوت البروفيسور جييد في أرجاء القاعة الهادئة. شعرتُ بوخزةٍ في معدتي، تلك اللحظة التي تخيلتها قد أتت.
«أوه.. إنه دوري» نهضتُ من مقعدي ببطء، ونفضتُ الغبار الوهمي عن سترة الأكاديمية لأستجمع شتات نفسي. مِلتُ نحو إليان الذي كان يراقبني، وقلتُ له بنبرة حاولتُ جعلها واثقة: «أراك لاحقاً».
ابتسم إليان، وهو يهمس: «بالتوفيق،».
قفز إيدن من فوق كتفي ليستقر في حضن إليان، وشعرتُ بصوته في وعيي: <كاي.. إنني أشعر بسحر البلورة، إنه ليس مجرد حجر.. إنه يتنفس بسحر غريبة!>.
أجبته في سري وأنا أسير نحو المنصة:<أعلم يا إيدن.. يبدو أنها قطعة أثرية من مستوى رفيع>.
خطوتُ نحو البروفيسور جييد. كان طوله وهيبته يفرضان نوعاً من الثقل على الهواء المحيط به. عندما وقفتُ أمامه، شعرتُ بنظراته السوداء تخترقني، وكأنه يحاول رؤية ما خلف جلدي.
ابتسم البروفيسور ابتسامة هادئة، لكنها لم تكن مريحة تماماً، وقال بصوتٍ رصين: «مرحباً يا كاي. لا داعي للتوتر. أغمض عينيك، صَفِّ ذهنك تماماً، ثم ضع يدك على البلورة وضخ فيها سحر الرياح الخاص بك».
«حسناً..» تمتمتُ وأنا آخذ نفساً عميقاً.
مددتُ يدي ببطء ووضعتها على سطح البلورة البارد. كان ملمسها يشبه الجليد. أغمضتُ عينيّ وبدأتُ بسحب خيوط السحر من جوهري. حاولتُ توجيه “الرياح” فقط، معتمداً على أداة سكون الجوهر لتصفية أي شوائب من العناصر الأخرى.
همست في وعيي: “هيا.. مجرد رياح بسيطة.. لا شيء أكثر”.
ساد الصمت لثوانٍ. لم يحدث شيء. بدأتُ أشعر بعرق بارد ينزلق على صدري. فتحتُ عيناً واحدة لارى البلورة باهتة. بدأت الهمسات تصل لمسامعي من صفوف الطلاب: «ما خطبه؟ هل هو فاشل؟».. «هل أرسلو طلب لشخص لا يملك سحراً؟».
وفجأة.. انتفضت البلورة تحت يدي!
شعرتُ بـ “شهقة” من الطاقة تسحبها البلورة من عروقي بقوة غير متوقعة. انفتحت عيناي على وسعهما بذهول. البلورة لم تشتعل بلون واحد، بل بدأت تومض بجنون!
(طاااخ.. طاااخ)
كانت الألوان تتصارع بداخلها؛ الأزرق الغامق ينفجر ثم يختفي ليحل محله الأبيض الشفاف، ثم الرمادي المتوسط، ويتكرر الأمر بسرعة تجعل العين تعجز عن الملاحقة. شعرتُ بقلبي يخفق بعنف.
«ما هذا؟!» صرختُ بصوتٍ مكتوم، محاولاً سحب يدي، لكنها كانت ملتصقة كالحديد بالمغناطيس.
نظرتُ إلى البروفيسور جييد؛ اختفت ملامح بروده وحلت مكانها نظرة ذهول مرعبة. اتسعت حدقتاه وهو يقترب خطوة، متمتماً بشيء لم أفهمه.
صرخ إيدن في وعيي بذعر: <كاي. ما هذا بحق الأرض ! !>
أجبت بذهول وأنا أشعر ببرودة تخرج من كفي: «لا أعلم! إنني أشعر بنفس شعور “تلك اللحظة”!!»
توهجت البلورة فجأة بضوء أبيض ناصع غطى القاعة بالكامل، لدرجة أن الجميع حجبوا أعينهم بصرخات تفاجؤ. أغمضتُ عينيّ بقوة، وشعرتُ بوخزٍ حاد يسري من معصمي حيث الأداة.. وكأنها تصارع شيء ما قابع في أعماقي.
