49 - الخروج من رقعة الشطرنج:و ثقب الرياح القاتل وظلال المنافسين.
الفصل التاسع والأربعون: الخروج من رقعة الشطرنج: و ثقب الرياح القاتل وظلال المنافسين.
– غرفة الاستراحة –
كانت غرفة الاستراحة معزولة عن صخب القاعة، مضاءة بنورٍ خافت يتكسر على الجدران المزخرفة.
جلس الأميران ” راي ” و” ريد ” على الأريكة المقابلة، بهدوء من اعتاد أن يكون فوق الموقف .
و “أركاديو”، كان جالسًا أمام الأميرين .
ظهره مشدود… كتفاه متصلبتان دون أن يدري.
يحاول… أن يبدو ثابتًا.
ريد كان متكئ إلى الخلف، يدير الكأس بين أصابعه بكسلٍ متعمّد.
ثم رفع كأسه ببطء، و ارتشف رشفة قصيرة، ثم قال بصوت هادئ، و بارد أكثر مما ينبغي:
«… أنت، أركاديو.»
جفّل أركاديو لا إراديًا.
عدل ريد جلسته، وأسند ذراعه على مسند الكرسي، ومع الحركة انبعث ضغط خفيف… كاختبارٍ عابر.
« أحدهم لمحك.»
توقف قليلًا.
« تتحدث… مع ذلك الشخص.»
زاد الضغط فجأة، كأن الهواء نفسه انحنى.
قال ريد بصوتٍ منخفض، لا يحمل غضبًا بل يقينًا باردًا:
«…وبعدها، فررت كل فأر.»
تشنّج جسد أركاديو للحظة، و اتسعت حدقته
أركاديو ابتلع ريقه.
« لا… لا، لم يكن كذلك—»
قُطع صوته كما تُقطع الخيوط.
« لم يكن كذلك؟»
راي، الذي كان صامتًا طوال الوقت، رفع نظره ببطء.
عينان بلا دفء، بلا فضول و قال بهدوءٍ بارد.
“إذاً… ماذا كان؟”
لم يجب أركاديو.
خفض نظره، وكأن الكلمات لم تعد تطيعه.
راي أدار نظره عنه، وكأنه حسم الأمر.
« يا لك من مثير للشفقة… بحق.»
ثم نهض راي، و قد أنهى كأسه ووضعه على الطاولة بهدوء.
« لقد تعكّر مزاجنا.»
ثم أضاف بنبرة عابرة، كأنه يتحدث عن أمرٍ لا يخصه:
« على كل حال… بعض الأمور لا تُفهم إلا عندما تُدفَع إلى الزاوية.»
ريد زفر بملل،
ولوّح بيده كمن يبعد حشرة.
« انصرف.»
انحنى أركاديو بسرعة وخرج، و خطواته متسارعة، و مشحونة.
ساد صمت قصير بعد إغلاق الباب.
قال ريد، بصوت منخفض:
« الفئران… دائمًا تعتقد أن أحدًا لم يرَها.»
ابتسم راي ابتسامة خفيفة.
« لكنها تركض دائمًا نحو المصيدة.»
ريد قال دون أن ينظر لي راي:
« هل تعتقد أنه سيفعلها؟»
ابتسم ريد ابتسامة خفيفة، غير واضحة المعنى.
“إن لم يفعل…”
توقف لحظة.
“فلن نرى شيئًا مثيرًا الليلة.”
راي أغمض عينيه.
“وإن فعل؟”
رد ريد بنبرة ماكرة تمامًا:
“سنرى… كيف يتصرف ذلك الشئ،.”
—
– القاعة الملكيّة للحفل –
«مرحباً أخي الصغير.»
كان صوت ناعماً… ناعماً أكثر مما ينبغي، كحدّ سكين مغلّف بالمخمل.
تجمّد كاي للحظة.
**كاي (في نفسه):**
*…هل هذه مزحة؟ لقد دخلت القاعة لتوّي.
حقًا، هذا اليوم لعبة شطرنج سيئة.*
التفت ببطء.
كان يقف أمامه جسد أنثوي أنيق، شعرها الاحمر الطويل منسدل بانضباط ملكي، وعيناها بلون الدم البارد.
**فيونا.**
«لم أكن أعلم أن الحفلات باتت تسمح بوجود من لا ينتمي إليها.»
