51 - الفصل الحادي والخمسون: نزهة الأمير، والجحيم الجارف
الفصل الحادي والخمسون: نزهة الأمير، والجحيم الجارف،
(الراوي العليم)
*بعد يوم من وصول كاي.*
كان السكون يلف الساحة، حيث تكسوها أوراق الشجر البري المحيطة بقصر الكونت كايل. لم يكن هناك صوتٌ سوى صفير الرياح الباردة
التي تداعب جدران القصر العتيق. وفي ساحة التدريب الحجرية، وقف الكونت “كايل” كتمثالٍ صخرِيّ، شعره الثلجي يلمع تحت ضوء القمر الشاحب، وعينيه الرماديتين ترقبان الباب الخشبي الثقيل بنظرة تخترق الظلام.
خلف ذلك الباب، كان “إليان” يقف في الظل، يراقب بصمت؛
“همم. لطالما كان الكونت كالجبل الذي لا يتزحزح، بالتوفيق يا كاي مع هذا الوحش…” فكر إليان في نفسه وهو يستشعر هالة الجد المرعبة التي تجعل الهواء حوله يرتعد.
و أمام أعيني، كان جدي يقف بوقارٍ لا يمكن وصفه؛ لم يكن مجرد رجل عجوز، بل كان مركزاً للطاقة. سحر “الماء” حوله كان كثيفاً لدرجة أنني شممتُ رائحة المحيط المالح في قلب اليابسة، وكأن الهواء تشبع برطوبة خانقة.
”هل سأتمكن حقاً من الوقوف أمامه؟” تساءلتُ في نفسي بينما كنتُ أشد قبضتي على سيف التدريب الخشبي.
«تأخرتَ خمس ثوانٍ يا فتى،» قال جدي بنبرة هادئة، لكنها حملت وزناً. لم أنتظر إجابته، بل اتخذتُ وضعية الدفاع فوراً. في تلك اللحظة، لم أعد أرى جدي.. بل رأيتُ “جداراً” من القوة المطلقة لا يمكن اختراقه. أطلقتُ نفحة من سحر الرياح في قدمي لأثبت نفسي، وركزتُ كل خلية في جسدي على حركته القادمة.
(POV: الجد كايل)
كنتُ أراقب حفيدي بدقة. الطريقة التي خرج بها، الثبات في مشيته، والنظرة في عينيه.. تلك لم تكن نظرة شابٍ نُفي وظُلم، بل كانت نظرة محارب يستعد لإثبات وجوده أمام العالم.”يا لك من وحشٍ صغير يا كاي..” فكرت في نفسي.
عندما فعل سحره، شعرتُ بشيءٍ غريب. لم تكن مجرد رياح، كانت هناك شرارات “نار” تخرج من مسامه، تتصارع مع الرياح في تناغمٍ فوضوي مذهل. لم أرَ قط في حياتي جسداً بشرياً يتحمل هذا التناقض الصارخ بين العناصر. لقد أدركتُ حينها أن ما قاله عن “العناصر الأربعة” ليس مجرد ادعاء، بل هي حقيقة مرعبة قد تغير ميزان القوى في المملكة بأكملها.
رفعتُ سيفي الخشبي، وأطلقتُ ضغطاً بسيطاً من سحر الماء الذي أحاط بالنصل كإعصار سائل. «دافع عن نفسك، أو ستنتهي هذه المباراة قبل أن تبدأ.. أنطلق!!»
(POV: كاي)
فجأة، تحرك جدي. بلمحة بصر، اختفى من مكانه تاركاً خلفه أثراً من الضباب المائي البارد.
“سحقاً، إنه سريع جداً!” لم تدرك عيناي حركته، لكن حواسي صرخت محذرة. فجأة شعرتُ ببرودة شديدة تقترب من جانبي الأيسر كأن وحشاً كاسراً أطبق عليّ. «إيدن، الآن!» صرختُ في عقلي. رفعتُ سيفي غريزياً، و صددت الهجمة وشعرتُ بالصدمة العنيفة تهز كل إنش في جسدي. أسناني اصطكت ببعضها، وأحسستُ بطعم المعدن في فمي من شدة الاصطدام. “هل هذه هي قوة الماستر وسيد السيف؟” فكرة و انا احاول موازنة نفسي. إنها ليست مجرد قوة عضلية، إنه إعصار جارف يحاول سحق كياني بالكامل.