وفجأة.. سكن كل شيء.ـــــــ
فتحتُ عينيّ بصعوبة، كانت أنفاسي متقطعة. نظرتُ إلى البلورة.. لقد استقرت أخيراً على لون رمادي متوسط باهت، وكأنها استنزفت كل طاقتها.
نزعتُ يدي بسرعة وأنا أتراجع للخلف والشرارات لا تزال تتطاير من أصابعي : «آغه..ماذا كان ذلك بحق الجحيم؟»
التفتُّ لأرى القاعة في حالة ذهول. الطلاب يتساءلون إن كانت البلورة قد تعطلت. أما البروفيسور جييد، فقد ظل صامتاً للحظات وهو ينظر إليّ، ثم إلى البلورة التي فقدت بريقها المعتاد للحظة.
أخذ نفساً طويلاً، ثم أعلن بصوتٍ حاول جعله طبيعياً: «كاي.. دفاع». ثم أضاف بضحكة مصطنعة وهو ينظر للطلاب: «يبدو أن البلورة قد تعبت من المحاولات! هاهاها»؛ إذا بتصفيق خفيف ومحرج من بعض الطلاب.
أعطاني البطاقة، وعندما تلامست أصابعنا، شعرتُ بنظرة ثاقبة من عينيه السوداوين تقول الكثير.فكرتُ بمرارة وأنا أبتعد: ” و لكن ما خطب تلك النظرة..؟”.
عدتُ إلى مقعدي بخطواتٍ ثقيلة، وصوت نبضات قلبي لا يزال يطنّ في أذني. جلستُ بجانب إليان، فلاحظتُ أن وجهه كان شاحباً وكأنه هو من كان يقف أمام تلك البلورة المجنونة وليس أنا.
انحنى إليان نحوي، وهمس بصوت قلق: «هل أنت بخير يا كاي؟ ما الذي حدث بحق الجحيم؟». ثم صمت للحظة قبل أن يضيف بنبرة أكثر قلقاً: «هل للأمر علاقة بـ… بـ “العناصر” الأخرى؟».
حاولتُ رسم ابتسامة هادئة على وجهي رغم الاضطراب الذي يكتسحني، وقلتُ له بصدقٍ مشوب بالحذر: «أنا بخير يا إليان.. لا تقلق». ثم نظرتُ إلى كفي التي لا تزال تشعر بوخز السحر وأضفت: «لا.. لا أعتقد ذلك أبداً».
قفز إيدن نحوي أيضاً بسرعة، وصرخ في وعيي بصوتٍ يملؤه الذعر وعيناه الصغيرتان تتوهجان بقلقٍ واضح: <كاي! هل أنت بخير؟ أخبرني، هل آذاك ذلك الحجر اللع*ن؟>.
مددتُ يدي وداعبتُ رأسه الصغير برفق، ورسمتُ ابتسامة خفيفة لأطمئنه هو الآخر: «أنا بخير يا إيدن.. بخير، لا تقلق و لا للشتم يا إيدن».
تنهد إليان بعمق : «لقد أرعبتني! لم أكن أعلم أن تلك البلورة يمكن أن تتعطل أو تصاب بالجنون هكذا! على كل حال.. تهانينا».
رفعتُ نظري نحو المنصة، حيث كان البروفيسور جييد لا يزال يوزع نظراته بين الحين والآخر نحوي، وسألتُ إليان بفضول: «ولكن حقاً يا إليان، ما سبب هذا الاختبار بحق؟».
أجاب إليان وهو يستعيد هدوءه: «أوه، كما أخبرتك. هذه البلورة هي أحدث ابتكار لأساتذة الأكاديميات الأربع الكبرى منذ سنة. لقد وُزعت لتحديد تخصص كل طالب بدقة، لكي لا يضيع وقته في تدريب مهارات لا تناسب طبيعة سحره».
فكرة في نفسي بريبة: “إذن هذه هي المرة الأولى التي تُستخدم فيها..! هل تعطلت حقاً لأنها جديدة؟””
(الراوي)
وضع البروفيسور جييد المستندات التي كانت بين يديه على الطاولة الخشبية الثقيلة بصوتٍ مسموع، وكأنه يغلق صفحةً مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة.