انحنى الحاضرون القريبون فوراً، بعضهم بارتباك،.
أما كاي، فاكتفى بإيماءة خفيفة من الرأس، لا انحناء كامل ولا تجاهل فاضح.
و كان، يحيط بي فيونا حاشية من الرفاق الذين تلمع أعينهم بالفضول والخبث.
كاي (في نفسه):
* لماذا تصر الأقدار على رمي قطع الشطرنج في وجهي دفعة واحدة؟.*
فيونا (بابتسامة بريئة):
«.. سمعت أنك عدت من “إجازتك” الطويلة في الحدود. لا بد أن التعب قد نال منك.»
كاي (في نفسه):
* أجازة هل هي جادة ؟ إنها شخصيه استفزازية هل عليّ مواجهتها حقاً؟ إنها شخص مزعج .*
كاي (بهدوء):
«الأميرة الخامسة.. منهك؟ لا على العكس، أشعر بنشاط لم أعهده منذ زمن، ربما لأن هواء الحدود لا يحمل زيف العاصمة.»
فيونا (تضحك بسخرية):
«أوه، بالطبع! عمل شريف كجندي استطلاع.. تليق بك هذه المهنة، خاصة لشخص لم تستجب له “النيران الملكية”. كان عليك أن تدرك يا كاي أن عائلتنا تُبنى على القوة الصرفة، لا على مجرد الوجود المادي.»
تعالت همسات حاشيتها، وضحكاتهم المكتومة كانت تملأ الفراغ بينهما كسموم صغيرة.
نظر إليها كاي ببرود ثابت.
**كاي:**
«إذاً، أنتِ تقولين إنني أفتقر للقوة؟ على الأقل، أنا لم أستخدم لساني للمواجهات، بل استخدمت يدي لخدمة الحدود.»
ثم أضاف بنبرة هادئة:
«أما عن القوة… فأعتقد أنكِ تعرفين ذلك أكثر من إخوتي،
فأنتِ، يا أختي العزيزة، تدركين تماماً موقعكِ في هذا السلم قبل أن تعطي الدروس لغيرك.»
لجزءٍ من الثانية—
اختلّ شيء في عينيها.
تصلبت ملامح فيونا ؛ فكلام كاي أصاب الوتر الحساس، فهي تعلم أنها ليست الأقوى بين الأشقاء. وقبل أن ينفجر البركان، تدخل إليان ببراعته المعهودة،.
إليان (بابتسامة مشرقة، يتقدم خطوة للأمام):
«أوه! الأميرة فيونا بنفسها، يا له من شرف! لم أتوقع رؤيتك .»
تحولت أنظار فيونا إليه.
**فيونا**
«ماركيز صغير… زيفيروس.»
إليان (ينحني بانسيابية):
« نعم. أنا كنتُ أشرح للأمير كاي بعض تقاليد الحفل، يبدو أنه ما زال يتأقلم.»
قالها بخفة، لكن اختياره للكلمات كان دقيقاً.
يتأقلم، لا لا ينتمي.
نظرت فيونا بينهما للحظة.
ثم… تجاهلت إليان و ستدارت بخطوة واحدة، و عباءتها تتحرك خلفها كذيل ضبابي، وقالت وهي تمضي بضحك خافتة، قصيرة لم تصل إلى عينيها.
“هذا ليس جيداً.”
“فالوجود في العائلة المالكة يتطلب أكثر من البقاء حيًا. يتطلب قوة.”
توقفت لحظة.
“قوة حقيقية.
«آمل أن يتعلم بسرعة. بعض الأماكن لا ترحم من يخطئ.»
مشت فيونا بعيداً، لكن كاي لمح في نظرتها الأخيرة شيئاً غريباً؛ مزيجاً من الدهشة و شيء آخر.
بقي كاي واقفًا في مكانه.
كاي (في نفسه):
…غريب.
ثم اضاف
هل جرحت كبرياؤها إلى هذا الحد؟ ومع ذلك.. الضغط الخاص بها لا يستهان به رغم أنها الأضعف. سحقاً، لا يزال أمامي الكثير حقا .
إليان (بصوت منخفض و بارد، دون أن يغيّر ابتسامته):
«هوه… يبدو أن مزاجها ليس الأفضل اليوم.»
كاي (بهدوء):
«…شكراً.»