(الراوي العليم)
كان كاي يتراجع، وجسده يرتجف تحت وطأة الضغط الفيزيائي والسحري، لكنه لم يسقط؛ ظل واقفه بعناد يشبه عناد الجبال. من بعيد، كان إليان يراقب بعينين متسعتين، يرى كيف أن “كاي” بدأ يغلف سيفه الخشبي بذلك السحر المزدوج المحرم الذي يتلوى كالثعابين حول النصل.
«وااه ما..ما هذا..» همس إليان بذهول.
كان هذا هو اليوم الأول في “جحيم” التدريب الجسدي، اليوم الذي اكتشف فيه الكونت أن حفيده ليس مجرد وريث للدم، بل هو وعاء لقوة لم تشهدها القارة.
———————————————-
و في الصباح اليوم التالي، كان قصر الماركيز زيفيروس يضج بهدوء فخم. جلس الكونت كايل وكاي على مائدة الإفطار، لكن الأجواء كانت مشحونة بصمت ثقيل. كان الكونت كايل يتكئ على الطاولة بوجه ممتقع، متمتماً بصوت منزعج: «ذلك الشخص.. لقد علا شأنه حقاً يجب أن نسارع ف..»
التفت كايل فجأة نحو كاي، وكأنه أدرك أنه كاد يزل بلسانه في المنطقة المحظورة، فغير الموضوع بسرعة ورسم ابتسامة فخورة: «لكن انظروا لهذا الفتى! موهبة فطرية في الرياح ونصل لا يخطئ!»
”ماذا كان يريد أن يقول؟ “ذلك الشخص”.. كان يتحدث عن الملك صحيح؟؟ الجد ابتلع كلماته في اللحظات الحاسمة.” فكر كاي في نفسه وهو يراقب اضطراب جده.
قاطعه الماركيز زيفيروس بهدوء وهو يرتشف الشاهي: «لقد ذكرت ذلك لي آلاف المرات! فلتهدأ ولتنهِ فطورك.»
ضحك كايل باستفزاز و اقترب من الماركيز قليلاً : «هل أنت غيور يا فاليريو؟»
تنهد الماركيز بضجر بينما يدفع وجه كايل بي اصبعه: «مما أغار أيها المهووس بالتدريب؟ لقد بدأت بتدريب حفيدك منذ لقائكما الأول، ما خطبك بحق؟»
رد كايل مبتعداً بابتسامة نصر خبيثة: «التدريب القاسي هو ما صنعني حتى تفوقت عليك بمراحل.»
شدّ الماركيز حاجبيه والشرر يتطاير من عينيه: «ماذا قلت؟!»
(POV: كاي)
بينما كان الجدّان يتجادلان كالأطفال بوقار مزيف، اقتربتُ من إليان و همستُ له: «ماذا يحصل هنا بحق؟»
رد إليان بابتسامة باردة اعتاد عليها: «لا تقلق، هذا هو المنظر الطبيعي للإفطار هنا، ستعتاد على صداع الرأس هذا.»
و بعد إنهاء الطعام، قال الماركيز: «كاي، ستبقى في المنزل حتى تفتح الأكاديمية بعد أيام من الآن.»
«أوه حسناً أيها الماركيز.» أومأت برأسي، بينما تهللت ملامح إليان بحماسة: «هذا رائع! يمكننا الذهاب معاً يا كاي.»
نظرتُ إليه باستغراب: «آه إليان، ألست في الأكاديمية الملكية؟»
«لا،» أجاب ببساطة ملوح بي يده.
«ألست وريث الماركيز؟»
ضحك إليان بخفة بينما كان يناول إيدن السمك : «ذاك؟ إنه أخي الأكبر ولقد تخرج من الأكاديمية منذ وقت طويل.»
“وااه هذا غير متوقع.. إليان لديه أخ أكبر وهو الوريث؟ آه هذا يفسر لماذا هو أكثر حرية واستهتاراً.” فكرت في نفسي بينما بدأ إليان يقترح: «كاي، هل تريد التجول في محيط المنطقة؟ أريد شراء بعض الأشياء.»
«هل يمكننا؟!» سألت بينما كنتُ انهض من على الكرسي.
التفت إليان نحو الكبار: «عمي وأبي، هل يمكننا؟»
وافق جدي والماركيز بهز رؤوسهم، لكن جدي رمقني بنظرة حادة: «كاي، لا تتأخر على ما اتفقنا عليه.»
«آه. أجل يا جدي.» أجبت وأنا أعلم ما ينتظرني.. ضخّ السحر… الجحيم القادم.