مسح بنظره الحاد وجوه الطلاب الجدد، ثم قال بنبرةٍ رخيمة تحمل صرامة المعلم وتوقعاته: «حسناً أيها الطلاب، الآن قد انتهيت من تقييمكم وتصنيفكم. تذكروا أن البلورة لم تمنحكم مجرد ألوان، بل منحتكم مسارات لحياتكم القادمة. فلتركزوا على تنمية ما هو الأفضل لكم و لترتقو بأنفسكم وبالمملكة».
توقف للحظة، ثم أضاف ببرودٍ مهذب: «حسناً، والآن.. انصراف».
بدأ الطلاب بالنهوض، وتصاعد ضجيج المقاعد والهمسات المكبوتة وهم يتجهون نحو المخرج. وسط هذا الحشد، كان كاي يسير بجانب إليان، متواري بين بقية الطلاب، لكن عينَي جييد لم تفقد أثره.
ظل البروفيسور واقفه خلف طاولة الاختبار، يراقب قفا رأس كاي وهو يبتعد. ضاقت عيناه السوداوان، وشبك أصابعه فوق الطاولة. و همس:« همم.. ذلك الطفل؟»
(POV:كاي)
انتهى التقييم أخيراً بكلمات البروفيسور جييد الختامية التي حفزت الطلاب على “الارتقاء”، وبدأ الجميع بالانصراف.
خرجتُ مع إليان إلى الممرات الفسيحة المزدانة بالنباتات المعلقة التي تتمايل مع نسائم سحرية لطيفة. كان إليان يسرد لي بحماس قائمة طويلة بأسماء المطاعم والمقاهي في المدينة الأكاديمية وكأننا في رحلة سياحية لا في مدرسة للسحر.
كنتُ أضحك على شغفه المبالغ فيه بالطعام، حتى لمحتُ ظلاً مألوفاً تحت شجرة بعيدة.. فتى بشعر أسود مائل للرمادي.. عيون رمادية حادة. يجلس بهدوء، يلمع سيفه بتركيزٍ شديد وكأن العالم من حوله قد توقف.
توقفتُ عن الضحك فجأة وهمستُ بذهول: «آه.. هذا الفتى!».
التفتُّ إلى إليان بسرعة: «إليان، اذهب أنت مع إيدن، سألحق بكما لاحقاً».
نظر الي إليان باستغراب: «أوه حسناً، ولكن إلى أين ستذهب؟».
حتى إيدن قفز ليرتحل على عنق إليان متسائلاً بفضول: <إلى أين يا كاي؟>.
ابتسمتُ لهما وأنا أبتعد: «لن أتأخر.. ».
تقدمتُ بخطواتٍ هادئة نحو ذلك الفتى الجالس تحت ظلال الشجرة الضخمة. كان منغمساً في تلميع سيفه بتركيزٍ جعل العالم من حوله يختفي.
وقفتُ أمامه مباشرة وقلتُ بابتسامة: «مرحباً، نلتقي مرة أخرى!»
جفل الفتى فجأة، والتفت إليّ بذعرٍ طفيف قبل أن تتسع عيناه بذهول: «آه.. أوه! أنت الـ… الأمير!»
ضحكتُ بخفة وأنا أهز رأسي: «لا، لقد أخبرتك من قبل؛ لا داعي للرسميات، وبالأخص هنا في الأكاديمية».
بدأ يتلعثم بارتباك: «أه.. هذا.. ولكن…»
قاطعتُه بحزمٍ لطيف: «فقط نادني بـ “كاي”».
جفل الفتى وكأنه تلقى صدمة كهربائية: «ماذا؟! كيف يمكنني فعل ذلك؟! أنت أمير و…»
فكرت في نفسي بسخرية: “لو علم أنني مجرد أمير منبوذ في القصر، لما شعر بكل هذا الثقل.. على كل حال، الاسم لا يهم”.
قلتُ له وأنا أبتسم بصدق: «اعتبره رداً لما فعلته لك في ذلك اليوم».
