53 - خلف ستار الضباب... و يوم الانطلاق نحو الأكاديمية
الفصل الثالث والخمسون: يوم الانطلاق نحو الأكاديمية
”كيييل!”
دوى صوت اصطدام سيفين خشبيين بعنف، ليعقبه صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى أنفاسٍ متهدجة.
(POV: كاي)
«هل هذا كل ما لديك؟ حتى فئران الحدود كانت لتقاتل بشراسة أكبر!»
كان صوت جدي يمزق سكون الفجر كأنه رعدٌ غاضب. كنتُ جاثياً على ركبة واحدة، والسيف الخشبي بين يديّ يشعرني بثقل الجبال الراسية. كان عرقي يتصبب بغزارة ليلامس الأرض الباردة، وأنفاسي تحرق حنجرتي مع كل شهيق.
”اللعنة.. أعتقد أنه لا يستخدم حتى 10% من قوته، ومع ذلك أشعر أن الهواء حوله قد تحول إلى جدار صلب يرفض الاختراق”.
رفعتُ نظري بمشقة، لأراه واقفاً هناك بهيبةٍ كاسرة؛ سحر “الماء” يحيط بجسده كدرع شفاف يلمع تحت ضوء القمر الشاحب. لم يكن يهاجم بضراوة، بل كان “يتلاعب” بحركاتي ببرود، كأنه يقرأ مستقبلي قبل أن أتحرك بمليمتر واحد.
«انهض!» صرخ جدي وهو يلوح بسيفه، لتنطلق موجة ضغط هوائي عنيفة أطاحت بي أمتاراً للخلف.
تدحرج جسدي فوق العشب المبلل بالندى حتى توقفتُ أخيراً. كان طعم التراب يملأ فمي، وصدري يعلو ويهبط كأنه منفاخ حدادٍ يصارع الوقت. استقام جدي في وقفته، ولمعت عيناه الرماديتان ببريقٍ حاد تحت ضوء القمر، ثم صاح بنبرة لم تقبل الجدل: «هيا.. استعمله! أرني ذلك العنصر الذي أضفناه!»
”سحقاً.. إنه يضغط عليّ لأقصى حد”. قلتُ في نفسي بينما ضاقت عيناي قليلاً وأنا ألاحظ شيئاً مريباً.. ”و لكن ما هذا؟ هناك اضطراب غريب في سحر جدي”. هززتُ رأسي وهمستُ بسخرية وسط لهثي المتسارع: «هااه.. هراء هذا لا يمكن.. من سيصدق أن سحر هذا الوحش لديه شيء كهذا؟».
استجمعتُ شتات نفسي، وأغمضتُ عينيّ للحظة، مستشعراً سحر “الماء” في المحيط، حاولتُ سحبها برفق ليتدفق في عروقي. كان بارداً، ثقيلاً، ومتمردً كأنه فرسٌ بري يحاول الإفلات من لجامي.
(الراوي )
في تلك اللحظة، تغيرت طبيعة الأجواء في الساحة بشكل دراماتيكي. بدأ الهواء الرطب يتكثف حول كاي، مشكلاً هالة زرقاء باهتة تضطرب بعنف.
تقدم الكونت كايل بخطوات ثابتة وواثقة، وكل ضربة من سيفه الخشبي كانت ترسل موجة مائية قاطعة تشق الهواء.
كان كاي يصد الهجمات بيأسٍ واضح نابع من غريزة البقاء.
“طرررراخ!”.. “اشششش!”.. صوت اصطدام السحر بالخشب كان يملأ الفناء. كان كاي يتراجع باستمرار، يصد الضربة الأولى بصعوبة، ثم يترنح ليصد الثانية. وفي الهجمة الأخيرة، استجمع كاي كل ما تبقى له من تركيز، وصنع درعاً مائياً كروياً ليحمي جسده المنهك من هجوم جده الساحق.