(الراوي العليم)
بينما أُغلق الباب خلفهما، ارتشف الماركيز الشاي بهدوء، وتحول الجو في الغرفة من الهزل إلى جدية قاتلة.
«لقد قابلت أتيكوس،» قال الماركيز بصوت خفيض.
عدل كايل جلسته، واختفت ابتسامته تماماً ليحل محلها وجه المحارب القديم: «كيف يسير التحقيق في العاصمة؟»
————————————————-
(POV: كاي)
أنهيت التجهز وقلتُ لإيدن الملتف حولي: «فلنذهب يا إيدن.»
<يااهوو، سوف نخرج للصيد!> صرخ إيدن في عقلي بحماس.
«إيدن، ليس صيداً بل تسوق وتنزه، لا تكن دموياً منذ الصباح.»
<فليكن، طالما أننا سنخرج من هذا القصر الخانق.>
وصلتُ للعربة وانطلقنا. كنتُ أنظر من النافذة بذهول؛ المنطقة كانت زاهية ومزدهرة بشكل يفوق الخيال. الشوارع كانت نهراً من البشر، وعربات التجار المحملة بالكنوز تملأ الطرق. واجهات المتاجر تتلألأ ببضائع سحرية فاخرة تخطف الأبصار. كانت الأجواء صاخبة وحيوية، نقيض الهدوء الموحش الذي اعتدت عليه في الحدود.
«هناك الكثير من الناس، أليس كذلك؟» سأل إليان.
«أجل بحق، الكثير. كأنها هي العاصمة الفعلية.» أجبت و انا مازلت انظر الى الخارج منبهر بي المنظر.
«إن منطقتنا أكبر منطقة تجارية، ولأن أبواب الأكاديمية على مشارف استقبال طلاب جدد، الزحام يزداد.»أوضح إليان بفخر. نظرتُ إليه بطرف عيني؛ كان يرفع ذقنه للأعلى لدرجة خلتُ معها أن رأسه سيقع للخلف، وأقسم أنني رأيت هالة ساطعة تخرج منه وهو ينتظر مني كلمة إعجاب أخرى. كانت ملامحه تصرخ بالتباهي لدرجة جعلتني أبتسم رغماً عني.
و بينما كانت العربة تشق طريقها، توقفت عيناي فجأة على زقاق جانبي مظلم قليلاً. ثلاثة من الفتية النبلاء بملابسهم الفاخرة كانوا يحاصرون فتىً يحمل سيفاً تدريبياً بسيطاً. بلمحة بصر، قفزتُ من العربة.
«إليان، سأتفحص شيئا ما!»
صرخ إليان خلفي بذهول وهو يحاول إيقاف الخيول: «كاي! إلى أين؟! أوقف العربة!»
(الراوي العليم)
أحد الفتيان قال باستهزاء: «انظر إلى هذا الأحمق، يعتقد نفسه شيئاً وهو يحمل قطعة الخشب هذه.» انفجر الفتيان بالضحك.
رد الفتى المبارز بتجهم وشجاعة يائسة: «وماذا يعني ذلك؟»
«هااا، هذا يعني أنك حثالة! ولكني لا ألومك، بل لوم عائلتك الغير نبيلة والتعيسة. هاهاها.»
استخدم الفتى المعتدي سحر الرياح ب استعلاء، أطاح بهجوم المبارز ب سهولة وأسقطه أرضاً. قال الساحر بمنتهى القرف: «هل تتجرأ على الهجوم على نبيل أيها العامي القذر؟ وجودكم كعديمي سحر يستخدمون بقايا السحر الفاسد بحد ذاته إهانة للهواء الذي نتنفسه!»
وفجأة، إذا بي هواء يتداخل بينهما كنسيم مفاجئ، وصد هجمة سحر الرياح بلفافة من السحر الخاصة به. و تشتت السحر كان لم يكن، لم يكن سحراً عنيفاً، بل كان دقيقاً وموجهاً بشكل سحب رياح الخصم وتشتيت قوته دون إحداث اي أضرار. تراجع الفتى المهاجم خطوة للوراء، متفاجئاً من قوة الصد غير المرئية.
(POV: كاي)
قلتُ بنزاعج واضح وأنا أنظر إليهم باحتقار: «هاا~اه! يا لكم من فتية حقيرين بحق.»
«أيها الحقراء!» صرخ إيدن في عقلي وهو يهز ذيله .
«ومن أنت لتتدخل في ما لا يعنيك؟» صاح الفتى الساحر.