أخيراً، أومأ بترددٍ واضح و أجاب: «أوه.. حـ.. حسناً».
جلستُ بجانبه على العشب وسألتُه بفضول: «ولكن، ماذا تفعل هنا في أكاديمية زيفيروس؟»
أشار الفتى ببساطة إلى سترته: «إنني طالب هنا».
شعرتُ بحرارة تغزو وجهي من شدة الإحراج، وفكرتُ: (يا لي من أحمق! إنه يرتدي الزي الرسمي، كيف لم ألاحظ ذلك؟).
ثم قلتُ بصوتٍ محرج: «أحم.. أوه أجل! طبعاً!» ثم قفزتُ فجأة وأنا أصرخ بتفاجؤ: «لا، مهلاً! هل هناك قسم للمبارزة هنا في زيفيروس؟ أليست أكاديمية للرياح؟»
رد الفتى بهدوء: «أجل، هناك قسم خاص.. هل كنت تجهل ذلك؟»
تجمدتُ مكاني و انا افكر في ذلك.” إذن هذا هو السبب! لهذا السبب أهداني جدي ذلك السيف! ولكن لماذا لم يخبرني أحد؟ هل الجميع يتآمر
لترك المفاجآت تصدمني؟”.
وفجأةـــــ
شعرتُ بـ “قشعريرة” غريبة تسري في ظهري. التفتُّ بسرعة خاطفة خلفي، متفحصاً الأشجار والزوايا. “ما كان هذا؟ لقد شعرتُ يقيناً بأن هناك عيناً تراقبني من مكانٍ ما.. عين باردة ومترصدة. هل كنتُ أتخيل؟ سحقاً.. ما خطب هذه المقاطعة؟ الجميع هنا يبدو وكأنه يملك سراً مريبا”.
«الأمير كاي؟؟» ناداني الفتى بتمتمة قلقة.
أفقتُ من شرودي والتفتُّ إليه: «آه.. أجل، أنا معك».
الفتى: «إنهم ينادون الجميع للتوجه إلى القاعة الكبرى، أعتقد أنه وقت تقديم الطلاب الجدد».
وقفتُ ونفضتُ الغبار عن ردائي الأكاديمي: «أوه، إذن يمكننا الذهاب معاً». ثم تفحصتُ هالته للحظة وأضفت: «أنت في المرحلة الثالثة، مستوى المتوازن.. هذا رائع حقاً!»
توقف الفتى مكانه ونظر إليّ بذهول، وكان وجهه يصرخ بسؤال
واضح: “كيف عرف مستواي ومرحلتي بمجرد نظرة؟”.
أكملتُ بابتسامة: «هذا جيد يا… آه، لم تخبرني ما اسمك؟»
انحنى الفتى فجأة باحترامٍ حار وقال: «آسف لتقديم نفسي متأخراً. اسمي هو “سيلفان”، ويمكنك مناداتي “سيل” إن أردت. تشرفت بلقائك يا كاي». ثم وقف ومد يده لي بابتسامة حازمة.
فكرت في نفسي: “يا له من فتى بروح رائعة، لقد أصبح أكثر ارتياحاً الآن بعد أن كسرنا القليل من الجليد”.
مددتُ يدي وصافحته بقوة: «وأنا أيضاً يا سيل».
ثم التفتُّ حولي وأنا أتساءل: «حسناً الآن، إلى أين؟ أين ذهب إليان؟».
أغمضتُ عينيّ لثانية وركزتُ على الرابطة الغريبة بيني وبين إيدن:<إيدن>..
جاءني صوته في وعيي وهو يتمطى بتثاؤب: <آه.. كاي؟>.
<أين أنتم الآن؟>.
رد إيدن بكسل: <نحن بقرب المدخل الرئيسي.. هناك الكثير من البشر هنا، الأمر مزدحم ومزعج>.
بحثتُ بعينيّ وسط الحشود.. «أوه، إنه هناك!». صرختُ بصوتٍ عالٍ: «إليان! ها أنت ذا!»
