الفصل الثاني والخمسون: رفاتُ الذكريات.. وقيدُ الليل.
(POV: كاي)
تسمرت عيناي على الأغراض المفتوح أمامي بذهول، وشعرتُ برعشة خفيفة، ثم رفعتُ بصري نحو جدي.
. «ما هذا يا جدي؟»
أجابني جدي والابتسامة لا تفارق وجهه: «إنها هدايا تليق بحفيدي العزيز. هذا السيف إنها هدية مني. و سوار من الماركيز، أما هذا..» انحنى الجد والتقط خاتماً من اليشم الأبيض النقي، كأنه قطعة من قمرٍ مصقول، محفوراً عليه نقشٌ دقيق لاسمي من الداخل وتابع بصوت خفيض. «إنه من أمك.»
«من أمي؟» همستُ والذهول يلجم لساني. تناولتُ الخاتم بحذر، وما إن استقر في إصبعي حتى اجتاحتني موجة من الحنين الدافئ، كأن هالة أمي قد انبعثت من اليشم لتحتضن روحي. ابتسمتُ ابتسامة صافية لم أشعر بمثلها منذ وقت طويل.
ثم التفتُّ لى السيف الأسود؛ كان مهيباً لدرجة مرعبة. «واااو! يا له من نصل.. لم أرَ مثله قط يا جدي !» قلتُ بحماس طفولي، ثم انتبهتُ لنفسي من فرط الحماسة، وفكرت: “تباً، هل أصبحت مهووساً بالأسلحة أم ماذا؟”
ضحك جدي وقال وهو يراقب انبهاري: «أليس كذلك. انه مصنوع خصيصاً لك،» ثم أبتسم جدي بفخر و أضاف،« انه من صنع أحد رفاقي القدامى.»
”أعتقد أن جدي يكنّ احتراماً كبيراً لهذا الرفيق،” فكرتُ في نفسي. ثم سألتُه بحيرة وأنا أتفحص السيف: «ولكن جدي، كيف أحمل سلاحاً بهذا الوضوح وأنا أخفي حقيقة كوني مبارزاً؟»
غمز جدي بعينه وأشار إلى السوار المعدني: «وهنا يأتي دور هذا الجمال.. إنه سوار تخزين سحري.»
حملتُ الأسوار و وضعته في معصمي، شعرتُ بوخز سحري غريب يسري فيه. «أوه، إنني أشعر بشيء غريب..؟»
«هاهاها.. إنه أسوار سحري للتخزين.»
صرخت بصوتٍ عالٍ: «يا للروعة! أسورة للتخزين!» ثم فكرتُ قليلاً: «أوه ولكن جدي أليست الموارد السحرية باهظة الثمن؟»
أمال جدي رأسه و رد بسخرية: « هااه، إنه من شخص لا يعرف معنى تلك الكلمة.»
ضحكتُ بخفة: «أوه، صحيح، الماركيز.»
استقر السوار حول معصمي، وشعرت ببرودته المعدنية تلتصق بجلدي بصمت. كان نحيفاً بشكل يثير الريبة، لكنه يوحي بصلابة لا تكسر. صنع من معدن أسود مطفي، وكأنه خُلق ليتلاشى في عتمة الليل دون أن يترك خلفه أي أثر يكشف صاحبه.
وفي منتصفه، كانت تقبع بلورة طاقة سوداء.
«إذا كيف عمل.» ساءلت و انا اداعب البلورة بي أصبعي.
«آه..الأمر لا يحتاج لكل هذا التفكير المعقد. هذا السوار يعمل بمبدأ “الإزاحة المكانية”. البلورة السوداء في المنتصف ليست مجرد زينة، بل هي نقطة ارتكاز لبعدٍ جيب الصغير. عندما تضخ مادتك السحرية فيها، فأنت لا تنقل الشيء فعلياً، بل تفتحه “ثغرة” في المكان وتجذب الغرض لداخلها.»