فحصتُه بعينيّ للحظة.. “متدرب، هاه؟.”تقدمتُ منه ببطء. “يا له من تافه.. يظن أن القليل من الرياح تجعله سيداً.” نظرتُ في عينيه وقلتُ بملل: «هل تعتقد أن السحر وُجد لتستقوي به على من لا يملكه؟»
(POV: الفتى الساحر)
بينما فتحتُ فمي لأنطق:«ماذا.. هل هذا الفتى صديـ..؟» تجمد لساني فجأة. ارتفع ضغط مرعب في المكان، هواء كثيف بدأ يخنق أنفاسي، ومصدره كان عينا هذا الفتى التى تشعان بي توهج خافت،. كانت عيناه هادئتين لدرجة مخيفة، وكأنهما تريان الشخص الذي أمامهم شيء تافه لا يستحق الجهد. شعرتُ بسحره يلفني بالكامل كأغلال غير مرئية تثبتني في مكاني. تصبب العرق البارد من جبهتي.. “هـ… هذا الفتى.. خطير.” فكرة في نفسي بي ريبة، رفعتُ يدي لا إرادياً دفاعاً عن نفسي دون أن أدرك لما أفعل ذلك من الأساس.
(POV: كاي)
“هل يحاول الهجوم فعلاً؟” فكرت بسخرية.
مددتُ يدي بهدوء في اللحظة التي أطلق فيها سحره المضطرب. شعرتُ برياحه تلمس أطراف أصابعي، فأطلقتُ [الصدى] ليفتتها في الهواء كأنها دخان. تراجع الفتى وشحوب الرعب يكسو وجهه. نظرتُ في عينيه مباشرة ببرود، < كاي، انظر، الفتى الحقير يرتجف كالورقة! هيهيهي> سخر منه إيدن.
كنتُ أقف بين المعتدي والضحية، وضعاً يدي في جيبي والأخرى أُلوح بها للسحر المشتت ب استخفاف. “يا له من هاوية..” فكرت وأنا أراقب عجزه.
في تلك اللحظة تدخل إليان وصاح: «أنتم! ماذا تظنون أنفسكم فاعلين؟»
ارتبك الفتية فوراً: «ا… السيد إليان!»
رد إليان ببرود مرعب: «لقد سألت، ماذا تظنون أنفسكم فاعلين؟»
«أو… أوه كنا نلعب يا سيد إليان. هاهاها.» ضحكوا بتوتر فاضح.
أدرت وجهي بي إبتسامه جانبية و قلتُ بسخرية: «هاه؟ تلعبون إذاً هراء؟»
التفت الساحر وأشار إليّ ب إصبع مرتجف: «ه…هذا الفتى العامي كان يستهزئ بنا، ولم أكن أستطيع كبح غضبي. أنا آسف يا سيد إليان.»
“و ماذا فعلتُ أنا؟.” فكرتُ بملل.
أمال إليان رأسه ورسم تعبيراً ارعب من ذي قبل: «لا يجب أن تعتذر لي، بل لذلك الفتى الملقى على الأرض، وهذا الذي تصفه بالعامي هو الأمير السادس ‘كاي دي آل إيغنار’.»
<أجل أجل، إن كاي سيسحقكم يا حقراء!> صاح إيدن ب نشوة.
نظرتُ إليهم ببرود: «الاعتذار ليس لي.»
رفع الفتى الساحر رأسه «م..ماذا تعني؟»
«هذا الاعتذار ليس لي،» اشرت بيدي للفتى الملقى على الأرض.«بل فل تعتذرو لهذا الفتى الذي أهنتموه.»
التفتو للمبارز وقالوا ب نبرة ذليلة ومنزعجة: «ن..نحن آسفون.»
“هل يعتبرون هذا اعتذاراً حقاً؟ يا للقرف.” فكرت بمرارة.
أمرهم إليان بالانصراف ففروا كالفئران.
و بينما كانو مغادرين صرخ إيدن داخل وعيي، وكان صوته يتردد في وعي كتعزيز حربي لم أطلبه.<أجل! فلتغربو عن وجوهنا الآن أيها الحقيرين!>
شعرتُ بي صداع خفيف من حماسه. أغمضتُ عيني لثانيه، وضغطتُ على ذيله بسبابتِي وابهامي، محاولاً كبح الصداع الذي بدأ يهاجمني بسبب صراخه.<اغه.. إيدن، توقف الآن أرجوك!>
اقتربتُ من الفتى المبارز و مددت يدي له وسألت: «هل أنت بخير؟»
أحنى رأسه باحترام وهو ما يزال جالساً على الأرض، وقال بصوتٍ متهدج:«أ.. أجل يا صاحب السمو».