اقترب إليان منا: «كاي، أين اختفيت؟». ثم لاحظ سيلفان الواقف بجانبي: «أوه، أنت؟ الفتى من الزقاق هل أنت طالب في زيفيروس أيضاً؟»
انحنى سيلفان: «أ.. أجل أيها السيد الشاب إليان. وشكراً مرة أخرى لكما على ما فعلتموه في المرة السابقة».
ابتسم إليان وقال وهو يشير إليّ: «لا عليك، أنا لم أفعل شيئاً.. بل كان هذا الفتى الذي بجانبك هو من تدخل في الوقت المناسب». ثم أضاف بجدية: «وعلى كلٍ، هيا فلنسرع، سيبدأ خطاب مدير الأكاديمية قريباً».
أجبتُه وأنا أسير خلفه: «فلنذهب.. أريد أن أرى هذا المدير».
و بينما كنا نسير في الممرات، التفتُّ إلى إليان بتجهم وقلتُ بعتاب: «أنت! كيف يمكنك ألا تخبرني بوجود فصول للمبارزة هنا؟»
تمتمتُ في أعماقي بتهكم: ” هل أنا في مشفى لعلاج الزهايمر أم أنني أتخيل يبدو أن الذاكرة باتت عِملة نادرة في محيطي.”؟
تنهدتُ بقلة حيلة وسألت: «على كل حال، كيف هذا؟ أليست الكلية العسكرية هي المكان الوحيد للمبارزين؟»
أجابني إليان وهو يصحح معلوماتي: «نعم ولا. الكلية العسكرية ليست الخيار الوحيد، فهناك المغامرون والمرتزقة، وهم يمثلون فنون المبارزة أيضاً».
«أوه.. هذا صحيح!»
نظر إليّ إليان بتردد لثوانٍ قبل أن يكمل: «وفي الواقع.. كانت هناك أكاديمية مبارزين خاصة أيضاً…»
قاطعتُه ببساطة: «أوه، هل تقصد أكاديمية جدي؟»
«أجل.. بعد أن تفككت، قام والدي. بإنشاء هذا القطاع الخاص للمبارزين في زيفيروس، وجمع فيه بقايا رجال الكونت الذين لم يُرسَلوا إلى الحدود آنذاك. ومنذ ذلك الوقت والقطاع مفتوح للمبارزين».
فكرت بذهول: “واااه! لهذا السبب يوجد هذا العدد الضخم من الطلاب. الماركيز يزيد من احترامي له يوماً بعد يوم، إنه رجل يبني كل شيء بدقة”.
قطع سيلفان حديثنا وهو يرفع يده بتردد: «أمم.. آسف لمقاطعتكما، ولكن هل تقصد يا كاي بأكاديمية جدك.. أكاديمية الكونت “كايل بيرتولدت”؟»
أجبتُه ببساطة: «أجل.. هي بذاتها».
وفجأة، تجمد سيلفان في مكانه تماماً. بدت ملامحه وكأن الزمن قد توقف عنده.
«هيي سيل!» ناديتُه، ثم التفتُّ لإليان بقلق: «هل هو بخير؟»
ابتسم إليان بخبث: «أوه، أعتقد أنه نسي كيف يتنفس يا كاي!»
«ماااذا؟!» صرختُ بذعر وأنا أمسك سيلفان وأهزه بعنف: «هي! تنفس! تنفس يا رجل!» بينما كان إليان يغرق في ضحكاته.
قلتُ بغيظ: «توقف عن الضحك وساعدني أيها الشرير!»
حتى إيدن تدخل في وعيي: <هل أساعدك أنا يا كاي؟ بالكهرباء مثلاً؟>.
و بعد أن استعاد سيلفان وعيه واستجمع شتاته، لم ينفك عن إمطاري بالأسئلة طوال الطريق.
«هل حقاً قابلتَه؟ واااه.. إنني أحسدك حقاً! كيف هو؟ هل تدربتَ على يده؟ إنه أسطورة حية!»
ضحكتُ بإحراج: «هاهاها، أجل.. أجل، انه كذلك».