لكن، سحر الكونت كان بمستوى آخر تماماً، مستوىً لا يرحم. «ضعيف!» زمجر الكونت، وهو يهوي بسيفه في ضربة عمودية ساحقة. بمجرد التلامس، تشتت درع كاي وتطايرت قطرات الماء في كل اتجاه كأنها شظايا زجاج مكسور، لتلقي بقوة الارتداد بجسد كاي أرضاً.
(POV: كاي)
سقطتُ على ظهري، وأنفاسي انقطعت تماماً للحظات. كنتُ ألهث بشدة، وشعرتُ بمرارة الفشل تملأ حلقي. رفعتُ يدي المرتجفة ووضعتها فوق وجهي، أحاول حجب ضوء الفجر الذي بدأ يلوح في الأفق معلناً نهاية ليلةٍ قاسية.
«واااه.. حتى الآن، لا يزال سحر الماء مضطرباً في داخلي،» همستُ لنفسي بضيق مكتوم. كان الأمر كأنني أحاول ترويض إعصار بيدي العاريتين.
سمعتُ وقع خطوات ثقيلة تقترب، ثم شعرتُ بظلٍ يغطي وجهي. لم يكن ظلاً مخيفاً هذه المرة، بل كان ظلاً دافئاً يبعث على الاطمئنان. جلس جدي بجانب رأسي على الأرض الباردة، وتنهد تنهيدة عميقة أخرجت بخاراً أبيض من فمه في هواء الصباح البارد.
«لا عليك يا كاي،» قال بنبرة هادئة غير متوقعة، «خذ الأمر بروية. التحكم في العناصر بطبع سيحتاج لزمن لأن هذا نادر جداً. في الأكاديمية، ستجد الموارد التي ستساعدك على التعلم أكثر وفهماً لما هو أبعد مما أستطيع فعله هنا.»
أزحتُ يدي عن عيني ونظرتُ إليهِ بعينين مثقلتين: «أوه جدي.. كم بقي من الوقت حتى يحين موعد الرحيل؟»
(الراوي)
نظر الكونت إلى الأفق البعيد، حيث بدأت خيوط الشمس الذهبية تلامس قمم الجبال الشاهقة. «لم يبقَ الكثير،» أجاب وهو ينهض بمرونة مدهشة لا تليق بسنه، ثم نفض الغبار عن ثيابه بوقار الملوك.
وفجأة، تغيرت نبرته لتعود لصرامتها المعهودة التي تجمد الدماء: «ولذلك.. لن نضيع ثانية واحدة! قف، سأريك بعض المهارات الخاصة بي أيضاً، وسيفك.. يجب أن تتعلم كيف تسله من تلك الأسورة بسرعة خاطفة..»
ألقى الكونت سيفه التدريبي جانباً، وأخذ سيفه الصلب والمخضرم الذي تفوح منه رائحة المعارك القديمة.
(POV: كاي)
نظرتُ إليه وهو يتخذ وضعية قتالية جديدة لم أرها من قبل، وشعرتُ بظهري يتصلب من مجرد الهالة التي انبعثت منه.
”وااااه.. إنه الجحيم بعينه!” صرختُ في نفسي وأنا أحاول الوقوف بمشقة على قدميّ المتعبتين اللتين كادتا تخذلانني.
———————————————————
(الراوي)
وفي مكان ما في إحدى المناطق غير المستكشفة…
كانت الغابة تبدو كأنها خُلقت لتضلّل وتلتهم كل من يتجرأ على دخولها. أشجارها ملتوية كأجسادٍ معذبة، متباعدة بشكل غير طبيعي كأن الأرض نفسها ترفض الانتظام. الضباب الخفيف يتسلل بين الجذوع كالترصد، والهواء مشبع بطاقة سحرية خام، غير مستقرة، تجعل الصمت ثقيلاً ومريباً بشكلٍ لا يُطاق. لا طيور تغرد، لا حشرات تطن… فقط همسات الهواء البارد وصرير الأغصان اليابسة تحت وطأة المجهول.
فجأة—
انقضّ وحش سحري من المستوى البرتقالي، جسده الضخم مغطى بصفائح سوداء متشققة، وعيناه المتوهجتان تعكسان شراهة القتل المطلقة.
فتح فمه ليزأر—
لكن الزئير انقطع فجأة.
