بوصولنا إلى الفصل 45، تدخل الرواية منعطفاً يتطلب نوعاً مختلفاً من الهيمنة. الغلاف الذي تروه الآن ليس مجرد صورة، بل هو تجسيد للمرحلة الحالية: مرحلة الإرادة، الهيبة، والسيطرة الصامتة.
لقد اخترت هذا الغلاف ليُظهر الجانب الذي يسبق الانفجار؛ حيث تُبنى القوة في الظل ويُفرض الاحترام بالوجود قبل الفعل.
أما عن الغلاف السابق..هل ودعناه
بالطبع لا لم يذهب بعيداً. لقد كان يمثل ‘الذروة في المنتصف’ التي نسير نحوها بخطى ثابتة. سيعود ذلك الغلاف ليتصدر الواجهة في اللحظة التي يقرر فيها بطلنا أن الوقت قد حان.
استعدوا.. فنحن الآن ننتقل من مرحلة ‘إثبات الذات’ إلى مرحلة ‘فرض السيادة’. الغلاف القادم سيعود حين تستحق الأحداث هيبته!” [و من الممكن يتطور الغلاف] أستمتعو…..
الفصل الخامس والأربعون: اختراق المتقن ووداع الحدود الحديدية
في القصر الملكي: غرف شؤون المملكة
ساد الصمت الثقيل أرجاء الغرفة الواسعة، ولم يكن يقطعه سوى صرير قلم السكرتير قبل أن يتوقف فجأة. انحنى السكرتير برأسه في احترام شديد وقال بنبرة خفيضة.
«جلالة الملك، بخصوص ما أمرت بالبحث عنه… لقد تقصينا الأمر كما أردت في المنطقة الغربية النائية، توجد مغارات قديمة غير مستكشفة، وهي أماكن منسية لا يلقي لها أحدٌ بالاً بسبب جهل ما فيها »
لم يرفع الملك بصره عن الأوراق التي أمامه، بل أجاب بصوت رخيم يحمل سلطة لا تُناقش.
«أرسل رسالة فورية إلى الأميرين؛ عليهما التوجه لاستكشاف تلك المنطقة دون إبطاء».”
« أمرك يا جلالة الملك ».”
استدار السكرتير نحو طاولته وجلس بهدوء، وبدأت ريشة قلمه تخط الرسائل الرسمية بسرعة ودقة. وبينما كان غارقاً في عمله، اخترق صوت الملك برود الغرفة بسؤال مفاجئ.
«هل تعتقد أن هناك شيئاً نجهل وجوده تماماً؟»
جفل السكرتير، وتوقفت يده عن الكتابة للحظة، ثم تساءل بحذر:
« ماذا تقصد يا جلالتك؟»
وضع الملك قلمه ببطء، ثم نهض بوقار واتجه نحو النافذة العملاقة المطلة على العاصمة المترامية الأطراف. حدق في الأفق البعيد حيث تختفي الشمس، وهمس وكأنه يحادث نفسه.
« همم… يراودني شعور بأن هناك شيئاً قد نسيناه في أرجاء هذه القارة. وعلى الرغم من أننا نعلم بوجود قوى ومخلوقات غيرنا هنا، إلا أننا لم نجرؤ يوماً على التعمق في أسرارهم…»
صمت الملك للحظة، ثم وضع يده على زجاج النافذة البارد، وضغط بأطراف أصابعه وهو يكمل بنبرة مليئة بالإصرار والوعيد.
« أنا… سوف أصل إلى ذلك الشيء، مهما كان ثمن الوصول.»
وفجأة، التفت الملك نحو السكرتير، وتغيرت نبرة صوته لتصبح ذات برود قاتل ، وسأل.
« هل أُرسلت الرسالة ؟»
أجاب السكرتير بسرعة وهو يحني رأسه:«أجل يا جلالة الملك، لقد أُرسلت كما أمرتم.»
عاد الملك بنظره إلى النافذة، وكأنه لم يعد يرى العاصمة بل يرى شيئاً آخر تماماً، ثم قال بهمس خافت كفحيح الأفعى.
« هذا الشيء غير النافع… يجب أن يختفي.»
ـــــ
الحدود الحديدية : ساحة التدريب
بعد أيام من القتال العنيف والمتواصل في ذلك الأسبوع الأخير، كانت الساحة غارقة في الغبار…
“كلكلك” تردد صوت اصطدام سيفين في ساحة التدريب بلا توقف، حادًّا وثقيلًا كأنه يدق على أعصاب المكان نفسه. تحرك كاي والقائد مايكل في دوائر ضيقة، ضربات سريعة، صدّ محكم، وتراجع محسوب. لم يكن أيٌّ منهما يستهين بالآخر.