**إليان**
« هااه لا داعي علي كلٍ فلنغيّر المكان قليلاً. الوقوف هنا يجذب الانتباه أكثر مما نريد.»
كاي أومأ.
—
و مع اقتراب نهاية الحفل، شق كاي وإليان طريقهما نحو الخروج، لكن الظلال كانت تخبئ لهما لقاءً آخراً.
«إلى أين أنت ذاهب بهذه السرعة.. أيها الفاشل؟»
توقف كاي. وتنهد صعوداً
كاي ( في نفسه):
* اقسم انني لا احب هذا المكان *
كان “أركاديو”، ابن الدوق إيدون، يسد الطريق ومعه ثلاثة من رفاقه، وجوههم تطفح بالغطرسة والرغبة في استعادة “كرامة” مهدورة.
**أركاديو**
«هل ظننت حقاً أن الثياب الفاخرة واختباءك خلف اسم “زيفيروس” سيمسح إهانة الأمس؟»
إليان (بصوت منزعج):
«سير أركاديو، ما الذي تظن نفسك فاعلاً؟ تنحَّ جانباً.»
كاي (في نفسه):
* إهانة؟ أي إهانة يتحدث عنها هذا الأحمق الذي لا يكف عن الثرثرة؟*
أركاديو (يقترب من كاي): «لقد جعلتني أبدو كالأحمق أمام الجميع.. لا مكان لك هنا أيها الأمير المطرود. أنت مجرد حثالة ضعيفة لا تستحق حتى الهواء الذي تتنفسه!»
إليان تحرّك فورًا:
«سير أركاديو، انت—»
لكن كاي رفع يده.
إشارة صغيرة.
هادئة.
كاي (في نفسه):
*مستواه يفوقني بدرجة واحدة فقط ويتصرف كأنه ملك العالم؟ لقد نفد صبري تماماً..*
كاي (بصوت بارد):
«أركاديو.. لو كنت تهتم بمكانتك حقاً، لعلمت أن تصرفاتك الآن هي ما يحط من قدرك، وليس اسم عائلتك. أنت تهين نفسك بهذا الصياح.»
أركاديو (ينفجر ضاحكاً):
«هل تستهزئ بي؟ أيها الساحر القذر!»
دفع أركاديو كاي بكتفه، وهمس في أذنه بحقد: «اذهب وتعفّن مع ذلك العجوز المنفي القذر مثلك …»
في تلك اللحظة، انكسر شيء ما داخل كاي. تلاشت ملامحه البشرية لتتحول إلى قناع من البرود المطلق. شعر إليان ببرودة مفاجئة تسري في المكان.. لم يكن سحراً، بل كانت “نية قتل” مكبوتة ومركزة، تنبعث من جسد كاي كإعصار غير مرئي و راكد.
« تراجع عما قلته.»
قالها كاي بهدوء.
لكن أركاديو اندفع.
أركاديو (يصرخ بغضب): « فلتذهب للجحيم !»
هاجم أركاديو بلكمة عنيفة مغطاة بعنصر الماء. كان إليان يحاول التدخل ولكنه تجمد في مكانه، ليس خوفاً من الهجوم، بل من الرعب الذي لمحه في عيني كاي.
تصدى كاي للكمة براحة يده بهدوء مرعب بسحر الرياح ، ثم دفع أركاديو للخلف بنبضة سحرية مركزة جعلته يترنح. رفع أركاديو بنظره وهوا متفاجئة.
فجأة ــــــ
التقت أعينهما…
كانت نظرات كاي تخترق روح أركاديو، نظرات قاتل رأى الموت مراراً.
شعر أركاديو بي برود و رجفة مفاجئ، —نظرات لم يسبق و ان رأها من قبل في عيني كاي .
أركاديو (تردد للحظة، ثم صرخ):
«هاجموه!!»
تحرر سحر الرياح من كاي و عصف بي المكان . لم يتوهج سحره بشكل صاخب، بل هادئ و مرعب. رفع كاي يده ببطء، و تكثف الهواء أمام إصبعه في نقطة واحدة غير مرئية. كان هواءً مضغوطاً لدرجة أنه كاد يمزق الفضاء.. “طلقة رياح جامحة” [ ثقب الرياح ] موجهة بدقة نحو قلب أركاديو.