سحر نارٍ مضغوط انفجر من زاوية غير مرئية؛ لم يكن لهباً منتشراً، بل رمحاً نارياً مركزاً اخترق الهواء بسرعة البرق، واخترق الجمجمة مباشرة. نُسف الرأس بالكامل. تطايرت بقايا متفحمة في الهواء، وسقط الجسد الضخم بلا حياة، قبل أن يدرك الوحش حتى أنه قد فارق الحياة.
تنهد صاحب الهجوم بملل واضح، ورفع يده لينزع العباءة عن رأسه. انكشف شعرٌ أحمر قانٍ، تتخلله أطراف بيضاء كرماد محترق، وعينان حمراوان ثابتتان، خاليتان من أي انفعال بشري.. الأمير “ريد”.
قال بفتور وهو ينفض أثر السحر عن يده كأنه يزيل غباراً مزعجاً: «يالها من وحوش… مملة.»
في الجهة الأخرى، نُزعت عباءة ثانية؛ كان” راي” واقفاً بهدوء فوق جثة وحش آخر، حذاؤه يستقر بثبات على صدره المهشم. قفز إلى الأرض بخطوات متأنية ورشيقة، وكأن المكان وكل ما فيه لا يستحق ذرة من الاستعجال. قال ببرودٍ صافٍ: «مضيعة للوقت.»
نظر ريد حوله، إلى الأشجار المشوهة والضباب المتحرك، ثم أطلق زفرة خفيفة: «هااه… ماذا يريد الملك حقاً؟ هذه المنطقة أيضاً لا يوجد فيها سوى وحوش مملة. ما الذي يبحث عنه بالضبط؟ كنز مخفي؟»
تجمد راي لوهلة.
.. كنز مخفي .. تردد صدى الكلمة في ذهنه بعمق. ثم قال بصوت مسموع، منخفض لكنه واضح كالنصل: «…أو مملكة مخفية.»
التفت ريد نحوه فجأة بملامح متفاجئة: «ماذا؟»
ضيّق راي عينيه، ونظر إلى أعماق الغابة السحيقة وكأنه يحاول قراءة رموزٍ غير مرئية: «لماذا يجعلنا نبحث دائماً في المناطق غير المستكشفة؟ وخصوصاً الغابات… والمناطق الجبلية.»
عبس ريد قليلاً، والشك بدأ يلمع في عينيه..«هل يمكن أن يكون…؟»
قبل أن يُكمل فكرته—
زمجرة هائلة شقّت الصمت، اهتزت لها الأرض بعنف، واندفعت عدة ظلال ضخمة من بين الأشجار الكثيفة. وحوش سحرية متعددة، مختلفة الأشكال، تحيط بهما من كل جانب في حصارٍ قاتل.
التفت راي وريد في اللحظة نفسها، ولم تظهر على وجهيهما أي أثر للدهشة أو الخوف. رفعا أيديهما معاً، بتناغم مخيف ينم عن قوة مرعبة، وقالا بصوت واحد ببرودٍ مطلق: «كيف تجرؤون على قطع حديثنا… أيتها القمامة.»
انفجر السحر في كل مكان. نارٌ مستعرة، ضغطٌ هائل، وتشويه كامل لمعالم المكان. لم يبقَ من الوحوش سوى بقايا متفحمة متناثرة وصمتٌ أصبح الآن أعمق وأكثر وحشة من السابق.
عاد الهدوء… وكأن شيئاً لم يكن.
سكنت الغابة بعد الهجوم المدمر. لم يبقَ سوى رائحة احتراق خانقة، وأرض مشققة كأنها صُفِعت بقوة لا ينبغي أن تُستعمل هنا. الأشجار الملتوية ما زالت واقفة كشواهد قبور، متفحمة عند الأطراف فقط، وكأن النار توقفت قبل أن تُكمل عملها.
اختفى ريد وراي، ولم يبقَ من حضورهما سوى أثر ضغط ثقيل يتلاشى ببطء في الهواء.
… مرت لحظات سكونٍ تام.