كنت اترنح في مكاني من كثرة الأسئلة وأنا أراقب تحوله الجذري لطفل فضولي بمجرد ذكر اسم جدي، حتى حدثتُ نفسي بدهشة “يبدو أنه يحب جدي أكثر مني! و يبدو أننا أذبنا الجليد بيننا بالكامل، هل هذا هو ‘الاحترام السامي’ الذي يكنّه مبارز لآخر في قمة الهرم؟”
سألتُه بابتسامة: «يبدو أنك تحترمه جداً يا سيل».
صمت سيلفان قليلاً، ثم نظر إلى سيفه المعلق بجانبه وابتسم بهدوء حزين: «إنه قدوة أبي المتوفى».
جفلتُ وشعرتُ بالتوتر: «أوه.. أنا.. أنا آسف».
هز سيلفان رأسه بهدوء: «لا، لا داعي لأن يعتذر الأمير». ثم أكمل بفخر وعيناه تلمعان: «أبي كان مبارزاً، وأنا أريد أن أحمل إرادته».
فكرت بي انبهار: “يا لها من إرادة صلبة..”
أضاف سيلفان: «كان شغوفاً جداً، إذا لم يكن لديه عمل، كان يتدرب منذ شروق الشمس حتى غروبها».
علق إليان بدهشة: «وااو.. يا لها من عزيمة».
«أجل، أبي كان ذلك النوع من الأشخاص. كان يعمل كمغامر»
أكمل سيلفان وقصة حزن وفخر تكسو صوته: « كان يحلم أبي دائماً بمقابلة الكونت والقتال جنباً إلى جنب معه.. وفي أحد الأيام، جاءته الفرصة. قُبِل في مهمة خطيرة نوع ما لإستكشاف مغارة مجهولة قريبة من منطقة الكونت، وقيل لهم إنها مهمة دعم للكونت نفسه. أبي لم يتردد لحظة وقبِل الطلب.. ولكن..»
أمسك سيلفان قبضة سيفه بقوة حتى ابيضت مفاصله، وقال بغضب: «الكونت لم يكن موجوداً في المغارة أصلاً!»
«ماذا؟!» صرختُ بتفاجؤ.
حلل إليان الأمر بتأنٍّ قائلاً: «همم.. لحظة، هذا غير منطقي من البداية. لو كان الكونت هناك، لما استدعى الدعم أصلاً، لذهب وحده».
داعبت فكرته مخيلتي فحدثتُ نفسي: “هذا صحيح، لقد أخبرني القائد مايكل أن جدي كان يذهب لتطهير الوحوش بمفرده وكأنه في نزهة قصيرة”.
فجأة، تيبست أقدامنا أنا وإليان في الممر بعد أن أدركنا الحقيقة المُرّة؛ التفتنا نحو سيلفان بوجوهٍ يكسوها الشحوب، وقلوبنا تخفق بانتظار تأكيده.
نطق سيلفان بنبرة قاتمة: «أجل.. أحد النبلاء الطامعين استغل اسم الكونت كطُعمٍ لجذب المغامرين واستكشاف المغارة وهو يعلم أن المغارة غير مستكشفة خطيرة بعض الشيء، ولكنه قد خدع الناس بطمعه وقادهم لحتفهم؛ حيث ظهرت وحوشٌ مرعبة أبادة المجموعة عن بكرة أبيها تقريباً».
نظر سيلفان إلى الأرض بأسى، ولم أستطع النظر إليه أكثر، فأشحتُ بنظري بعيداً. شعرتُ بوخزة في قلبي وغصة في حلقي، فأنزلتُ رأسي وقلتُ بأسف: «إذن.. هل مات بسبب استغلال اسم جدي؟»
قاطع سيلفان حبل أفكاري المضطربة بصوتٍ بدا عليه التوتر: «لا لا أيها الأمير، أبي لم يمت في تلك المغارة!».
رفعتُ رأسي بسرعة، والدهشة مرسومة على ملامحي: «ماذا؟!».
ارتسمت ابتسامة دافئة على ثغره وهو يكمل: «لقد قابله.. لقد قابل أبي الكونت أخيراً! جدك أنقذه هو وعدداً من الأشخاص قبل فوات الأوان».
لم أستطع منع نفسي من التعجب: «وااه، حقاً؟».