و إليان الذي كان يشعر بنية كاي، عرف أن ذلك الهجوم ينوي القتل
إ(صرخ بذهول):
«توقف يا كاي!!»
أطلق كاي الهجمة الوحشي الفائقة السرعة، وفي اللحظة التي كادت فيها الرصاصة الهوائية تخترق أركاديو، هبط ضغط مهول على المكان. كأن محيطاً بأكمله سقط من السماء، ضغط قاع البحر تضاعف ألف مرة لي يكسر قوة الهجوم قبل أن تبلغ ذروتها، كأنها اصطدمت بجدار غير مرئي، وتلاشت على هيئة تموجات خافتة.في الهواء قبل وصوله بسنتيمترات.
لم يرفع صوته لي يطلق تعويذة ، ولم يتقدم خطوة.
اكتفى برفع يده قليلًا.
الدوق إيدون (بصوت كأنه الرعد):
«توقفوا!»
ظهر بوقار مخيف، وهالته الساحقة شعر الجميع من في المكان بي ذلك الضغط . ثم امسك ابنه بحدة من ياقته.
أركاديو كان يحدق بذهول.
أما كاي… فتوقف في مكانه، وعيناه تضيقان قليلًا.
الدوق إيدون (في نفسه):
*مثير للاهتمام… حقًا.*
**الدوق إيدون**
«أركاديو! ألا تخجل من نفسك؟ تهاجم الأمير في قاعة الاحتفال؟»
التفت الدوق نحو كاي، وحنى رأسه قليلاً مبادرةً بي احترام مفاجئة: «أيها الأمير السادس، أرجو أن تصفح عن وقاحة ابني. لقد تجاوز حدود اللباقة، وأنا أعتذر منك بشدة.»
كاي (يعدل هندامه، وعيناه لا تزالان تحملان بقايا الظلام):
«أقبل اعتذارك يا دوق.»
الدوق إيدون (يأمر ابنه):
«اعتذر للأمير.. حالاً!»
أركاديو (بصوت خافت وذليل):
«أعتذر.. أيها الأمير.»
ثم انسحب كاي وإليان من المكان.
نظر الدوق إيدون إلى ابنه الذي كان يشد بقبضته، ثم تنهد بمرارة.
الدوق إيدون (ببرود):
«أركاديو.. عيبك أنك لا تقرأ الخصم و تهمل حذرك . توقف عن تصرفك هذا اتجاه الأمير من الان و صاعداً .»
ثم تنهد:
«لقد أنقذت حياتك للتو، أيها الأحمق.»
نظر أركاديو لوالده بصدمة، لم يفهم معنى كلام والده جيداً، لكنه كان يغلي من الدخل الإهانة.
—
وفي الوقت نفسه…
كان راي وريد يقفان على الشرفة العليا المطلة عليهم.
الستائر الحريرية خلفهما تتحرك ببطء مع تيارات الرياح، بينما الضوء المنبعث من القاعة ينعكس على وجهيهما بنصف ظلال متراقصة.
كان كلٌّ منهما يمسك كأسًا زجاجيًا رفيعًا.
ارتشف ريد جرعة بملل ، وعيناه تتبعان المشهد في الأسفل بلا اهتمام حقيقي، ثم قال بنبرة فاترة:
« يا له من عرضٍ ممل.»
حرّك راي جسده قليلًا، وأسند مرفقه على حافة الشرفة الباردة، مائلاً إلى الأمام.
حدّق في الأسفل بتمعّن أطول، وكأن عينيه تحاولان اختراق الهالة المحيطة بكاي لا مجرد رؤيته.
قال بهدوء، دون أن يبعد نظره:
« همم… ذلك الفتى أصبح مختلفًا قليلًا.»
ابتسم ريد ابتسامة جانبية خفيفة.
رفع الكأس أمامه، ثم أشعل سحر النار في راحة يده بلا استعجال.
اللهب لم يكن عنيفًا، بل هادئًا، مطيعًا… يلتف حول الزجاج.
في لحظة، بدأ الكأس يذوب، يتشوّه، ثم ينصهر كقطعة شمع، لينزلق السائل بين أصابعه دون أن يلمسه.
قال ريد وهو يراقب الذوبان، وصوته يحمل نبرة متسلية:
« تقصد… أصبح ممتعًا أكثر.»
سقطت بقايا الزجاج المنصهر على أرض الشرفة بصوت خافت.