ثم— تحرّك ظلٌ من بين جذوع الأشجار المتداخلة.
خرج رجل بخطوات هادئة، كأن الأرض تعرفه وتفسح له الطريق. كان رأسه مغطّى بعباءة خضراء مائلة إلى البياض، لونها غير مألوف، لا هو لون الغابة ولا لون البشر. أطراف العباءة بدت جديدة، نظيفة تماماً، وكأنها لم تُمسّ بنارٍ أو تراب.
توقف عند حافة الدمار، ونظر إلى المكان الذي سُوِّي بالأرض. لم يبدُ عليه الذهول… بل كان ملامحه تحمل “التأكيد” على شكوكه. انحنى قليلًا، التقط حفنة من الرماد بين أصابعه، ثم تركها تنساب ببطء وتذروها الرياح.
قال الشخص بصوت منخفض، لا يحمل دهشة بل يقيناً غريباً: «همم.. ماذا يفعلون؟.. إنهم يتحرّكون بشكل مريب.»
رفع رأسه نحو الاتجاه الذي غادر منه ريد وراي. تحت العباءة، لم يُرَ وجهه بوضوح، لكن عينين خافتتين لمع فيهما شيء غامض لا ينتمي لهذا العالم. استدار بهدوء، واختفى بين الأشجار، كأن الغابة انفتحت له لتستقبله… ثم أُغلقت من بعده كأنه لم يكن هناك أبداً.
———————————————————
(POV: كاي)
و في الصباح الباكر في مقاطعة الماركيز، حيث كان ينبغي للصباح أن يكون هادئاً، اخترق سكون زغزغة العصافير صوتٌ طفولي حاد ترددت أصداؤه في أعماق وعيي.
<استيقظ بحقك يا كاي!>؛ لم يكتفِ إيدن بالنداء، بل شعرتُ بـ لسعة خاطفة. على خدي؛ لقد صفعني بذيله الصغير.
«إنني.. مرهقٌ قليلاً بعد..» أنينٌ خرج مني وأنا أسحب البطانية لأغطي وجهي بالكامل، رافضاً الواقع و هرباً من الإزعاج. لكن فجأة، اختفى الدفء؛ سُحبت البطانية بعنف ليخترق ضوء الشمس جفوني.
«كاي! استيقظ!»؛ كان هذا صوت إليان يصرخ.
جفلتُ وفززتُ من سريري، لأجد أمامي إليان وإيدن، وكان إليان. يرتدي الزي الأكاديمي الرسمي. حككتُ شعري المبعثر وأنا أنظر إليهما بعينين نصف مفتوحتين: «أوه إليان! ماذا تفعل هنا؟»
«أوه.. ولكن لماذا؟» تمتمتُ بنبرةٍ مكسورة يغالبها النعاس، بينما غلبني تثاؤبٌ طويل كاد يخلع فكي.
في تلك اللحظة، رأيتُ عرقاً ينبض في جبهة إليان المبتسم. ثم مال رأسه قليلاً و بدأ يتحدث بنبرةٍ متقطعة، وكأنه يضغط على مخارج الحروف ليمنع نفسه من الانفجار: «لأن… اليوم… هو… موعد… انطلاقنا… إلى… الأكاديمية!»
تجمدتُ لميكرو-ثانية، حيث توقفت عقارب الزمن في ذهني تماماً، ثم قفزتُ من السرير كأن صاعقةً ضربتني. انطلقتُ نحو الحمام كالسهم وأنا أصرخ : «لماذا لم توقظني منذ البداية؟!»
جاءني صوت إليان وإيدن من خلفي بسخريةٍ لاذعة ومنغمة: «أووه حقاً؟! وماذا كنا نفعل طوال الساعة الماضية برأيك؟!»
بعد دقائق معدودة، خرجتُ مرتدياً الزي الرسمي، وبذلتُ جهداً مضاعفاً لأبدو مشدود القوام، رغم ملامح الإنهاك التي كانت لا تزال تكسو عينيّ. قلتُ بصوتٍ خفيض: «أنا آسف يا إليان.. جدي كان يشحذ جسدي بجد بالأمس، لم يترك فيّ عضلةً واحدةً صالحة للعمل».