مددتُ يدي أكثر، وقبضتُ على عضده بقوة وثبات، ثم رفعته بجهد يسير حتى استقام واقفاً أمامي. بينما كان ينظر الي بدهشة ضربتُ ظهره بمزاح خفيف قائلاً: “لا داعي للرسميات، المهم أنك بخير”.»
بعد ان غادر الفتى، كنتُ أراقبه وهو يبتعد.
“هذا الفتى موهوب.. حركاته كانت مدروسة ولكنـ..؟”
قاطع إليان تفكيري وانحنى قليلاً: «أنا آسف لرؤية هذا القبح في مقاطعتنا يا صاحب السمو.»
“ماذا..ماذا!!” تساءلتُ في نفسي وأنا مرتبك قليلاً. ثم أجبته بهدوء «لا..لا عليك، هذا ليس ذنبك،هذا شيء لا تستطيع التحكم أنت به، وتوقف عن الرسميات فأنت تبدو مخيفاً وزائفاً هكذا.»
لم يستطع إليان كتمان تلك الضحكة الطفولية التي أفلتت منه فجأة بعد رأيت ما يريد “ارتباكِ”. «هيهي».. هكذا ببساطة!.
(الراوي العليم)
بينما كان كاي و إليان يغادران، التفت كاي للخلف ب حاسة سادسة حادة: «همم..»
تثاءب إيدن ب كسل: < ما كان ذلك؟ >
سأل إليان: «ما الأمر؟»
أجاب كاي:«أوه لا شيء.» لكن في داخله كان يتساءل: “هل كنت مخطئاً؟ شعرتُ بشيء يراقبنا.”
غادرا المكان، إذا بي شخص يخرج من خلف المبنى وعيناه تتوهج بنور طفيف تحت العباءه.«همم.. لدينا شيء مثير للاهتمام في المقاطعة.»
———————————————–
(POV: كاي)
عدتُ من النزهة وألقيتُ بالأكياس والصناديق على الأرض دون اهتمام، وارتطمتُ بالسرير كأنني جثة هامدة و إيدن الذي كان نائماً زحف من داخل ردائي لي يكمل نومه. أطلقتُ زفيراً طويلاً. «آآآه، وأخيراً عدت! ظننت أنني سأقضي بقية حياتي في تلك المتاجر أشعر بالإرهاق. ليس في قدمي، بل في عقلي بسبب إليان .. لقد كان يسحبني من محل لآخر لتجربة وشراء البدل فاخرة.! ذلك الفتى لديه طاقة مرعبة حقا»
سكنت حركتي فجأة، وبدأ مشهد الزقاق يعاد أمام عيني كشريط سينمائي..”يبدو حقاً أن بعض السحرة لا يحترمون المبارزة أبداً.. هاه، هل عاد ذلك الفتى لبيته آمناً؟”
ضاقت عيناي وأنا أسترجع مشهد هجوم ذلك الفتى المبارز.. “همم.. تلك الثغرة! لماذا أخفض من هجومه؟ هل لأن خصمه كان نبيلً؟”
رفعتُ يدي وغرزتُ أصابعي في شعري لي أعبث به في حركة مضطربة،.. وتنهدتُ بمرارة..”لماذا تدخلت أصلاً في أمر لا يعنيني؟” تساءلتُ في نفسي.
همستُ لنفسي: «لأنني أمير هذه البلاد»، ثم ضحكتُ بسخرية: «هراء.. كذبة جيدة يا كاي». في الحقيقة.. تذكرتُ نفسي القديمة، “كاي” الذي كان الجميع يحتقره لعدم امتلاكه السحر.”
نفضتُ الأفكار عن رأسي ونهضتُ متثاقلاً: «الاستحمام هو الحل الوحيد الآن». تذكرتُ فجأة.”هناك مبارزين في هذه المنطقة” تساءلت في نفسي، “كان يجب أن أسأل إليان عنهم”.. وذكر المبارزة سحبت معها كلمات جدي في عقلي: ” كاي. لا تتأخر على ما اتفقنا عل..”
لم أكد أتمّ الجملة في عقلي حتى انخلع باب الغرفة!
— «فلنبدأ التدريب يا حفيدي العزيز!» صرخة جدي المدوية حطمت سكون الغرفة.