صرخ القائد مايكل وهو يوجه ضربة ساحقة.
«أهذا كل ما لديك قبل الرحيل؟!».
كان العرق يتصبب من جبين كاي، ينساب على عنقه ويمتزج بأنفاسه اللاهثة. عضلاته تصرخ احتجاجًا، وذراعاه ترتجفان مع كل صدّ، لكنه لم يتراجع. كل ضربة يتلقاها كان يستوعبها، يضغط عليها في داخله، يحوّل الألم إلى وقود.
«لا يكفي…» قال وهو يلهث، أسنانه مطبقة. «لا يزال… ليس كافيًا!»
في تلك اللحظة، شعر كاي بشيء ينفجر داخل عروق قلبه ، و الصدى الذي كان يتدفق باضطراب استقر فجأة، وأصبح يرى حركة سيف القائد ببطء طفيف. اندفع كاي، ليس بدافع الخوف، بل بدقة متناهية، وصد الهجوم ثم عكسه بحركة لولبية أطارت الغبار من حولهما.
ثم بصرخة مكبوتة تفلت من صدره. و تحرك الهواء حول جسده. لم يكن انفجارًا صاخبًا، بل ضغطًا غير مرئي، و كأن سحر الرياح نفسه هوا الآخر انصاع لإرادته. التفّت القوة حول سيفه، حادة ومضغوطة، لا مجال فيها للتردد.
ضربة واحدة.
لم تكن الأسرع فقط، بل الأكثر اكتمالًا. سرعة، دقة، وثقل وجودي صُقل خلال عام كامل من التجسيد والقتال الحقيقي.
تراجع القائد مايكل خطوة واحدة.
ثم… سُمع صوت خافت في الهواء، كصوت تصدّع زجاج غير مرئي، أعقبه هدوء عميق. سكون لم يقطعه سوى أنفاس كاي الثقيلة.
رفع القائد سيفه ببطء، ثم خفضه، وعيناه تلمعان بابتسامة واضحة.
«مبروك يا كاي.» قالها بهدوء، لكن نبرته لم تخفِ الفخر. «لقد اخترقت مستوى المتقن في المبارزة. لقد فعلتها.»
سقط كاي على ركبتيه، كأن جسده قرر أخيرًا الاستسلام. أنفاسه متقطعة، العرق البارد يغطي جبينه، لكن ابتسامة واسعة ارتسمت على وجهه دون أن يشعر و هوا ينظر لي السماء .
فعلها.
يغمد القائد سيفه ببطء بابتسامة واسعة على وجهه « لم أرَ أحداً يملك غريزة قتالية مثلك من قبل.»
أنزل كاي رأسه ببطء، و توقفت أفكاره لحظة، وكأن كلمات القائد فتحت بابًا لم يُغلق بعد.
كاي (في نفسه):
«غريزة قتالية؟ ربما… لكن هناك شيءٌ آخر يا معلمي. أشعر وكأن الخوف الذي كان يسكنني بدأ يتبخر تدريجيًا. في البداية كنت أرتعد أمام الوحوش، ثم صرت أواجهها بحذر، أما الآن… أشعر بنوعٍ من الخدر تجاه المواجهة. لم أعد ألقي بالًا للإصابة أو الخطر، وكأن القتال أصبح روتينًا يوميًا.
هل هذا هو الثمن؟ هل بدأت أفقد إنسانيتي… أم أنني فقط… اعتدتُ على الوقوف بين الوحوش والبشر على حدٍّ سواء؟»»
هزّ رأسه بخفة، متجاهلًا ذلك الشعور المزعج، ثم التفت إلى القائد بابتسامة هادئة أخفت خلفها ذلك التحول البارد.
«شكرًا لك يا معلمي، لولا تدريباتك القاسية لما وصلت إلى هذا المستوى أبدًا.»
القائد مايكل (بنبرة جادة):
«كاي، تذكّر دائمًا… السيف لا يصنع المحارب، بل القلب الذي يحمله. لا تدع قوتك تنسيك لماذا تقاتل.»
ثم أضاف بصوت أعمق:
«ولا تنسَ شيئًا آخر… ما واجهته هنا ليس سوى البداية. في طريقك ستقابل من هم أقوى منك، أشد قسوة، وأبرد قلبًا. أعداء لن يمنحوك فرصة للتعلّم أو الخطأ. إن ظننت أن هذا المستوى نهاية الطريق، فسيكون ذلك آخر أوهامك»
انزلق في فكر كاي لحظة.
مرت في ذهنه صورة أولئك الذين ظهروا من العدم… أصحاب الأردية السوداء.