—
وصل كاي وإليان إلى منزل الماركيز زيفيروس أخيرًا.
كانت الأضواء خافتة، والممرات ساكنة على غير عادتها، وكأن القصر نفسه قد هدأ بعد ليلةٍ مشبعة بالضغط والمؤامرات.
توقف إليان قليلًا عند مدخل الجناح، ونظر إلى كاي وكأنه يريد أن يقول شيئًا.
**إليان**
« كاي…»
لكن كاي سبقه بابتسامة متعبة، تلك الابتسامة التي لا تحمل خفة، بل ثقل يومٍ كامل.
**كاي**
« تصبح على خير يا إليان. كانت ليلة طويلة.»
صمت إليان للحظة، ثم هز رأسه بخفة.
إليان:
«…تصبح على خير.»
افترقا عند الممر.
توجه كاي إلى غرفته بخطوات بطيئة، وحين أغلق الباب خلفه أخيرًا، سقط كل ما كان يحمله من تماسك.
وضع يديه على وجهه، وزفر نفسًا طويلًا، كأن صدره كان محاصرًا طوال الوقت.
كاي (في نفسه):
*لقد اعتراني الغضب… وكدت أن أهاجم بهجوم جامح ومتهور حقًا.*
قبض على صدره للحظة.
*هل هذه مشاعر كاي؟ أم أنها مشاعري أنا؟
…أنا حقًا—*
تنهد مرة أخرى، أعمق هذه المرة.
*إنني حقًا متعب.*
في تلك اللحظة، شعر بحركة خفيفة، وقفز إيدن فجأة إلى كتفه.
**إيدن**
« هل عدت؟»
رفع رأسه قليلًا، وحدّق في وجه كاي .
**إيدن**
«…هل أنت بخير؟»
ابتسم كاي ابتسامة مرهقة، لكنها صادقة.
**كاي**
«أجل، أنا بخير. أنا فقط… مرهق.»
لاحقًا، كان كاي واقفًا قرب النافذة.
شعاع القمر المكتمل يتسلل إلى الغرفة، يرسم ظلالًا هادئة على الجدران، بينما كان يداعب رأس إيدن الملفوف حول معصمه، وقد غلبه النوم.
نظر إلى الخارج، إلى السماء الصافية، وقال في نفسه بهدوء:
*عندما انتقلت إلى جسد كاي… كنت بعيدًا عن هذا النوع من الأجواء.
بعيدًا لدرجة أنني نسيت أنني في رواية.*
*رواية صراع على العرش.*
*الصفحات القليلة والوحيدة التي قرأتها لم يكن فيها شيء مهم سوى تعريف الشخصيات وبذور الصراع.*
*لكن… هل هذا هو كل شيء؟*
*هل الصراع على العرش هو كل ما ينتظرني؟*
خفض نظره إلى إيدن النائم، وقال بصوتٍ خافت:
*…ماذا عن هذا؟*
*هناك أشياء كثيرة تحتاج إلى تفسير.*
تثاءب، وشعر بجفونه تثقل.
« هااه دعنا من هذا الآن… لقد كان يومًا عصيبًا.»
—
في صباح اليوم التالي، حان وقت الرحيل إلى بيت جده.
حزم كاي أمتعته بهدوء.
لم يكن هناك تردد هذه المرة.
كاي (بصوت واثق):
«حسنًا… هيا بنا لنذهب إلى بيت الجد.»
غادرت العربة الفاخرة التابعة للماركيز زيفيروس العاصمة الملكية.
العربة مبطنة بالحرير، ونوافذها السحرية تعزل الضوضاء الخارجية تمامًا.
كان إيدن ملفوفًا حول معصم كاي، شبه نائم، يتنفس بهدوء.
تنهد كاي وقال:
«حسنًا… انتهت دراما القصر أخيرًا.»
ابتسم إليان ابتسامة خفيفة.
**إليان**
“لحسن الحظ. على الرغم من أنها لم تكن دراما… بل محاولة قتل مصغّرة.”
ساد الصمت للحظة.
ثم تغيّرت نبرة إليان، أصبحت أكثر جدية.
**إليان**
«كاي، علينا أن نتحدث بجدية عما حدث مع أركاديو.»
التفت إليه.