أشار بيده نحو السوار وتابع:
«البلورة تقوم بـ “تسييل” المادة وتخزينها كترددات طاقة داخل الفراغ. وبمجرد أن تستدعيها بنيتك، تعود المادة لحالتها الأصلية. تذكر فقط.. السوار له سعة محدودة، لذا لا تحاول حشر جبل بداخله، وإلا ستنفجر في معصمك قبل أن تدرك ذلك.»
“اوااه ” قلتها في سري. ” إذا هذه البلورة هي “القلب” المحرك لهذا الكيان الصغير؛ ثقبٌ أسود مُصغر لديه القدرة على التلاعب بالمساحة، وتحويل أضخم الأشياء إلى مجرد أشياء مخزنة في طيات بعدٍ آخر.” و قلت بسخرية «جدي هل تعتقد انني احمق لي حشر جبل فيها.»
أنزلتُ نظري مرة أخرى للسيف وأمسكتُ بمقبضه.. في تلك اللحظة، شعرت وكأن السيف “يتنفس” مع نبضات قلبي. النقوش البيضاء على النصل الأسود بدأت تومض بضوء خافت. همستُ بذهول : «إنه ليس ثقيلاً.. بل أشعر وكأنه جزء من ذراعي.»
ابتسم جدي ابتسامة جانبية : «قال لي صانعه إن هذا السيف “جائع”..»
“أملتُ رأسي بفضول طفولي، وكدتُ أضحك من غرابة الوصف، فهل يحتاج هذا الجماد لوجبة غداء؟!” «جائع؟ هل عليّ إطعامه ليصبح أثقل؟!» سألتُ باستغراب ساخر.
فجأة، تردد همس بعيد في أعماق عقلي كهمس بعيد: «نصلٌ.. جيد..»
جفلتُ وأمسكتُ أذني: «آآه!» ثم ابتسمتُ في سري.. “حتى أنت قد نال إعجابك؟”
ضرب جدي ظهري بخفة حتى تحركت المنشفة المبللة من فوق رأسي لتغطي وجهي: «اختر لرفيقك الجديد هذا اسماً يا كاي.»
أزحتُ المنشفة ونظرت للسيف بتمعن ثم رفعت السيف، ملوحاً به في الهواء، وفكرت: “همم.. أكثر ما يدور في عقلي الآن هو هذا الختم الذي ذكره تيامار… وفي هذا الليل الذي يلف النصل… هممم”
عصرتُ مخي… وقلت بهمس مسموع: «قيد الليل..
(Nightbind).»
(الراوي)
توسعت عينا الجد إعجاباً، وعبث بشعر كاي قائلاً: «يا له من اسم مهيب ومناسب.»
بدأ الجد بتلخيص شرح بسيط للسيف: «يركز هذا السيف على “المادة” و”التوصيل”. وبما أنك تمتلك “تقنية الصدى” و”السحر” – مع أنني طلبته منذ مدة ولم أكن أعتقد أن حفيدي وحش يملك جميع العناصر – ولكن أعتقد أنه لا بأس، يجب أن يكون السيف أداة تعزز هذه المهارات ولا تكتفي بكونها قطعة حديد حادة.»
فكر كاي بريبة: “جدي هل أنت متأكد أنه لا بأس؟”
أكمل الجد: «القدرة الأساسية هي “الامتصاص الارتدادي”؛ قدرته متمثلة في امتصاص الصدمات. عندما تصد هجوماً (سحرياً أو جسدياً)، السيف لا يهتز أو ينكسر، بل “يمتص” طاقة الهجمة ويضاعف القوة الهجومية لديك.»
نظر الجد لملامح كاي الذي بدا تائهاً، فهز كتفه وقال: «أعلم أنك لم تفهم تماماً، ولا أنا أيضاً المهم أنه سيف قوي.»
(POV: كاي)
“ماذا!!هل تمزح معي يا جدي” فكرت في نفسي بسخرية.
