1 - 1
على الساحل الجنوبي لقارة ارئيل سيرينديا، تقع قرية صيد صغيرة تسمى إرنيل.
كان المكان منعزلاً في مكان هادئ، وكان بعيداً كل البعد عن متناول أي مسؤول.
بالقرب من مدخل القرية كان يعيش زوجان مسنان يدعيان هانز ومارتا.
لقد فقدوا جميع أطفالهم بسبب وباء منذ زمن بعيد بمن فيهم ابنتهم الحامل.
كان أهل إرتيل بسطاء وطيبين القلب، وقد اعتنى أهلها جيداً بالزوجين المفجوعين.
على الرغم من أن هانز ومارتا شعرا بأن الحياة لم تعد تحمل أي معنى، إلا أنهما استمرا في العيش بدافع الشعور بالذنب والامتنان تجاه جيرانهما الذين أظهروا لهما الكثير من الدفء.
في أحد الأيام، وبينما كان هانز ومارتا يسيران على طول الشاطئ، وجدا امرأة محاصرة بين الصخور.
كانت تتمتع بوجه شاب وشعر بني فاتح، وبشرة بيضاء كاللؤلؤ. ومع ذلك، كان جسدها مغطى بالندوب كما لو أنها عانت من حياة مليئة بالمصاعب.
في البداية ظن الزوجان أنها جثة جرفتها الأمواج إلى الشاطئ.
في بعض الأحيان، كانت جثت ضحايا حطام السفن أو حوادث الغرق تجرفها الأمواج إلى ساحل إرتيل، لذلك لم يكن هذا الأمر غير متوقع تماما.
أشفقوا عليها، فقرروا دفنها في مكان مشمس.
لكن عندما اقترب هانز أكثر، لاحظ أن صدرها يتحرك بشكل خافت – كانت لا تزال تتنفس بالكاد.
فزعوا فسارعوا إلى طلب المساعدة وحملوها إلى منزلهم.
لم يكن لدى مكان ارئيل طبيب.
وفي بعض الأحيان، كان يمر معالج بالأعشاب متجول من قرية بعيدة، ليكون بمثابة أقرب شيء إلى الطبيب.
في ذلك اليوم، قام المعالج بالأعشاب بفحص المرأة بعناية.
“لا يبدو أنها ستنجو يا كبير السن لا استطيع أن أتخيل نوع الحياة التي يمكن أن تترك شخصا مصابا بجروح كهذه….”
كان جسدها يحمل ندوباً ظاهرة وأخرى خفية.
كان أحدها على جانبها عميقاً وجديداً بشكل خاص، كما لو أنه أصيبت به مؤخراً.
“هذا يبدو كجرح من وحش، وما هذا؟ وشم؟”
كانت هناك علامة حمراء داكنة على أسفل ظهرها تشبه أنياب حيوان.
“لون شعرها ليس طبيعياً أيضاً. يبدو وكأنه مصبوغ – انظر هنا؟”
على الرغم من أنها بدت بنية فاتحة في البداية، إلا أن الجذور التي تمت حديثاً بالقرب من فروة رأسها كانت ذات لون أحمر نابض بالحياة.
“لا بد أنها كانت متورطة في شيء خطير.”
“برأيي، من الأفضل تركها تموت، فالتدخل قد لا يجلب إلا المشاكل.”
نظر هانز إلى الشابة، التي كان تنفسها خافتاً لكنه منتظم.
ولحسن حظه بدت وكأنها تتعافى فقد أصبحت أنفاسها أكثر هدوئا مما كانت عليه عندما انتشلوها من البحر. وكان هذا التعافي أمرا غير منطقي، إذ لم تتلق أي علاج على الإطلاق.
“كيف لي أن أتركها تموت؟”
لو نجت ابنتهما من الطاعون، لكانت هذه المرأة في نفس عمر ابنتهما.
“لقد ظهرت أمامي بالفعل. كيف لي أن أتظاهر بعدم رؤيتها؟”
لم يكن المعالج بالأعشاب رجلاً قاسياً بطبيعته.
أطلق تنهيدة طويلة وأوماً برأسه على مضض.
“حسنا… أعتقد أنك محق. ليس هناك الكثير مما يمكنني فعله، لكنني سأعطيك على الأقل بعض الأعشاب للمساعدة في استعادة قوتها.”