ذلك الشعور الثقيل، ذلك الضغط الذي لم يشبه وحشًا ولا إنسانًا، القوة التي جعلت المكان نفسه يبدو ملوثًا بوجودهم.
«حتى الآن… لم نتأكد من اختفائهم. لو واجهت أحدهم، أقوى من أولئك الذين صادفناهم في الممر… وجهاً لوجه، هل سأصمد ؟
ثم انزلق فكره إلى مكانٍ آخر… أبعد، لكنه لا يقل خطورة.
القصر الملكي. العرش. الملك… والأمراء.
قوى لا تُقاس بالسيف وحده، ولا تُظهر أنيابها علنًا.
«هناك… الخطر لا يأتيك من الأمام. هناك من يبتسم وهو يقرر مصيرك.»
و شعر كاي وكأن القائد قد لمح ذلك البرود في عينيه… وذلك الشعور الذي لم يجد له اسمًا بعد.
تقلّص الشك داخله قليلًا، واستقرت الكلمات بثقلها في صدره.
أومأ ببطء، وعيناه مثبتتان.
«أفهم… ولن أنسى.»
و في أعماقه، كان صدى آخر يتردد بصمت:
«الوحوش، الأردية السوداء، وحتى الملك والأمراء… جميعهم يقفون في الطريق ذاته.
الفرق الوحيد هو شكل السكين.
*لهذا السبب تحديدًا… سأزداد قوة . ليس لأفوز، بل لأبقى حيًّا حين يأتي أولئك.»
—
لم ينل كاي راحةً حقيقيةً في ذلك اليوم. انتشر الخبر سريعًا بين الجنود المعتمدين والموثوقين، وامتلأت ساعاته بالتهاني والنظرات المندهشة لإنجازٍ لم يسبقه إليه أحد في مثل سنّه. وكان هناك من يقدّم التهاني دون أن يدرك تمامًا سببها أصلاً .
و في المساء، جلس مع القائد مايكل على وجبة بسيطة، هادئة، كأنها تحاول تأجيل الوداع.
نظر القائد إليه طويلًا، وعيناه تحملان حزنًا لم يحاول إخفاءه.
«كنت أتمنى لو بقيت معي فترة أطول، يا فتى.» تنهد. «رحيلك يؤلمني… لكني أتمنى أن تكون قويًا بما يكفي لمواجهة أفاعي القصر. أو على الأقل، لتحمّلهم.»
أومأ كاي بثبات.
«سأكون بخير، يا معلمي. شكرًا لك… على كل شيء.»
ضحك القائد بخفة، ونظر إلى شعر كاي الطويل.
«على الأقل، قصّ شعرك قبل العودة. بهذا المظهر تبدو كخارج عن القانون، لا كأمير. يجب أن تظهر بأفضل هيئة أمام الملك.»
لمس كاي شعره المعقود خلف رأسه، وابتسم.
«معك حق. سأعود بصورة الأمير السادس المنضبط… ولو مؤقتًا.»
و في تلك الليلة، وبينما كان يراقب النجوم قبل رحيله ، أدرك أن كاي الذي دخل الحدود الحديدية ليس هو نفسه كاي الذي سيغادرها غداً باتجاه العاصمة.
—
في صباح اليوم التالي، خرج كاي من ثكنته وقد قصّ شعره بشكل بسيط وأنيق. انكشفت ملامحه الحادة أكثر، وبدا أكبر… وأكثر نضجًا.
كان الجميع في انتظاره.
سيرا، كيرا، القائد راش، وعشرات الجنود اصطفوا بصمت. تقدمت سيرا أولًا، عيناها تحملان قلقًا صادقًا.
«اعتنِ بنفسك، يا كاي. وكن حذرًا.»
ابتسم لها.
«سأفعل.»
ضربت كيرا كتفه بخفة، وابتسامتها واثقة.
«أنت موهوب. أعلم أنك ستتفوق عليّ يومًا ما. أنتظر ذلك اليوم… حين نتبارز مجددًا.»
أومأ راش باحترام.
«أتمنى لك كل التوفيق، أيها الأمير الشاب.»
نظر كاي إلى الجنود، إلى الوجوه التي قاتل معها، عاش معها، ونما بينها. شعر بشيء لم يعرفه من قبل… شعور العائلة.
«وداعًا جميعًا.» قالها بابتسامة مشرقة. «سنلتقي مرة أخرى، يومًا ما.»
امتطى حصانه، وعبر بوابة الحدود الحديدية دون أن يلتفت.
—
وقف القائد مايكل يراقبه حتى بدأ يختفى عن الأنظار.
