راقب دوريان لويلا وهي تغادر غرفة الاستقبال. تداخل خيال قوامها المبتعد للحظة مع صورة والدته في ذهنه، لكن في عينيه، لم تكن هناك أي صلة تشابه بينهما على الإطلاق.
كانت شخصيتاهما مختلفتين تماماً، والأم التي تذكرها كانت أكبر سناً، وشعرها قد غدا باهت اللون.
لماذا نادى ليوين هذه المرأة بـ “أمي”؟ حتى مع وضع فقدان الذاكرة في الحسبان، كانت الفوارق أكبر من أن تُتجاهل. لطالما وجد دوريان فهم شقيقه الأصغر أمراً مستحيلاً.
حسناً، مَن ذا الذي يمكنه فهم ما يختلج في قلب طفل في السادسة؟
“… لقد أنهته.”
لقد ادعت أن شاي الياسمين لا يناسب ذوقها، ومع ذلك شربت الكوب كاملاً قبل رحيلها.
لا بد أنها كذبت بدافع الكبرياء الجريح.
حين تذكر كيف اتسعت عينا لويلا ولمعتا بعد الرشفة الأولى، ارتسمت على وجهه ابتسامة غير مقصودة. سرعان ما استعاد وقاره وجذب حبل الجرس.
“لقد استدعيتني، سيدي.”
دخل الخادم فوراً واضعاً يده فوق صدره. دون أن يرفع دوريان نظره، أشار بيده:
“نظف المكان، وتحرَّ عن الآنسة لويلا. وأيضاً…”
توقف. مسح على ذقنه، وصمت لفترة كافية جعلت الخادم ينتظر في سكون تام.
… لا بأس بهذا.
“جهِّز المزيد من أنواع شاي الزهور الخفيفة. تشكيلة متنوعة.”
أخرج دوريان الكلمات بصعوبة بعد أن حرك فمه عدة مرات. شعر بعدم ارتياح غريب، رغم أنه لم يكن شعوراً سيئاً؛ كان أقرب إلى الحرج.
حتى هو لم يعرف السبب.
بما أنها أنهت شاي الياسمين، فلا يبدو أنها تكره شاي الزهور تماماً. راقب الخادم وهو ينحني ويغادر، ثم دخلت الخادمات برؤوس مطأطئة لرفع الأكواب والحلويات التي لم تُلمس.
بينما كنّ يرفعن الكوب من الجانب الآخر للطاولة، تخيل تلك الأصابع النحيلة الملطخة بأثر الحبر وهي تمسك بالمقبض منذ قليل.
بالنسبة لشخص قد يموت بسبب أخي، فإن هذا اللطف الصغير على الأقل…
… لن يُصنف تحت بند تلك “العلاقة الخاصة”.
’ستشعرين بالامتنان لي. في اللحظة التي يُكشف فيها أنكِ جعلتِ ليوين يتحدث، سيستهدفونكِ أنتِ أيضاً.‘
فكر في الكلمات التي عجز عن قولها للويلا وهو يراقب الغرفة وهي تُنظف، وكأن أحداً لم يجلس قبالته قط.
عندما غادرتُ غرفة الاستقبال، غمرني إرهاق شديد. تنهدتُ وتوجهتُ نحو المدخل الرئيسي. رمقني الفارس المتمركز هناك بنظرة مرتبكة حين التقت أعيننا.
“إلى أين أنتِ ذاهبة؟”
“أريد استكشاف الأرجاء قليلاً.”
“سأرافقكِ كحارس.”
نقر على غمد سيفه وهو يتحدث. كنتُ مستنزفة بالفعل، وسماع أن شخصاً ما سيتبعني في كل مكان أشعل في داخلي شرارة الانزعاج.
“لن أخرج من البوابات، سأتمشى فقط حول القصر. هل أحتاج حقاً لمرافق؟”
دارت عينا الفارس وكأنه يقيم الموقف، وبعد لحظة أجاب:
“لا.”
“سأعود قريباً حقاً، لذا لا تقلق.”
“موعد الغداء ليس بعيداً. يرجى العودة قبل ذلك.”
انحنى لي، فأومأتُ له بالمقابل.
تمتد حديقة الدوق بلا نهاية، وتضم غابة وتلالاً صغيرة. كان الجزء الذي يعتني به البستانيون فعلياً أصغر بكثير من المساحة المصنفة كحديقة.
بينما كنتُ أمشي وحدي، تذكرتُ مشهداً من الرواية الأصلية حيث يتسلل الأبطال سراً إلى مقر الدوق. بدا الأمر درامياً جداً في الكتاب، لكن برؤية القصر على أرض الواقع، بدا التسلل أمراً ممكناً تماماً.
لم أصادف أحداً منذ أن حييتُ البستاني بالقرب من القصر. سرت قشعريرة في ذراعيّ بلا سبب، فمسحتهما بيديّ. ربما كان عليّ قبول المرافق، لكني كنتُ بحاجة لوقت هادئ للتفكير.