استرسل سيلفان والبريق في عينيه يخبو قليلاً: «أجل، لقد علم الكونت بالأمر وتدخل في الوقت المناسب ليخرجهم من ذلك الجحيم، لكن.. لم يستطع والدي تحقيق حلمه بالمقاتلة جنباً إلى جنب مع الكونت..». صمت للحظة، ثم أضاف بغصة: «لأن قدمه اليسرى ويده اليمنى قد بُترتا، وفات الأوان لإعادتهما.. توفي أبي بعد سنوات من تلك الحادثة».
ثم فجأة استقام سيلفان في وقفته أمامي، وتغيرت نبرته لتصبح أكثر رسمية وجدية: «أيها الأمير.. أو أقصد، كاي»، ثم انحنى أمامي بكل احترام: «إنني ممتن حقاً لجدك على ما فعله لعائلتنا، وأتمنى أن أفعل الشيء نفسه وأساندك في المستقبل.. إذا سمحت لي بذلك».
نظرتُ إليه والاعتزاز يملأ صدري، وفكرتُ في نفسي: “جدي.. إنه حقاً شخص عظيم. مما أسمعه الآن، أدرك تماماً أنه ليس مجرد أسطورة حرب بما انني قابلته، بل رجلٌ لا يتهاون. لهذا السبب أحترمه، وسأحترمه أكثر من الآن فصاعداً. أنا فخور حقاً بكوني حفيده، وفخور لأنه كان السبب في إنقاذ والد سيلفان”.
مددتُ يدي برفق ووضعتها على كتف سيلفان، محاولاً رفعه: «ارفع رأسك يا سيل. لا تنحنِ لي أبداً بسبب هذا الأمر».
تابعتُ حديثي بنبرة هادئة ومُفعمة بالاحترام: «ما فعله جدي كان واجباً، بل كان فعلاً يحمل جوهر المبارز الحقيقي. هذا ما يفعله القادة العظماء». ثم ابتسمتُ له مكملاً: «وأنا كحفيده، أرى أنك قد فعلت الشيء ذاته بالفعل. بوقوفك بجانبي الآن، أنت تُشرِّف ذكرى والدك وشرف جدي معاً. ولا حاجة لأن تتمنى يا سيل، فأنت بالفعل شريكٌ لي.. وصديق».
اتسعت عينا سيلفان بتعجب، واستطعتُ قراءة ما يدور في ذهنه بوضوح. قلتُ في نفسي بمرح: “صديق؟ هل هذه الكلمة أربكته إلى هذا الحد؟”. لكنه فاجأني بصيحة فرح هزت المكان: «أجل يا صديقي!».
في لحظة، التفت إلينا جميع الطلاب في الممر. شعرتُ بالخجل يغزو وجهي فضحكتُ بإحراج: «هاهاها، اخفض صوتك قليلاً!».
هنا تدخل إليان، وأمسك برأسينا ولفنا باتجاه القاعة وهو يبتسم: «دعكم من دراما الصداقة هذه الآن، لقد وصلنا!».
نظرتُ أمامي، فخرجت الكلمات مني ومن سيل في وقت واحد والذهول يسيطر علينا تلقائية: «وااو! مذهل!».
بمجرد أن خطونا داخل القاعة الكبرى، شعرتُ وكأنني دخلتُ عالماً آخر. كانت القاعة شاسعة لدرجة أن سقفها المقوس بدا وكأنه يعانق السماء، تتدلى منه بلورات سحرية ضخمة لا تكتفي بالإضاءة، بل تنشر بريقاً سماوياً يبعث على الرهبة. كانت المقاعد نصف الدائرية تمتلئ بمئات الطلاب، والهمسات تخلق طنيناً مستمراً في الأجواء.
بمجرد أن استقررنا في مقاعدنا، حدث شيء لم أشعر به من قبل.
فجأة، انقطع الطنين. غلف القاعة صمتٌ مهيب ومفاجئ، كأن أحدهم سحب الهواء من المكان. فكرتُ في نفسي: “ما هذا؟ كيف اختفى الضجيج بهذه السرعة؟”. التفتُّ إلى إليان، ورأيتُ شفتيه تتحركان وكأنه يصرخ بشيء ما، لكن لم يصلني أي صوت، وكأن هناك حاجزاً غير مرئي عزلنا عن العالم
في تلك اللحظة، شعرتُ بحركة مألوفة عند رقبتي، وسمعتُ صوت إيدن في وعيي وهو يقول بكسل: «إنها تعويذة..».