«لقد كبر حقًا…» تمتم. وضع يده على صدره، وابتسم بحزن فخور. « أعتقد انه سيكون عظيمًا بين حلفائه… وخطيرًا على أعدائه. وحشنا الصغير… اعتنِ بنفسك.»
وبينما كان ظهر كاي يبتعد تدريجياً عن أنظارهم، خيّم صمت قصير على الساحة.
كسرت كيرا الصمت وهي تلتفت نحو القائد مايكل بنبرة مترددة:
«أيها القائد… لماذا لم تسأله عن ذلك الشيء حتى غادر؟»
رفع مايكل حاجبه باهتمام.
«أيّ شيء تقصدين؟»
شدّت كيرا قبضتها قليلًا قبل أن تجيب:
«ذلك الإحساس… النبض الذي شعرنا به جميعًا في تلك المرة، عندما أيقظ قوته و دمر الخيمة.»
ابتسم القائد ابتسامة خفيفة، وكأن السؤال لم يفاجئه.
«ولماذا لم تسأليه أنتِ؟»
تنهدت كيرا بخفة، ثم قالت دون تردد:
«هاه… لأنني أثق به.»
انفجر مايكل ضاحكًا، ضحكة قصيرة دافئة.
«إذن هذا هو سببي أيضًا.»
سادت لحظة صمت أخرى، قبل أن تضيف كيرا وهي تنظر إلى الأفق حيث اختفى كاي:
«لا أعرف كيف أصفه… لكن أيًّا كان ذلك الشيء، فهو مهيب. ومع هذا، أشعر أن كاي… يتناغم معه بسلاسه الان و حتى في المستقبل .»
أومأ مايكل ببطء، ثم استدار قائلاً:
«هيا، لنعد إلى القاعدة.»
وتحرك الاثنان جنبًا إلى جنب، بينما تركا خلفهما ساحة التدريب، وشيئًا غامضًا لم يُسأل عنه… بعد.
في تلك اللحظة، كان القائد راش يقف غير بعيد، وعيناه مسمّرتان على ظهر كاي وهو يغادر، نظرة حادة لا تخلو من الشك. تمتم بصوت منخفض، بالكاد سمعه من يقف إلى جواره:
«هل حقاً… يأخذ ذلك السيف كزينة فقط ؟»
التفتت كيرا نحوه، تراقب ملامحه المتجهمة بشيء من الاستغراب والريبة. تسلل إلى خاطرها تساؤل صامت أثار فضولها:
«همم… ما خطبه؟ هل يُعقل أن راش لا يعلم بإتقان كاي لتقنية الصدى؟»
—
امتدّت السهول أمام كاي بلا نهاية، والحصان يشقّ الطريق بثبات.
«لم يرسلوا حتى عربة…» تمتم بضيق. «وأعود على حصاني؟ هاه.»
ربّت كاي على عنق الحصان ببطء، وأمال جسده للأمام قليلًا.
وابتسم كاي بخفة، وصوته أصبح أهدأ.
« شكراً لأنك توصلني الآن أيضًا كنت رفيقي طوال هذه المدة في الحدود الحديدية… حملتني في البرد والثلج، ولم تتراجع مرة واحدة.»
« لذا هيا يا رفيق… لنعد إلى العاصمة معًا.»
ثم، بدأ التفكير.
*الحفل السنوي لمملكة أروس… تقييم؟ أم إذلال؟*
توقفت مؤامراتهم في الحدود الحديدية بشكل مريب. ذلك لم يطمئنه.
*بحسب ما قاله معلمي، سبب استدعائي هو الحفل السنوي لمملكة أروس. إذاً، هل نسوا حقاً اتفاقنا، أم ماذا؟ قال معلمي إنه يمكن أن يكون سبب استدعائي أيضاً هو تقييم قيمتي أو إذلالي
على كل حال… في العاصمة، سأتمكن أخيرًا من ضخ سحر العناصر.*
ارتسمت ابتسامة ماكرة على وجهه.
«إيدن، يمكنك التحول إلى هيئتك الأصلية.»
«حقًا؟!» جاءه الصوت بحماس. «يا هووو!»
بوووش!
انفجرت هالة صغيرة، وتحول إيدن إلى هيئة التنين الصغير. ارتعب الحصان ورفع قدميه الأماميتين.
«اهدأ! اهدأ!» قال كاي وهو يمسك باللجام.
«اهدأ… لم أقصد إخافتك.»
تنفّس الحصان بعمق، وخفّ توتره تدريجيًا تحت يده.
وحين استقر الحصان، حدّق كاي في التنين الصغير االذي يحلق فوقه بدهشة.
التعليقات لهذا الفصل " 45"