فجأة، وضع جدي يده الثقيلة على كتفي، وتلاشت ابتسامته ليحل محلها حزن عميق في عينيه و قال بنبرة جادة : «كاي، إذا رأيت نفسك في مأزق محدق، استخدم هذا السيف بلا تردد.» صمت لبرهة ثم أكمل بغصة: «أشعر أن عبئك ثقيل جداً على فتى في عمرك.»
نظرتُ في عينيه الرماديتين وابتسمتُ بصدق: «طالما أنك معي يا جدي، فلا بأس بكل تلك الأعباء.»
أبتسم جدي قليلاً وهو يداعب شعري بحنان: «إنك حقاً تملك موهبة إراحة القلوب بكلماتك وابتسامتك.. تماماً مثل جدتك.»
تجمدتُ مكاني و فكرت. “أجل! جدتي! كيف غاب عني هذا؟ كنتُ أشعر دائماً أن هناك حلقة مفقودة و إني نسيت شيئاً مهماً.” التفتُّ إليه بسرعة، و سألتُه بلهفة: «جدي، جدتي.. أين هي الآن؟!»
جفل جدي فجأة، و أصبحت ملامحه مهتزة بشكل لم أعهده، صرخ بنبرة يملأها الفزع: «هذا لا يمكن أن يكون!»
تراجعتُ خطوة للوراء، مستغرباً من ملامحه التي انقسمت بين المفاجأة والفجيعة. اقترب مني بخطوات ثقيلة، وهبطت كلماته عليّ كالصاعقة: «أ.. أنت لا تعرف عن موت جدتك!»
تسمّرت الدماء في جسدي، وكأن برداً مفاجئاً غزا عروقي. “موت جدتي؟”؛ رددتها في عقلي بذهول، بينما بدأ الهواء حول جدي يثقل، شعرت بضغط غاضب ينبعث منه، هالة من القهر كادت تخنق الأنفاس.
قبض جدي على كفيه وصاح بصوت يرتجف من الحقد: «ذلك الحقير اللع*ن! لم يخبرك حتى برحيلها؟!»
حاولتُ استرجاع أي ذكرى، أي مشهد، لكن عقلي كان ساحة فارغة.. لا يوجد أي أثر لخبر كهذا في ذاكرة كاي القديم. شعرتُ بوخزة ألم مفاجئة في قلبي، ضغطتُ عليه بيدي وسألتُ بصوتٍ بالكاد خرج مني: «جدي.. كيف هذا؟ كيف تقول إنها ماتت؟»
في لحظة، انكسرت هيبة الكونت الغاضب، واقترب مني ليحتضنني بقوة، كأنه يحميني من الحقيقة المرة، هامساً بنبرة محطمة: «أنا آسف يا كاي.. آسف لأنك تسمع هذا الآن بعد كل هذه المدة. إنني حقاً آسف لفقدانك».
وسط عناقه، شعرتُ بضياع تام، همستُ وسط صدره، وصوتي يرتجف: «إذاً.. ماذا كنت تعني في الرسالة؟ عندما كتبتَ أن جدتي تشتاق إليّ؟»
تجمد جدي قليلاً، وتمتم بارتباك : «أوه.. ذلك…»
لم يكمل كلامه، بل سحبني خلف المنزل. هناك، انفتح المشهد على بستان غارق في سكون غريب، زهور بمختلف الألوان والأشكال تتمايل مع النسيم، وفي منتصف ذاك الجمال، كان يقبع قبرٌ وحيد..
تقدم جدي بخطوات وئيدة نحو المقبرة، تلك الخطوات التي كانت تهز الأرض في ساحة التدريب بدت الآن ثقيلة كأنها تحمل جبالاً من الأسى. جلس بوقار، ومد يده الخشنة ليمسح على الرخام البارد هامساً بنبرة محطمة: «عزيزتي، لقد أتى حفيدك الذي اشتقتِ إليه».