“دعنا نأمل فقط ألا تكون شخصا سيئا.”
استعادت المرأة وعيها في وقت لاحق من تلك الليلة.
عندما استيقظت بدا أنها لا تتذكر شيئاً على الإطلاق.
لم تستطع الإجابة عندما سئلت عن اسمها أو عمرها.
لذلك أطلق عليها هانز ومارتا اسفا – ليستا – وهو الاسم الذي اختاراه ذات مرة لحفيدتهما التي لم تولد بعد.
“ليستا. ليستا.”
کررت اسمها مراراً وتكراراً مبتسمة بفرح بريء – كما لو أنها لم يكن لها اسم من قبل.
خلافاً لمخاوف المعالج بالأعشاب، لم تكن ليستا خبيثة.
في الواقع، بدت وكأنها شخص لم يعش ما يكفي من الحياة ليطور إحساساً بالضغينة.
كانت ليستا نقية مشرقة، وساذجة تماماً مثل طفل حديث الولادة.
في البداية، كان أهل إرنيل حذرين منها ومتوجسين منها.
لكن بعد شهر اضطروا للاعتراف بأنها بريئة كطفلة.
على الرغم من عدم ثقتهم بالغرباء، كان القرويون دائماً لطفاء مع الصغار والضعفاء.
كلما ابتسموا لليستا، كانت تبتسم لهم بابتسامة أكثر إشراقاً.
“هل هناك أي شيء يمكنني المساعدة فيه؟”
كان قلبها رقيقاً وبريئاً كقلب طفل، لكنها كانت قوية.
في الواقع، كانت أقوى من برام، وهو أضخم نجار في القرية.
كانت تستطيع رفع الأحمال بسهولة تامة، حتى أنه كان يجد صعوبة في رفعها باستخدام ذراع واحدة فقط.
الأشجار التي كان يحتاج إلى عدة ضربات فأس لإسقاطها، استطاعت هي إسقاطها بضربة واحدة.
لقد عاش سكان إرنيل حياتهم كلها في هذا المجتمع الساحلي الصغير الذي لم يمسه التغيير.
لم يكن لديهم أدنى فكرة أنه وراء شواطئهم الهادئة، يوجد أناس سيخونون ويستغلون ويدمرون من أجل السلطة والربح.
بالنسبة لهم كان الجشع أمراً بسيطاً وشبه بريء.
أتمنى ألا تصادف وحوش البحر اليوم.
أتمنى أن يكون الصيد وفيراً.
أتمنى أن تتمر أشجار التفاح التي زرعناها العام الماضي ثماراً كثيرة.
هذا كل شيء.
لم يخطر ببالهم أبدا أن هذه الشابة الغريبة والقوية ربما تكون قد تعرضت للاستغلال من قبل أشخاص يسعون إلى السلطة الأبدية، ثم تم التخلي عنها.
لم يمض وقت طويل حتى أصبحت ليستا عزيزة على كل من في ارئيل.
كانت مرحة ومشرقة.
كانت تبتسم دائماً أثناء عملها، بغض النظر عن مدى صعوبة المهمة أو ثقلها.
قامت ببناء حواجز لإبعاد الوحوش البرية عن القرية، وأصلحت الجدران المتضررة من العاصفة، وحطمت الصخور الضخمة التي كان من المستحيل على أي شخص آخر كسرها.
لقد فعلت كل هذا بسهولة، وما زالت تبتسم.
عندما حاول القرويون أن يقدموا لها شيئاً في المقابل، كانت تخفي يديها خلف ظهرها وتضحك.
“لا بأس، فقط نادي علي مرة أخرى إذا احتجت إلى مساعدة في المرة القادمة.”
يبدو أنها تفضل أن تنادي باسمها، ليستا، على أن تتلقى الفاكهة أو الخضراوات كشكر.
كان الأمر كما لو أن مجرد مناداتها باسمها منحها الثقة لتحقيق أي شيء.
أعرب القرويون عن تقديرهم الشديد لكيفية تعاملها مع وحوش البحر التي ظهرت بالقرب من الشاطئ.
كلما أبحر الصيادون ولو لحافة قصيرة من الشاطئ، كان من شبه المؤكد أن يهاجمهم وحش.
كانت هذه المخلوقات قوية وسريعة وقاتلة – أكثر مما يستطيع القرويون محاربته حتى لو تعاونوا جميعًا.