انكمش إليان على نفسه فجأة، واحتضن كتفيه بصوت مرتجف: «آه.. لقد ذكرتني بـ أسوأ كوابيسي».
«ماذا؟» سألتُ بفضول.
«اوه.. ألم أخبرك؟ جدك كان مدربي لفترة.. استمر الأمر لشهر واحد فقط قبل أن أتوسل لي والدي ليجد لي مدرباً آخر». نظر إليّ بوجه يملأه الصدمة والرهبة: «لقد كان يشحذ جسدي كشحذ السيف.. كان الجحيم بعينه».
ابتسمتُ في سري وأنا أنظر إليه وفكرت: ”اجل اجل، حقاً كان الجحيم.. لقد عانيت يا إليان، أعرف ذلك الشعور جيداً”.
تفرّس إليان في جسدي، وضاق نظره وهو يستشعر طاقتي ثم قال محاولاً تغيير الموضوع: «على كلٍ..يمكنني القول إن قوتك قد زادت بشكل ملحوظ في هذه الأيام القليلة التي لم أرك فيها».
.
«آه أجل، لم أرك منذ ذلك اليوم الحافل،» و أضفت« هل لاحظت ذلك؟» سألتُ بابتسامة فخر خفية.
وضع يده حول عنقي بحماس: «أجل، ومن اليوم فصاعداً يمكننا أن نخرج معاً كطلاب في الأكاديمية».
ابتسمتُ وقلت: «أجل، هذا رائع».
تدخل إيدن متسائلاً بعينين تلمعان:<هل سنذهب إلى مكان مذهل؟>
نظرتُ نحو نهاية الرواق الممتد، وشعرتُ بشرارة طموح تشتعل في صدري بينما كان إيدن يتمسح برقبتي و هو متساءل بنشاطه المعتاد، فقلتُ:<أجل يا إيدن.. إنه مكان المعرفة، والقوة، والمستقبل المجهول>.
عند وصولنا إلى بوابة التنقل، كان جدي واقفاً هناك بوقاره المعتاد. تقدمتُ نحوه: «اوه.. جدي، كنت أبحث عنك في الداخـ…»
لم أكمل جملتي. فجأة، تحول الهواء من حولي إلى عدو. هجم جدي بسرعة فائقة؛ سوطٌ مائي كثيف انطلق كالبرق متجهاً لضرب رأسي مباشرة.
توسعت حدقتا عيني، واستجابت غريزتي التي صُقلت تحت سياطه في الأيام الماضية. في جزء من الثانية، تكثف السحر أمام وجهي مشكلة درعاً مائياً شفافاً وصلباً.
(طااااخ!)
ارتطم السوط بالدرع وتلاشى، دون أن يلمس شعرة مني. سقط فك إليان ذهولاً من سرعة رد فعلي.
صرختُ بتفاجئ: «ما هذا يا جدي؟!»
ابتسم جدي ابتسامة امتزج فيها الفخر بالحزن وقال: «لقد كبرت حقاً يا كاي، مع أنك مازلت صغيراً في عيني»
رفعتُ حاجبي بسخرية: «وماذا يعني ذلك؟ هل كبرت أم لا زلت صغيراً؟ استقر على رأي واحد».
تلاشت سخريتي عندما جذبني جدي في حضن دافئ وقوي، همس في أذني: «اهتم بنفسك يا كاي».
شعرتُ بوخزة ألم في قلبي، وقلت بعينين ذابلتين: «حسناً يا جدي.. شكراً لك على كل شيء».
أبعدني برفق وعاد لنبرته الصارمة: «لا تنسَ مراسلتي، والأهم.. لا تنسَ ان تتدرب بجد!».
أطلقتُ أنيناً خفيفاً: «اغه.. سأفعل».
(POV: الكونت كايل)
وقفتُ أراقب ظليهما وهما يتجهان نحو البوابة. ألوح بيدي وأنا أقول بصوت عالٍ: «فلْتعُد آمناً».
رد كاي وهو يعبر بوابة: «سأفعل!».