«الضغط الذي أصدرته… لم يكن ضغط ساحر متدرب. لقد شعرت بقوة قادرة على السحق، وكأننا لسنا في نفس مستوى السحر.»
توقف قليلًا، ثم أضاف بنبرة يقين:
« أنت أقوى مما تعترف به… بطريقة ما.»
تجنب كاي النظر إليه.
**كاي**
« كما قلت لك، الحدود تغيّر المرء.»
سكت لحظة.
*كان تدريبي هناك قاسيًا. كنت أركز على زيادة قوتي للبقاء على قيد الحياة. كنت أستخدمها لمقاتلة الوحوش… لا البشر.*
وفي داخله، همس بصوتٍ خافت لا يسمعه أحد:
* على الرغم من أنني أُجبرت على قتل البشر أيضًا…*
هز إليان رأسه.
**إليان**
« صدقني، ما رأيته لم يكن مجرد تدريب حدود.»
تنفس بعمق.
« حتى الدوق إيدون نفسه… لم يتدخل فقط لحماية ابنه من الإهانة، بل لحمايته من قاتل.»
نظر مباشرة إلى كاي.
« لقد أنقذ حياة أركاديو. وهذا يفسر نظراته.»
ثم قال بجدية واضحة:
« كاي… بغض النظر عن قوتك، عليك أن تكون حذرًا للغاية هنا.
إذا كشفت عن هذا المستوى، فسيكون لك أعداء لا يمكنك تصورهم. ركز على إخفاء قوتك في الوقت الحالي.»
كاي (في نفسه):
*هاه… ذلك الفتى كان مهمِلًا ومكشوفًا.*
*وهل يقصد العائلة المالكة والدوقيتين بكلامه؟*
*وعلى كل حال… حتى أنا أتساءل عن هذا الاختلاف في قوتي.
هل هو بسبب تيامار؟!*
هز رأسه.
كاي:
« لا تشغل بالك. سأكون حذرًا.»
وفي داخله:
*على كل حال… عليّ أن أتجنب أي تهديد أو غضب في المستقبل القريب.*
—
نظر إليان إلى كاي بتمعّن، ثم ابتسم بثقة.
**إليان**
« لم يخطئ جدك عندما قال إنك موهوب بحق. »
**كاي**
«…جدي؟!»
ضحك إليان.
**إليان**
« والآن لننتقل إلى الجزء الأقل خطرًا… والأكثر إثارة للاهتمام.»
**كاي**
“هل تقصد طلب الماركيز الغريب أن أناديه (جدي)؟”
**إليان**
هاهاها، أجل… أبي هو صديق جدك، الكونت كايل بيرتولدت.»
كاي (متفاجئ):
« أوه… صديق؟!»
**إليان**
« أجل، وليس فقط صديقه… بل منافسه أيضًا.»
**كاي**
« منافسه؟»
**إليان**
« هاهاها، أجل. عندما أخبرني والدي، كنت أرسم نفس هذا التعبير الموجود على وجهك.»
ثم أضاف:
« مع أن جدك أقوى، كونه سيد سيف وساحر بمستوى ماستر، إلا أن أبي يفتخر بقوله ذلك. جدي يحب المنافسة.»
**كاي**
« هذا غريب… لا يبدو عليه ذلك.»
توقف قليلًا، ثم قال:
« وإذا كان منافسه، ألا يعني أنني في موقف غريب أيضًا؟ وماذا عن كل هذه المعاملة الخاصة… الملابس… أليست شفقة؟»
**إليان**
« شفقة؟ لا، لا.»
لوّح بيده.
« مع أنه منافسه، إلا أنهما كالأخوة بعد كل شيء.»
تنهد.
« لقد سمعت قصصهم من أبي حتى أصبحت محفورة في رأسي. دعك من هذا… أنا تعبت.»
استلقى للخلف.
« فليخبرك جدك بي قصصهم بنفسه.»
ابتسم كاي في نفسه.
*يبدو أنهما قريبان جدًا… لدرجة أنه أزعج ابنه بقصصه.*
قال إليان فجأة:
« يا كاي… سأضيف شيئًا أخيرًا.»
نظر إليه بجدية صادقة.
« جدك… يحبك بحق.»
شعر كاي بي شيء غريب .
إحساس دافئ لم يعرفه إحساس بالانتماء لي مكان يغمره لأول مرة منذ تجسده في هذا العالم. لقد وجد فرد عائلة، أو على الأقل طرفاً من عائلة يحترمه ويهتم به..