همستُ داخلي: «أوه، هل استيقظتَ أخيراً؟ يبدو أن إليان كان يحاول إخباري بذلك»
نظرتُ نحو المنصة، وهناك رأيته. رجلٌ يتقدم بخطوات ثابتة، يرتدي رداءً طويلاً موشى برموزٍ ذهبية قديمة. كان شعره البني المائل للرمادي كثيفاً، وعيناه البنيتان تجوبان الحضور ببطء، وكأن نظراته قادرة على كشف كل شيء.
فكرت في نفسي: “هل هذا هو المدير؟ وااه. هيبته تكفي لإخضاع القاعة بأكاملها دون أن ينطق بكلمة”.
اعتلى المنصة، وبدأ يتحدث بصوتٍ عميق وهادئ، صوتٌ لم يحتاج للصراخ ليصل إلى آخر زاوية في القاعة: «مرحباً بكم، أيها الطلاب الموهوبون. أنا المدير آرسلان.. تشرفتُ بلقائكم».
انفجرت القاعة بتصفيقٍ حار، لكن العجيب أنني لم أسمع صوت التصفيق؛ كان الطلاب يصفقون بحماس بينما تعويذة الصمت لا تزال تغلف المكان، مشهداً سريالياً غريباً.
أكمل المدير: «لقد جئتم إلى هنا لأنكم تحملون في عروقكم الشرارة التي نُقسم بحمايتها. الأكاديمية هي القلعة، وأنتم الجنود.. والجنود يحتاجون إلى صقل».
بمجرد أن نطق كلمة “صقل”، ركزتُ كل حواسي على فحص ضغطه السحري. وفجأة.. ارتعش جسدي بالكامل.
توقف الزمن من حولي ووجدتني أتساءل في نفسي بذهول: “ما هذا؟! إنه في المستوى الثالث من رتبة ‘الخبير’.. هذا مؤكد، ولكن.. هذا الضغط! ملمس السحر حوله يقترب بشكل مرعب من ضغط جدي! كيف يمكن لمستوى خبير أن يملك كثافة كهذه؟”
شددتُ قبضة يدي تحت الطاولة من فرط التركيز والتوتر.
وفجأة، توقف المدير آرسلان عن الكلام. ساد صمتٌ أثقل من سابقه. لم ينظر للجمهور، بل حول نظره تدريجياً وبدقة متناهية.. حتى استقرت عيناه عليّ أنا تحديداً.
تجمدت الدماء في عروقي.
همستُ بتوتر: «اوبس.. لقد رآني».
ظل المدير صامتاً لعدة ثوانٍ بدت وكأنها دهر. لم يحرك ساكناً، فقط كان ينظر إليّ بابتسامة غامضة بالكاد تُرى، ابتسامة من وجد لغزاً ممتعاً وسط كومة من الأوراق.
خفض المدير صوته، لكنه ظل مسموعاً بوضوح في وعي الجميع: «حسناً.. يبدو أن بعض الشرارات تحتاج إلى رعاية خاصة».
أنهى خطابه بسرعة خاطفة دون الدخول في التفاصيل: «أتمنى لكم عاماً دراسياً مثمراً. الآن، ليذهب الجميع لاختيار أقسامهم».
وفجأة، تلاشت تعويذة الصمت وانفجرت القاعة بالأصوات، لكن صوت المدير ظل هو الأوضح حين وجه كلامه إلى بروفيسورة تقف بالقرب مني: «البروفيسورة ليا.. هذا الطالب، أريده في مكتبي. الآن».
تسمرتُ في مكاني بينما بدأ الطلاب يتهامسون حولي بذهول ينظرون إليّ بتعجب وريبة. وتحت نظراتهم المتسائلة، أدركتُ أنني الآن أُجبرت على مغادرة الصف متجهاً إلى مصير غير معروف و مجهول خلف أبواب مكتب هذا المدير المريب.
التعليقات لهذا الفصل " 54"