أغلقتُ عينيّ وأنا أستشعر بقايا طاقته في المكان.” يا حفيدي.. يالها من قوة هذه التي تحملها في قلبك، إنها غير مستقرة ومن الممكن أنك ستجد ما تحتاجه هناك.. أتمنى أن تكون بخير أينما كنت يا حفيدي العزيز”.
(POV: كاي)
بعد عبور البوابة، وجدنا أنفسنا في قصر الماركيز. انطلقنا مباشرة نحو العربة الفخمة التي تنتظرنا. بينما كنا نسير، كان إيدن الملتف حول عنقي. يتحدث بحماس شديد، عن الوجبات الخفيفة التي أحضرتُها معي من أجله، وإليان يضحك من جانبي على تفاعلاتنا الغريبة التي لا يفهم منها شيئاً. وصلنا للعربة ودخلنا.
«اوه صحيح.. أين الماركيز؟» سألتُ وأنا أتلفت حولي.
إليان: « أبي؟.هوا عادة لا يكون في البيت، إنه الآن في العاصمة من أجل الاجتماعات وما إلى ذلك..».
أومأتُ برأسي، وفكرت في نفسي: “يبدو أنه نسي أمري، أو ربما لم يجد الأداة”.
لكن إليان التفت إليّ فجأة، ومد يده بصندوق فخم: «أوه كاي، والدي طلب مني أن أعطيك هذا».
أجبتُ بتعجب: «لي أنا؟!» وتساءلتُ في نفسي: ”لا يمكن! هل تذكر حقاً؟ لا، الأهم من ذلك، هل حصل عليه في هذا الوقت القصير؟ إنه فعلاً كما وصفه جدي!”.
فتحتُ الصندوق، ليظهر صندوق أصغر يحمل شعاراً مذهباً. اعتدل إليان في جلسته وصرخ بتعجب: «يا إلهي! هذا شعار!».
التفتُ إليه وسألت: «ما هذا الشعار؟»
رد إليان: «إنه شعار الورشة السحرية! أفضل وأكبر ورشة في القارة، إنها تصنع أدوات سحرية تُعتبر مستحيلة!»
عدتُ بنظري للصندوق: «أوه وااو! إنه حقاً شيء من مستوى آخر».
قال إليان مأكداً: «لا أعرف ما الذي طلبته منه بالضبط، ولكن أعتقد أنه شيء ذو قيمة عظيمة لا عيب فيه».
فتحتُ الصندوق الصغير، ليظهر حبلٌ كأنه منسوج من خيوط الضوء الشفافة، وفي نهايته حجران سحريان صغيران.
تجمدتُ مكاني و همست: «لا يمكن..».
إليان أقترب بفضول: «ما هذا الذي طلبته ؟»
«أداة إخفاء السحر..» أجبته بإحباط طفيف، متسائلاً إن كان هذا الخيط الرفيع سيفي بالغرض.
رد إليان: «أداة إخفاء سحر؟ أوه، هل تعني من أجل سحر الماء الذي تعلمته؟»
اجبته «آه..أجل» وفكرتُ في نفسي: ”هووه.. يبدو أنه تقبل الامر حقا، جدي يثق بالماركيز كثيراً، لقد أخبره بكل شيء طبعاً بعد أن طلب موافقتي، وأخبرته أنني أريد أن يعلم إليان أيضاً لأنني أثق به هو الآخر. لقد كان مصدوماً جداً في البداية لكنه تقبل الأمر بسرعة.. لكن، الأهم من ذلك، هل هذه الأداة البسيطة تعمل حقاً؟”.
(الراوي)
* فلاش باك – قبل أيام قليلة في ساحة التدريب *
كايل: «كاي، لقد أخبرتني أنك تخفي انبعاث سحرك جيداً بطريقة ما..» نظر الكونت لقلب حفيده وأضاف: «همم.. ولكني أشعر بحفيف بسيط من قوة غريبة ومختلطة في قلبك».
تفاجأ كاي: «ماذا؟ هذا غير منطقي». والتفت بسرعة وسأل إيدن:<إيدن، هل تشعر بذلك؟>.