لقد وجد… عائلة.
—
العربة الفاخرة التابعة للماركيز زيفيروس بي عجلاتها السوداء المصقولة انزلقت فوق الطريق الحجري الواسع، بينما كانت الأبراج الملكية تتراجع ببطء خلفهم، تغرق شيئًا فشيئًا في ضباب المساء الخفيف.
كاي كان ينظر من النافذة الزجاجية السحرية، يرى الجنود، النبلاء، و عامة الشعب والقصور البيضاء تبتعد…
وكأن العاصمة نفسها كانت تلفظهم خارج نطاق مكائدها.
كاي (في نفسه):
*انتهى الأمر… على الأقل مؤقتًا.*
إيدن كان ملفوفًا حول معصم كاي، يتنفس ببطء، شبه نائم، بينما إليان استند، عاقدًا ذراعيه، يراقب الطريق بعين متعبة.
مع مرور الوقت، تغيّر المشهد خارج النافذة.
المباني الحجرية اختفت، وحلّت محلها طرق ترابية واسعة، ثم مساحات مفتوحة تتلاعب بها الرياح.
وفجأة…
بدأ الهواء يهتز.
ليس اهتزازًا مرئيًا، بل شعور غريب بالضغط، وكأن المساحة نفسها تنحني.
كاي (يعدل جلسته):
“…؟”
في الأفق، كان هناك **بوابة سحرية ضخمة**، قائمة بين دعامتين من حجر أزرق داكن، محفورتين بتعاويذ قديمة.
دوامات من الرياح الشفافة كانت تدور حولها بلا توقف، تصدر همسًا منخفضًا، أشبه بأنفاس كيان حي.
كاي (بدهشة واضحة):
«هـ… هل هذه بوابة سحرية؟»
إليان يفتح عينيه وينظر إليها بلا اكتراث كبير:
«أجل»
« ألم ترَ واحدة من قبل؟ »
كاي (يهز رأسه ببطء):
« لكن… أليست نادرة؟»
إليان يبتسم بخفة:
« نادرة جدًا. لا توجد إلا في أماكن محددة: و في مقاطعتنا، الدوقيتين، والعاصمة. جميعها متصلة ببعضها.»
كاي (في نفسه):
*إنني حقًا أنسى أحيانًا أنني في عالم سحري…*
تقدمت العربة نحو البوابة.
وما إن دخلت حدودها، حتى شعر كاي بوخز خفيف في جلده، وكأن الريح اخترقت عظامه ثم انسحبت فجأة.
— لحظة فراغ —
— لحظة صمت —
ثم…
انفجر اللون.
اختفى الطريق الترابي، وحلّت مكانه **سهول خضراء شاسعة**، تمتد بلا نهاية.
السماء كانت أوسع، أنقى، والرياح تهب بحرية مطلقة، تحمل رائحة العشب والمطر البعيد.
كاي يفتح عينيه على اتساعهما:
“…!”
إليان، بنبرة فخر واضحة:
« مرحبًا بك في مقاطعة الرياح… مقاطعة زيفيروس.»
الرياح كانت تتحرك هنا بشكل مختلف.
ليست عشوائية، بل كأنها تنبض… كأن الأرض نفسها تتنفس معها.
كاي (يقاطع دون تفكير):
« هل هذا يعني أنه لا يستخدم عنصر آخر هنا—»
إليان يضرب جبهته بكفه:
« لا يا كاي! كنت أقدم لك المنطقة بطريقة رائعة!»
كاي يشيح بنظره مبتسمًا بخفة:
«هاها، آسف.»
واصلت العربة السير، ومع اقترابهم، بدأ يظهر في الأفق **قصر ضخم**،.
لم يكن مجرد مبنى، بل تحفة معمارية؛ جدرانه مزخرفة بدوامات تشبه الرياح، وأبراجه تنحني قليلًا وكأنها تتمايل مع الهواء.
توقفت العربة أخيرًا بعد الرحلة الطويلة.
كان الهواء هنا مختلفًا… أنقى، أقسى قليلًا، وكأن الرياح نفسها تراقب الوافدين.
نزل كاي أولًا، وأدار نظره حوله.