«اغه…» “ليتني لم أذكره في عقلي.”
و في اليوم الأول من جحيم ضخ الماء بعد ان جهزتُ نفسي و انطلقتُ إلى ساحة التدريب. كان الجد واقفا هناك بي وقاره المعتاد ينتظرني، رفع جدي يده، وانبعثت منها هالة زرقاء عميقة كأنها أعماق المحيط المظلمة.
جدي بصرامة: «سأضخ سحر الماء الخاص بي داخل مساراتك. سيكون الأمر أشبه بمحاولة تمرير نهر هائج عبر ثقب إبرة.» ثم اضاف بي قلق «إن فشلت في موازنته، ستنفجر عروقك من الداخل. يا كاي؟»
«افعلها!» أجبتُ بحزم. ثم فكرةُ بي ثقه “سأكون بخير مع تقنية التدوير.” تردد جدي للحظة لكنه رأى إصراري، فتنهد وقال: «كما تريد.»
جلستُ أنا وجدي في وضع التأمل، وجهاً لوجه.أغمضتُ عينيّ واستسلمت للسكون، كانت ساحة التدريب هادئة تماماً، إلا من صوت أنفاسنا المنتظمة التي بدأت تتناغم معاً.
وضع جدي يده على صدري وبدأ الضخ… فجأة، شعرتُ ب تيار بارد وجارف يقتحم جسدي. لم يكن سحري، بل كانت طاقة جدي التي تشبه الأمواج العاتية تضرب جدران وهمية لروحي. صرخ جدي: «كاي! سيطر على مائي الآن، وإلا فسوف ينفجر سحرك من الداخل!» كنتُ ألهث، ويتصبب العرق من على جلدي البارد، وفجأة..(كراك!) سمعتُ صوت انكسار خفيف داخل وعيي.
بعد فترة من الزمن الجحيمي…
كنتُ ألهث بقوة، وجدي أيضاً كان يتصبب عرقاً: «إن جسدك يمتص الطاقة بنهم غريب! لقد حل الصباح بالفعل،فلنتوقف لليوم».
أجبته بصوت متقطع ومنهك: «أجل.. جدي».
وبينما كان يهمّ بالالتفاف، تجمدت عيناي على يده. تلك اليد الغريبة التي لا يفارقها القفاز أبداً. انقبض قلبي وأنا أتذكر الحقيقة المُرة التي يغطيها ذلك الجلد الأسود؛”آه..إنها يده المبتورة.”
قَبضتُ على يدي، وشعرت بشيء يغلي في أعماقي: «لماذا كل هذا؟ ذلك الملك اللع..!».
إذا بصوت جدي الحازم الذي قطع حبل أفكاري: «فلتسرع يا كاي، استحم ولي نتناول الطعام، و أنت بحاجة للراحة».
جفلتُ، وأجبت بتعب: «آه.. أجل جدي، حاضر».
جلسنا حول الطاولة، وصوت قعقعة الصحون هو السائد حتى قطعه صوت إيدن بكسل قاتل:<كاي.. إنها لمضيعة، لا أستطيع..> توقف ليتثاءب بكسل كاد أن يعديني، ثم تابع بصوت ناعس:<لا أستطيع إكمال هذه السمكة!>.
لم أتمالك نفسي، فأطلقت ضحكة خفيفة ومررت يدي على رأسي بعفوية:<حاول يا إيدن، أعتقد أنك بحاجة للطاقة هذه الفترة>.
فجأة، بينما كان جدي يراقبنا بعينين حادتين كالصقر، قبل أن يرمي قنبلته بهدوء: «هذا الثعبان الأحمق.. أشعر أنك على تواصل معه بطريقة ما؟».
توقفت يدي التي كانت تمسك بالشوكة. و ضحكتُ بتوتر أحاول فيه مداراة ارتباكي: «هاهاها.. ماذا تقول يا جدي؟ إننا فقط.. ننسجم مع بعضنا البعض، هذا كل ما في الأمر!».… و في داخلي كنت افكر،” وااو، لقد فاجأني ذلك.. استشعارهم قوي جداً في هذا المستوى؟”.
احتج إيدن بصوت مخنوق وهو يتثاءب مجدداً:<أنا لستُ أحمقاً..>.
اكتفى جدي بنظرة فاحصة، ثم قال بجدية أعادت للمكان هيبته: «على كل حال، فلنركز على تدريبنا، فأبواب الأكاديمية باتت على مشارف الفتح».