إيدن (وهو يتثاءب):<نعم.. يبدو أن إيقاظك لقوة الماء زاد من انبعاث العناصر، وأصبحت قدرة الإخفاء غير مستقرة. عليك أن تجعلها مستقرة جداً>.
كاي بتساؤل:<ولكن كيف؟ أنت يا إيدن تستطيع إخفاء نفسك وقواك أكثر مني بكثير!>
إيدن:<لأنني تنين يا كاي،» ثم مال برأسه وقال: «هممم>.
رد كاي:<آه، لقد نسيت أنك تنين! هل تعلم أنك أحياناً تتحدث كبالغ وأحياناً كطفل مزعج؟>
إيدن (بانزعاج طفولي):<أنا بالغ!>
رد كاي بسخرية:<أجل أجل، كما تقول>.
وضع كاي يده على قلبه وقال بقلق: «جدي، أعتقد أن هناك خللاً في القدرة التي أستخدمها لإخفاء القوة». وفكر في نفسه: ”ما هذا الحظ! عندما اقتربت أبواب الأكاديمية يحدث هذا”. ثم تنهد وأضاف “أتمنى لو كان هناك شيء يساعدني حتى أتمكن من التحكم بالقدرة والعناصر بشكل كامل”.
وضع الجد يده على ذقنه مفكراً: «هممم».
همس كاي: «أتمنى لو كانت هناك أداة إخفاء سحر لمساعدتي».
كاي: «ماذا؟ هل يوجد شيء كهذا حقاً؟» ثم أبعد يد جده بهدوء وقال: «لا، لا، لا.. الأهم من ذلك، إذا وُجد شيء كذلك، فبالتأكيد سيكون سعره خيالياً».
هز الكونت كتفه بغير اهتمام وقال وهو يتجه لداخل القصر: «ولأجل ذلك قلت لك أن تخبر الماركيز».
فكر كاي في نفسه: ”إن جدي حقاً شرير! كيف يطلب مني أن أطلب من شخص آخر شراء أداة شبه مستحيلة وغالية الثمن كهذه؟”.
نظر كايل إليه قبل أن يدخل: «لا تقلق، أنت تعلم أنه ليس هناك شيء اسمه “غالٍ” في قاموس الماركيز، وسيكون ممتناً جداً لتقديم المساعدة».
أشار كاي الي يده و قال: «لقد ساعدني بالفعل بإعطائي هذه الأسورة».
التفت كايل وابتسم بمكر: «لا بأس، إنه يملك الكثير من المال.. الكثير جداً».
كاي بسخرية: «هاا، إنك حقاً.. يا جدي صديق وفي!»
و هكذا، انتهى به الأمر بإرسال تلك الرسالة له طالباً فيها الأداة في النهاية.
———————————————————
(POV: كاي)
أمسكتُ برأسي وأنا أتنهد داخل العربة، وإذ بإليان يلمح ورقة بجانب الصندوق ويقول: «اوه كاي، هناك رسالة هنا أيضاً».
أخذتُ الرسالة وفتحتها:
“مرحباً يا كاي، كيف حالك؟ إنني سعيد جداً بطلبك هذا، وإنه لشرف لي أن أساعدك. أوه، وأتمنى حقاً أن تناديني بـ “جدي” عندما نلتقي في يوم ما. وآسف لأنني لا أستطيع توديعكم شخصياً، فلتعتنيا ببعضكما البعض. مع تحياتي.. الماركيز زيفيروس”.
ابتسمتُ بخفة وهمست: «إنني حقاً لا أفهم هذا الرجل». ثم قلبتُ الورقة لأجد التعليمات التقنية.
[معلومات وتعليمات من العالِم “ليون”: مخطوطة أداة سكون الجوهر]
المُصنِّع: العالِم ليون [بطلب خاص من الماركيز زيفيروس].
الوصف التقني: ليس مجرد سوار، بل هو “مُرشِّح جوهر ثنائي القطب”، صُمم خصيصاً لحالات “الاضطراب الجوهري الحاد” حيث تتصارع ترددات السحر داخل الجسد الواحد.