قصر الماركيز زيفيروس ارتفع أمامه، ضخمًا، مهيبًا، لا يقل فخامة عن القصر الملكي، بل يتجاوزه في بعض التفاصيل. زخارف الرياح الملتفة على الجدران كانت توحي بأن المكان حيّ….و مما يعكس سحر عائلة الماركيز.
إليان، بابتسامة واسعة:
*مرحبًا بك في منزلنا… يا حفيد بيرتولدت العظيم.*
حتى كاي… لم يستطع إنكار الأمر.
كاي (بهدوء متفاجئ):
«… إنه مبنى ضخم حقًا.»
ثم تجمد.
تسللت فكرة متأخرة إلى ذهنه، واضحة، ثقيلة.
كاي يلتفت فجأة إلى إليان:
« مهلًا.»
**إليان**
« هم؟»
كاي :
« —ماذا أفعل هنا؟ أليس من المفترض أن أذهب إلى بيت جدي؟»
تصلب إليان لجزء من الثانية.
ثم اتسعت عيناه.
**إليان**
« آه يا إلهي، لقد نسيت أهم شيء—»
كاي يقطب حاجبيه:
«… لا تقل لي.»
إليان يحك مؤخرة رأسه، يشيح بنظره قليلًا:
«حسنًا… هناك أمر صغير.»
كاي (نبرة حذرة):
«إليان.»
إليان يتنهد:
« جدك… لا يعلم بقدومك.»
ساد الصمت.
**كاي**
«… ماذااا؟»
إليان بسرعة:
« أقصد، لم تصله رسالة رسمية .»
كاي يحدق به:
« ألم يخبره الملك؟»
ضحكة قصيرة، جافة، خرجت من إليان دون قصد.
**إليان**
« وهل تظن أن الملك سيتعب نفسه لإرسال رسالة إليه ؟»
انخفض نظر كاي قليلًا.
كاي (في نفسه):
* آه صحيح… لقد نفى رجلًا، ثم نفى حفيده. بالنسبة له، نحن لا نستحق حتى رسالة.*
يرفع رأسه ببطء.
**كاي**
« إذًا… أنا هنا دون علمه.»
**إليان**
« أجل.»
كاي يتنفس بعمق:
« وهذا القصر…؟»
إليان يبتسم ابتسامة خفيفة، تحمل شيئًا من العبث:
« مفاجأة.»
كاي:
« مفاجأة؟»
إليان يشير بيده إلى الداخل:
“الطريق إلى منزل الكونت… يبدأ من هنا.”
كاي يحدق به، غير مستوعب:
« هاه؟»
إليان يخفض صوته قليلًا، وكأنه يكشف سرًا:
« يوجد داخل القصر… بوابة سحرية مادية. متصلة مباشرة بمنزل جدك.»
اتسعت عينا كاي.
**كاي**
« بوابة… داخل المنزل؟!»
إليان يهز رأسه بفخر بسيط:
« والدي لم يخبره أيضًا. قال إنها ستكون… مفاجأة أجمل لو رآك فجأة أمامه.»
ساد صمت قصير.
الرياح مرت بينهما، رفعت طرف معطف كاي.
كاي (في نفسه، بنبرة مختلطة):
*إهمال الملك… تخطيط الماركيز… مفاجأة الجد…*
*أي نوع من المواقف هذه؟*
ثم زفر ببطء.
**كاي**
«… حسنًا.»
إليان يبتسم:
« صدقني، تعبير وجه جدك سيكون يستحق.»
كاي ينظر مجددًا إلى القصر.
هذه المرة، لم يره مجرد مبنى فخم…
بل بوابة فعلية إلى شيء أعمق.
—
في العاصمة – مكتب الماركيز
كان الماركيز زيفيروس جالسًا خلف مكتبه العريض المصنوع من الخشب الأبيض، يرفع فنجان الشاي ببطء، وعيناه مثبتتان على النافذة حيث كانت الستائر تتحرك بخفة، رغم أن الغرفة مغلقة تمامًا.
*هل وصلا بخير…؟*
مرت الفكرة في ذهنه دون أن يُظهر شيئًا على ملامحه.
طرقٌ خفيف على الباب قطع شروده.
**الماركيز**
« تفضل.»
انفتح الباب بهدوء، ودخل شخص ما بي عباءة تغطي رأسه .
التعليقات لهذا الفصل " 49"