تغيرت نبرة صوتي فوراً، وشعرت بوخزة من الحماس الممزوج بالقلق: «أوه، كم بقي من الوقت يا جدي؟».
أجاب جدي وهو يمسح فمه بهدوء: «عشرة أيام.. حسب علمي».
رددتُ الكلمة خلفه بذهول: «عشرة أيام؟ إنها قريبة جداً!».
هز جدي رأسه مؤكداً: «أجل، ولذلك لا وقت للراحة. علينا أن ننهي عملية ضخ العنصر لجسدك ».
شددتُ قبضة يدي تحت الطاولة وأجبته بعزيمة: «أجل..».
————————————————-
بعد ذلك مرت الأيام الخمسة كأنها دهور من العذاب. لم يكن “ضخ العنصر” تدريباً، بل كان أشبه بمحاولة حشر محيط داخل زجاجة ضيقة. و في فجر اليوم السادس.
كان العالم غارقاً في اللون الأزرق البارد قبل الفجر. لكن بالنسبة لجدي، كان هذا هو “منتصف النهار”.
شعرتُ ببطانيتي تُسحب بعنف وصوت جدي الرعدي يهمس: «استيقظ يا حفيد بيرتولدت! الرياح لا تنتظر الكسالى!»
فتحتُ عيناي بصعوبة، لأجد جدي واقفاً بملابس التدريب، حوله هالة تجعل الهواء في الغرفة يثقل.
<كاي.. اهرب.. ها هو مرة أخرى هذا العجوز مجنون ،> تمتم إيدن وهو يحاول الاختباء تحت وسادتي.
” الفجر مرة آخر أعتقد أنني سأموت قبل أواني يبدو أن “بيرتولدت” سيخسر حفيده قبل أن يرى باب الأكاديمية..” فكرتُ بيأس وأنا أحاول لملمة شتات نفسي.
في ساحة التدريب، كان جدي يضخ سحر الماء بضراوة وقوة قصوى، وكأن شلالاً من الضغط الساحق يهوي في داخلي. شعرتُ بروحي تئن تحت وطأة الثقل، وكأنها على وشك التمزق إلى أشلاء.
وفجأة، انطلقت صرختي مدوية، حين كانت مياهه الهائجة تلك تصارع.. و في وسط ذاك الألم المستعر، اخترق كياني صوت “تصدع” هائل، زلزل أعماق روحي. في تلك اللحظة، انفجرت من جسدي طاقة غريبة ومجهولة، موجة عاتية اكتسحت حولي قبل أن تتلاشى في ثوانٍ.
سمعت تراجع جدي عدة خطوات، وصوته المذهول : «ما هذا؟!»
(ترااااااك!)،
أحسستُ حينها بشيء ينخلع من مكانه؛ القيد الذي كان يخنق السحر ويصد تدفقه قد تحطم أخيراً. ارتجف جسدي بعنف، واندفع الدم من فمي.
«كاي! كاي!» صرخ جدي بذعر .
”لا تقلق يا جدي.. مهارة الثقب الأسود ستتولى الأمر”؛ همستُ بها في سري وأنا أبدأ بتدوير تلك الطاقة الجامحة، مجبراً إياها على التأقلم مع مساراتي السحرية.
وفجأة، سكن جسدي، وهدأ الضجيج في عروقي.
سمعتُ صوت جدي يقترب، ورغم إغماض عينيّ، كنتُ أرسم في مخيلتي تلك الابتسامة المذهولة التي تعلو وجهه وهو يتمتم: «إنك حقاً وحش صغير.. كيف فعلت ذلك؟!»
”نجحت! لقد نجحت في تدوير الطاقة!”؛ صرختُ بها منتصراً في أعماق وعيي.
وفجأة، رنّ في أذني صوتٌ مهيب، له صدىً يزلزل الوجدان: «أحسنت.»
«تيامار!» صرختُ بفرح غامر، لأجد نفسي فجأة قد غادرت وعي، واقفاً في ذاك البعد المظلم والمهيب حيث اقابله.
قال تيامار بوقار وعظمة: «أجل، لم أستطع محادثتك طويلاً، لكن قوتك تزداد.. لقد فتحت عنصر الماء أخيراً.»
أجبته بنشوة وأنا أتحسس قوتي الجديدة: «أجل.. أشعر به.. مياه هائجة تتدفق حول قلبي. لكن لماذا انقطعت عني كل هذه المدة؟»
«هذا بسبب الختم.. ختمي وختمك،» أجاب تيامار بغموضٍ أثار القشعريرة في نفسي.