في تلك اللحظة، شعرتُ بشيء غريب. لم يكن وجعاً جسدياً، بل كان انهماراً تلقائياً للدموع من عينيّ. “تباً.. هل هذه مشاعري أنا؟ أم أنها بقايا هذا الجسد ؟”. تذكرتُ نفس الشعور حين قرأتُ الرسالة. مسحتُ الدموع بظهر يدي بجمود؛” لا يهم، ففي النهاية، هذا الجسد هو وعائي الحالي، وآلامه هي آلامي.”
اقتربتُ من القبر، وشعرتُ ببرودة هواء البستان تلامس وجهي: «مرحباً يا جدتي العزيزة».
(ترااك!)
صوتُ تصدعٍ مألوف رنّ في أعماق وعيي. اغمضت عيني، فجأة، بدأت السحب الضبابية في ذاكرتي تتلاشى. ذكرياتٌ لم تكن لي، بدأت تتدفق كشلالٍ هادر. رأيتُ نفسي طفلاً، ورأيتُ الأمرأتين في تلك المرة عندما كان يتم تدريبي من قبل جدي.. أحدهما كانت أمي، والأخرى كانت هي. “جدتي” رأيتُها تحملني، وصوتها الدافئ يتردد في مسامعي كأنه تعويذة أمان: «عزيزي الصغير، أتمنى أن تعيش حياتك كلها بسعادة».
دققُت في وجهها في تلك الذكرى. كانت نسخة ناضجة من أمي، لكن عينيها كانتا سوداوين كحجر الصوان؛ تشع بذكاء حاد وهدوء يوحي بوقار الملوك.
خيم الصمتُ لفترة، قبل أن يقطعه جدي بنبرة مسمومة بالحقد، وهو يدرك أن “الملك” لم يتعب نفسه بي أخباري عن الوفاة: «لم أكن أعرف أنه تمادى لي هذه الدرجه..». قبض على يده بقوة لدرجة أنني شعرت بضغط غاضب ينبعث منه.
ابتسمتُ له بهدوء محاولاً امتصاص ذاك التوتر: «لا بأس يا جدي».
قال بصوت خافت: «لقد رحلت قبل ستة أعوام.. بمرض متوارث، لغزٌ عجزتُ حتى أنا عن فكه». ثم نظر إليّ ببريقٍ مفاجئ: «بما أن ذكرياتك مشوشة، سأخبرك عنها..».
سألتُ بفضول طفولي: « وعن أمي أيضاً.»
أبتسم جدي بي وهن «أجل، سأخبرك عنها أيضاً، وعن لقائنا الأول الذي غير حياتي..»
بدأ جدي بسرد القصة، وكنتُ أحلل ملامحه؛ الحب الذي يلمع في عينيه كان حقيقياً لدرجة مؤلمة. حكى كيف وجدها في مهمة بعيدة، فاقدة للوعي ومصابة بجروح غريبة بي عباءة غريب ممزقة، وكيف كانت كقمرٍ يلفه الضباب بجمالها الآخاذ.
”فاقدة للذاكرة؟ جروح غريبة؟”؛ بدأ عقلي التحليلي يعمل. ” ماذا هل هناك سرٌ وراء هذه الجروح والنسيان أم أنها بالصدفة ماذا حصل لها بحق الأرض”.
ثم تحدث عن أمي، كانت ساحرة معالجة، “قدرة نادرة” التي كانت تهتم بالحدائق أكثر من السياسة. و كانت امي و جدتي تتشابهان في الهدوء والحكمة، كأنهما تنتميان لسلالة قديمة ومقدسة من الحكام و كانت حياتهم في القصر دافئة، حتى جاء “هو”.
تغيرت نبرة جدي فجأة، وأظلمت عيناه: «كنا أسعد عائلة.. حتى طلب ذلك الشخص الزواج منها». بعد رحيل الملكة السابقة و لي ثبات العائلة المالكة، طلب المل الزواج وأخبرني كيف انهم عارضو الزواج في البداية، حتى أمي لم تكن مهتمة وكيف كان مستعداً للتضحية بمكانته لمنع هذه الكارثة، لكن أمي غيرت رأيها فجأة في ليلة وضحاها.