استنشقتُ بعمق، تاركةً رائحة العشب تملأ رئتيّ، وأعدتُ شريط المحادثة في رأسي.
’أنني أستطيع جعل ليوين يتحدث…‘
هذا هو السبب في كوني مهددة.
أحبطني الأمر، لكن بالنظر من وجهة نظر الدوق، لم أستطع لومه. حتى أنا كان بإمكاني رؤية كيف ترتبط هذه القدرة بموت ليوين في القصة الأصلية.
هل أتيتُ إلى هنا عبثاً؟
على عكس مخاوفي الأولية، كان الدوق يعز شقيقه الأصغر بعمق. ومن منظوره، لا بد أنني أبدو وقحة ومريبة. أليس من الأفضل إذاً أن أطالب بتعويض الآن وأهرب إلى بلد آخر؟
على أي حال، حتى لو اندلعت حادثة المخدرات، فإن الأبطال سيوقفون العقل المدبر بأنفسهم…
لكني تذكرتُ أن الرواية لا تزال قيد النشر. لقد تحول الكاتب من قصة “حريم عكسي” إلى قصة مظلمة وكئيبة. لم يكن هناك ضمان لنهاية سعيدة.
ضغطتُ بأصابعي على صدغيّ. حتى لو حاولتُ إيقاف الأمور، إذا اتبعت القصة المسار الأصلي، فسينتهي الأمر بليوين ميتاً. هل يمكنني حقاً مشاهدة ذلك يحدث؟
تنهدتُ. لقد آويته لأنني أسقطتُ حالي في الماضي عليه؛ لأنه بدا وحيداً، لأنه بدا يتيماً. لكن ليوين لم يكن وحيداً ولا يتيماً، وبصفته عضواً شرعياً في عائلة دوقية، لن يموت من الفقر.
لكنه سيموت قبل ذلك.
“آه…”
هل أحتاج حقاً للقلق بشأن هذا؟ إنها مجرد رواية. إذا ماتت شخصية وفقاً للحبكة…
’أمي!‘
انتفض رأسي للأعلى عند سماع الصوت الذي تردد بوضوح في عقلي. بحثتُ حولي، لكن لم يكن هناك أحد. من بعيد، كانت أغصان الأشجار تتمايل. لامست الريح وجنتي، وتطاير شعري على وجهي.
“هه.”
أفلتت مني ضحكة خاوية.
’ما الفائدة من التفكير في أنها مجرد رواية الآن…‘
أزحتُ شعري المتطاير خلف أذني وأخذتُ نفساً عميقاً آخر. ملأ الهواء النقي رئتيّ، وأصبحت روائح التربة الرطبة والعشب والأوراق، التي لم ألاحظها سابقاً، واضحة وحية.
“تماسكي.”
منذ اللحظة التي آويتُ فيها ليوين، فقدتُ خيار العيش خارج نطاق الرواية. حتى لو هربتُ، هل سيتركني العقل المدبر وشأني؟ أنا التي تواصلت مع شقيقه، خاصة إذا مات ذلك الشقيق لاحقاً؟ كما أن اللحظات التي قضيتها مع ليوين كانت اللحظات التي شعرتُ فيها حقاً بأنني “حية” هنا.
هل يمكنني حقاً أن “أعيش”؟
ربما لم يكن لقاء ليوين مصادفة، بل قدراً.
شطبتُ بصرامة الهدف الذي وضعته في ذهني. في هذه المرحلة، إنقاذ ليوين هو خياري الوحيد. ارتجفت يداي.
هل يمكنني فعلاً فعل ذلك؟
حين فشل العقل المدبر نفسه، وهو من يملك المكانة والثروة والسحر الهائل، هل يمكنني أنا إنقاذ ليوين؟
التفتُ نحو القصر. المبني من الحجر الرمادي المرصوص، بدا وكأنه قلعة حتى من بعيد.
“مع ذلك، أنا عابرة للأبعاد. يجب أن أمتلك على الأقل ‘ميزة العابرين’ أو شيئاً من هذا القبيل.”
تمتمتُ بصوت منخفض، غالباً لتشجيع نفسي. رغم أنني لا أملك أي مانا على الإطلاق، من يدري؟ ربما لدي قدرة أخرى. قبضتُ يدي وبسطتها قبل أن أسير عائدة نحو الحديقة.
وصلتُ إلى القسم حيث تظهر الزهور المتفتحة بوضوح، حين ناداني صوت مألوف من جهة اليمين.
“أمي!”
كان هو نفسه الصوت الذي تردد في ذهني قبل قليل. التفتُّ نحوه، وهناك وقف ليوين، وقد اغتسل وارتدى ملابس جديدة، وبدت وجنتاه ورديتين ومشرقتين.
“ليوين!”
انحنيتُ وفتحتُ ذراعيّ على اتساعهما. وبينما كان ليوين يركض نحوي، كان شعره بلون القمح يتطاير مع كل خطوة.
·•—–·•—–٠✤٠—–•·—–•·
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"