«ختمك؟ ماذا تعني بذلك؟» سألتُه والارتباك ينهشني.
بدأ البعد المظلم يتلاشى من حولي، وصوت تيامار يبتعد ويتقطع كأنه قادم من وراء الزمان: «أنا.. ششش.. قوتي تضعف.. أحاول فك الأختام.. شش.. كن قوياً حتى نلتقي مجدداً..»
صرختُ بيأس وأنا أرى طيفه يختفي: «لا! لم تخبرني بشيء هذه المرة أيضاً! تيامار! انتظر!»
فتحتُ عينيّ ببطء لأجد جدي يمسكني ب قلق: «كاي! هل أنت بخير؟»
ابتسمتُ بوهن: «آه..أنا بخير.. أنا بخير يا جدي.»
أبتسم وضرب كتفي ب فخر: «لقد فعلتها! و لقد اخترقتَ المرحلة الثالثة من المتدرب!» وداعب شعري بحنان: «أنا فخور بك حقاً.»
نظرتُ إلى يدي التي لا تزال ترتجف، ثم قبضتُ عليها بقوة. كان جسدي ينضخ بطاقة لم يعهدها من قبل.
“إن مهارة التدوير هذه مذهلة.. مذهلة بحق! لقد انصهرت المهارة مع هذا الجسد وكأنها خُلقت له و بفضلها “تكيف الصدى”، والان. لم أكتفِ باختراق المتقن في المبارزة فحسب، بل دفعتني الآن لتجاوز المرحلة الثالثة من المتدرب في سحر!”
اتسعت ابتسامتي رغم الألم؛ فما حققته في أيام، يحتاج الأشخاص العاديون لسنوات لانتزاعه. شعرتُ ببرودة تتدفق في مساراتي السحرية، معلنةً ولادة قدرة جديدة في جسدي.
خفضتُ بصري نحو القلادة المستقرة على صدري، أتلمس برودتها بأصابع مرتجفة قليلاً. لكن ما كان يشغل بالي حقاً هو ذلك اللقاء الخاطف.. “لقد قابلتُ تيامار أخيراً بعد طول انقطاع.” ضاقت عيناي بتفكير عميق: “ماذا كان يعني بكلمة “ختمه”؟ وهل أنا وتيامار مرتبطان بقيود أعمق مما أتخيل؟”
أطلقتُ تنهيدة ثقيلة، يمتزج فيها الإحباط بالراحة.” هاه.. كالعادة، يختفي قبل أن أنتزع منه إجابة واحدة تشفي غليلي”. مررتُ يدي على وجهي محاولاً ترتيب شتات أفكاري، ثم تمتمتُ بصوتٍ خافت: «على كل حال.. لا بأس. يكفي أنه لا يزال هناك، يراقب من الخلف. سأسأله في المرة القادمة، ».
و فجأة جاء صوت جدي «كاي، لدي شيءٌ لأعطيك إياه،» بنبرة حملت جدية مفاجئاً.
«شيء؟ ما هو يا جدي؟» سألتُ بفضول.
«فلتغتسل أولاً من عناء هذا الضخ، ومن ثم سأريك.»
بعد قليل، طرقتُ باب مكتبه ودخلت. كان شعري لا يزال مبللاً والمنشفة على رأسي، لكن عينيّ تسمرت فوراً على غرضٍ غامض مغطى على الطاولة. “ما هذا؟” تساءلتُ في نفسي والفضول ينهشني.
تقدمتُ قليلاً، فمد جدي يده ونزع الغطاء ببطء..
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن الوقت قد توقف. كان السيف قطعة فنية قاتمة تخطف الأنفاس؛ سيف أسود خالص مزين بنقوش بيضاء غامضة . نصله الداكن لم يكن يعكس الضوء، بل كان يمتصه كأنه ثقب أسود، ومقبضه يمنحه توازناً مثاليًا يشع بقوة خام. لقد اندمج النصل بالمقبض في قطعة واحدة صلبة، ذات مظهر مهيب وبدائي يوحي بأن هذا السيف لم يُصنع ليُحمل فحسب، بل ليحصد الأرواح.
وبجانبه، كان يقبع خاتم وسوار غامضان .
«ما هذا يا جدي؟» سألتُ بصوت خافت وأنفاس متهدجة من هيبة ما أرى.
التعليقات لهذا الفصل " 51"