” لماذا غيرت رأيها؟”؛ تساءلتُ في سري. أخبرني جدي انه يشعر بي المسئولية من ما حدث و أنها يشعر بي انها ضحت بنفسها لي تحميه من التهور. “ولكن هل هذا كل شيء حقا” فكرة بي ريبة؟.
كنت أستمع بصمت، وعيناي مثبتتان على جدي، أشعر بمرارة لا تخصني لكنها تنتقل إلي من مشاعر جدي.
مسح جدي دمعة فرت من عينه رغماً عنه: «وبعد الزواج، أصبحت حاملاً بك. وما إن وُلدت واكتشفو أن قواك لم تستيقظ بطريقة ما، حتى همشوها وجعلوها “ملكة منسية” في ركن مظلم من القصر»
وعندما وصل جدي لموتها، انفجرت منه “نية قتل” ساحقة هزت أركان البستان. صرخ بغضب وهو يضرب الأرض: «لو كنتُ أعلم أنه سيخطط لنفيي وقتلها لاحقاً، لما وقفتُ أبداً! كنتُ سأحاربه حتى الموت!».
تنهد بأسى، ونظر إليّ بعينين مزيجاً من اليأس والأمل: «لقد عشتُ لسنوات أتساءل عن السبب… ووجودك هنا يمنحني القوة للاستمرار».
«استمرار؟»؛ سألته، لكنه أجاب بنبرة هادئة و حزينة: «ستعرف ذلك لاحقاً. مع أنني قلت لك إنني أشعر أن مستقبلك سيكون ثقيلاً، إلا أنني أثقلت عليك بي هذا الماضي المؤلم، آسف ولكن يا كاي، يجب أن تصبح أقوى في المستقبل، ليس من أجل أحد بل من أجلك أنت فقط.».
و من ثم أبتسم ابتسامة هادئة حملت في طياتها اعترافاً صادقً. ونظر إليّ بعينين تلمعان بصدقٍ مرير وقال:«كاي، أنت الشيء الوحيد الذي جعلنا ان لا نندم على كل تلك القرارات المريرة. في الحقيقة، كان الغضب قد أعمى بصيرتي، وكنتُ على وشك ارتكاب حماقة وتهور عقيم بالذهاب للانتقام.. لكن جدتك كانت هناك كالحاجز المنيع. أخبرتني أن هذا لن يجلب سوى الدمار، وأن أمك لم تكن لتريد ذلك أبداً.. خاصة وأن تعريضك للخطر كان خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.»
ساد الصمت للحظة، قبل أن يضيف بنبرة خافتة، وكأنه يخاطب نفسه:
«وهناك سبب آخر.. لكن، سأكتفي بهذا القدر الآن. لقد أثقلتُ كاهلك بالكثير من الدماء والماضي، وهذا يكفي ليوم واحد.»
“سبب آخر؟”تساءلت في نفسي في حيرة
لم تتحرك ملامح وجهي، لكن عقلي كان يعمل كآلة معقدة.” هناك دائماً قطعة مفقودة. جدي لم يمتنع عن الانتقام فقط من أجل سلامتي أو نزولاً عند رغبة أمي أيضاً.. هناك “ثمن” أو “وعد” أو ربما “قوة” لا يزال يخشى حتى ذكرها أمامي.”
شعرتُ بوزن الكلمات التي لم تُقل أثقل من تلك التي قيلت. نظرتُ إلى الخاتم في اصبعي، وأدركتُ أن الطريق إلى الحقيقة لن يكون مفروشاً بالورود، بل سيكون مغطىً بالأختام والأسرار التي لم يحن وقت كشفها بعد و عليّ أن أصبح أقوى اقوة من الان كم يقول لي الجميع لمستقبل مجهول وموحش كما يبدو.