بسبب الوحوش، لم يكن بإمكان سكان إرنيل الصيد إلا بالقرب من الساحل.
عندما سمعت ليستا مخاوفهم ابتسمت ابتسامة مشرقة وقالت:
“سأعتني بالأمر، انتظرو قليلاً فقط.”
على الرغم من محاولة هانز ومارتا والقرويين الآخرين إيقافها، استقلت ليستا سراً قارباً إلى البحر وعادت وهي تجر جثة مخلوق ضخم خلفها، وتتدلى مخالبه العديدة على سطح القارب.
قالت بابتسامتها المشرقة المعتادة: “كان عددهم كبيراً جداً، لذا لم أتمكن من جمعهم جميعاً، لكن حتى الصخرة التي تشبه السلحفاة. أصبحت آمنة الآن.”
لم يكن أهل ارئيل يعلمون أن حتى فرسان الإمبراطورية لا يستطيعون قتل وحش البحر بمفردهم. لقد اعتقدوا ببساطة أن الحظ نفسه قد جرف إلى الشاطئ في صورة هذه الفتاة.
كانوا يعتقدون ذلك حتى اليوم الذي اقتحم فيه فرسان بلاكوود القرية وقتلوا الجميع.
حتى في لحظاتهم الأخيرة، كانت ليستا نعمة لأهل ارئيل.
بينما كانت في عرض البحر تصطاد الوحوش وراء الأفق نزل فرسان بلاكوود فذبحوا كل قروي وأضرموا النار في منازلهم.
عندما وصلت ليستا أخيراً إلى الشاطئ، كانت السماء سوداء من الدخان وكان الهواء مليئاً برائحة الدم والرماد الكريهة.
في لحظة واحدة قاسية، تحولت جنتها إلى جحيم.
“جدي. جدتي.”
لیستا ركضت.
كانت النيران التي تلتهم القرية تلتهم جلدها، لكنها لم تتوقف.
عندما وصلت إلى مدخل القرية، رأت أن منزل هانز ومارتا لا يزال قائماً. ومع ذلك، كان فرسان مسلحون بسيوف ملطخة بالدماء يخرجون منه.
تعرفت ليستا على الدروع التي كانوا يرتدونها.
كما تعرفت على الرجل الذي كان يقودهم.
صرخت باسمه.
“ريكسور بلاين”
لم يتعرف عليها الرجل الذي نودي باسمه..
عندما كانت تعمل لدى عائلة بلاكوود، كانت ترتدي دائماً قناعاً فضياً.
لم يرى وجهها سوى عائلة بلاكوود، وساحر بلاطهم، وجوبرت ويلتر قائد الفرسان.
لم يسبق لريكسور بلاين الذي كان قد خدم تحت قيادة جوبيرت أن رأى وجهها مكشوفاً.
لكن في اللحظة التي رأها تندفع نحوه – في اللحظة التي شهد فيها سرعتها الخارقة – أدرك من هي.
“هل كنتِ على قيد الحياة حقاً …؟”
تمكن ريكسور بصعوبة من رفع سيفه دفاعاً عن النفس، لكن ليستا لم تلق عليه نظرة حتى.
مرت من جانبه مباشرة، وعيناها مثبتتان في مكان آخر.
لم يفهم الفارس الواقف خلف ريكسور ما كان يحدث قبل أن تكسر ليستا رقبته بضربة واحدة.
أمسكت ليستا بسيف الفارس الساقط، وتحركت عبر الدخان ورائحة الدم النتنة كشبح.
لم يظهر سيفها أي رحمة، وكانت ضرباتها أسرع من أن يتمكن حتى أكثر الفرسان خبرة من متابعتها.
وبحلول الوقت الذي سقط فيه خمسة فرسان قتلى عند قدميها كانت ريكسور بلاين قد هرب بالفعل.
ألقت ليستا سيفها، فأصابت فخذه فترنح إلى الأمام، وهو يجر ساقه محاولاً القرار.
انتزعت نصلا آخر من فارس ساقط وألقته مرة أخرى.
جلجل.
بعد أن اخترقت السيوف فخذيه لم يكن يستطيع الحركة تقريباً.
انهار ريكسور إلى الأمام، وسقط ممدداً على الأرض.
سارت ليستا نحوه ببطء وتأن.
التعليقات لهذا الفصل " 1"