آلية العمل: تقوم ألياف “حرير الميتريل” بامتصاص الانبعاثات السحرية الخارجة من مسام المعصم، ثم يتم تفكيك الترددات المختلفة داخل “خلايا الأوبسيديان” عبر عملية “التداخل الهدام” لتتلاشى الترددات الزائدة، مع ضبط “صمام الزئبق السحري” ليمرر تردداً واحداً فقط حسب رغبة المستخدم.
التعليمات: يجب ربط الخيط حول المعصم مباشرة ليلتحم بالأوردة السحرية، ثم تفعيله بـ “ضخة سحر” أولية.
وفي نهاية الورقة كانت مكتوبة ملاحظة بخط عريض: “هااه.. فقط اربطه في معصمك أيها الأحمق”.
«ما خطب هذا العالم الأخرق؟ إنه كثير الكلام بشكل مستفز».
أخرجتُ الخيط وربطته حول معصمي، ثم ضخختُ فيه عنصر الرياح. وفجأة، توهج الخيط بقوة ومرت رياح مفاجئة عصفت جسدي، حتى أن العربة اهتزت قليلاً من أثرها.
«ما هذا؟ إنه يعمل حقاً!»
التفتُّ إلى إليان بحماسة: «إليان، كيف الآن؟»
نظر إليان بتعجب ودهشة لي: « وااو إنني لا أشعر بأي شيء غريب على الإطلاق.. أشعر فقط بسحر الرياح الطبيعي المنبعث منك».
ثم نظرتُ إلى إيدن الذي كان مستلقياً في حضن إليان وسألتُه:<إيدن! ماذا عنك؟>.
إيدن (بحماس):<لقد نجحت يا كاي! انبعاثك أصبح قد تلاشى!>
ابتسمتُ ونظرتُ إلى معصمي، كان الحبل قد اختفى تماماً وكأنه ذاب في جلدي. توقفتُ عن الحركة تماماً، أراقب معصمي الذي بدا طبيعياً وكأن شيئاً لم يكن، لكني كنتُ أشعر بهفيف “الزئبق السحري” الخفي وهو يطوق تدفق جوهري بدقة متناهية.
فكرتُ في ذهول مكتوم: ”خلل في السحر؟ إذن.. هذا هو العذر الذي أخبر الماركيز العالم به ليصنع الأداة”.
إليان ملاحظاً صمتي: «ما بك يا كاي؟ هل هناك مشكلة ما؟»
نظرتُ لإليان بعينين متسعتين من شدة الذهول وقلت: «والدك.. الماركيز زيفيروس.. إنه مخيف حقاً يا إليان. لقد صاغ طلب السوار للعالم ‘ليون’ على أنها علاج لخلل سحري وتضارب في الترددات.. لقد أعطاني الغطاء المثالي».
صمتُّ للحظة وأنا أتحسس موضع السوار المختفي، ثم ابتسمتُ بامتنان عميق:”إنه لم ينقذني من الانكشاف فقط، بل أعطاني ‘هوية زائفة’ تبرر أي اضطراب قد يخرج من جسدي مستقبلاً أمام أي شخص. ذكاء الماركيز تجاوز كل توقعاتي.. إنه يفهم حقاً ‘ثمن’ القوة التي تعارض الواقع”.
قطع إيدن تفكري بصوته المرح في وعيي:<جدك لديه أصدقاء رائعون يا كاي>.
ابتسم إليان وقال وهو يشير للنافذة: «انظر إلى شيء آخر رائع».
نظرتُ إلى الخارج، ففتحتُ عينيّ على وسعهما بذهول؛ كانت هناك أكاديمية ضخمة، مهيبة، ورائعة الجمال تلوح في الأفق كأنها مدينة من الأحلام. بأسوارها العالية وأبراجها التي تعانق السحاب.
«يا للهول!».. تمتمتُ، بينما كانت العربة تعبر البوابة العظيمة للأكاديمية… لتبدأ قصتي الحقيقية.
التعليقات لهذا الفصل " 53"