و بينما كنتُ أهمُّ بالخروج، مثقلاً بمعداتي الجديدة وبرودة السوار حول معصمي، كنتُ أتوق للعودة إلى غرفتي. لم تكن مجرد استراحة قصيرة، بل كانت الهدوء الذي يسبق عاصفة الخمسة أيام الأخيرة من ذلك التدريب القاتل. وقبل أن أغادر، التفتُّ إليه؛ كان هناك سؤالٌ أخير ينهش عقلي، سؤالٌ أخير يجب أن يُطرح.
«أوه جدي.. ما كان اسما أمي وجدتي؟»
في سري، لم أتمالك نفسي من السخرية مريرة: “هاه.. حتى الكاتب لم يتعب نفسه بذكر أسم أمي ؟”.
تصلّب جسد جدي تماماً، واتسعت عيناه بذهولٍ خالطه انكسارٌ مفاجئ. تمتم بصوتٍ مخنوق: «أولئك اللعنة في القصر..حقاً؟» هز رأسه و أطلق تنهيدةً طويلة، كأنما يطرد بها أرواحاً شريرة من رأسه و صدره، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ يمتزج فيها الشوق بالمرارة: «اسم جدتك العزيزة هو “ڤيرا”.. وابنتي الحبيبة، والدتك، هي “إلاريثا”».
” ڤيرا و إلاريثا..”.
رددتُ الأسماء في عقلي، وشعرتُ برنينها يتردد في أعماق روحي كأنها أختامٌ فُكت. لم تعد مجرد أسماء؛ بل أصبحت دافعي الجديد. حقائق موحشة، مستقبل مجهول يتربص بي، وأسماءٌ لن أسمح لغبار النسيان—ولا لظلم القصر—بابتلاعها مرة أخرى.
————————————————-
(الراوي)
في قلب القصر الملكي، حيث تخنق الجدران العالية كل ذرة من الدفء، كان الملك جالساً في مكتبه، يراجع المستندات ببرودٍ آلي. وفجأة، تجمد الهواء في الغرفة. لم تكن مجرد برودة عادية، بل كانت “نية قتل” خانقة ورهيبة، انبعثت من كيان مجهول تغلغل صوته في أرجاء المكتب كفحيح الأفاعي:«ذلك العبء.. هل تخلصت منه أخيراً؟»
لم يهتز للملك جفن، ولم يرفع عينيه عن الورق الذي أمامه، بل أجاب بنبرة جليدية تخلو من أي عاطفة: «أوه، ذاك.. ليس بعد.»
تحرك الظل خلف الملك، وشعر وكأن وزناً ثقيلاً قد هبط على كتفيه بينما تابع الصوت المرعب بلهجة تحمل تحذيراً خفياً: «إنني أشعر بشيء غريب فيه.. لا تترك مجالاً للمصادفات؛ تخلص من جميع العقبات التي تهدد مستقبل المملكة.»
هنا، وضع الملك قلمه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة ومقيتة:«ولأجل ذلك أرسلته إلى هناك… لم أرسله ليتعلم، بل لأضرب عصفورين بحجر واحد؛ التخلص منه، ومن عقبة قديمة أخرى كنتُ قد أهملتها. عل كلٍ الآن، لا وقت لدي للقلق بشأنه، فهناك بعض القذارات هنا في القصر تحتاج لي تنظيف.»
ساد صمتٌ ثقيل، ثم رد الكيان بنبرة غامضة، ممزوجة بالاستهزاء والتقدير لشر الملك: «أنت حقاً…» صمت للحظة، وكأن الكلمات لا تسعفه، ثم تابع: «لا عليك، على كل حال.. تأكد من إنهاء أمره بسرعة.»
تلاشى الصوت، وعاد الهواء إلى طبيعته فجأة، تاركاً الملك وحيداً في مكتبه…
التعليقات لهذا الفصل " 52"