لم يكن السقوط طويلاً، لكنه كان كافياً ليمزق إدراك إلينا بالزمن.
عندما فتحت عينيها، لم تجد نفسها في القبو الجليدي، ولم تكن هناك شموع سوداء أو جدران مرمرية.
كانت تستلقي على كومة من الأوراق الجافة والأتربة، بينما كانت خيوط شمس شاحبة تتسلل عبر سقفٍ منهار كلياً.
نظرت حولها بذهول. القلعة التي كانت منذ لحظات تعج بالفخامة الكئيبة والخدم الصامتين، أصبحت الآن مجرد هيكل عظمي حجري تآكل بفعل مرور الزمن.
لم تكن هناك ستائر مخملية، بل مجرد خرق بالية تذروها الرياح.
الجليد الذي كان يحاصر القلعة قد ذاب، ليترك وراءه أرضاً طينية مغطاة بنباتات برية نمت بين شقوق الأرضية الرخامية المحطمة.
“فيكتور؟” نادت بصوت مبحوح، لكن صدى صوتها عاد إليها محملاً ببرودة القبور.
نهضت بصعوبة، جسدها يؤلمها وكأنها خاضت معركة دامت سنوات.
بحثت عن المرآة التي طعنتها، فوجدتها ملقاة في الزاوية. وقد تحولت الى لوحة مرسومة ، الإطار المذهب كان قد صدأ، والقماش أصبح هشاً كأجنحة الفراشة، لكن المثير للرعب هو أن صورة إيزابيلا في اللوحة كانت قد اختفت تماماً، وبقي مكانها ثقب أسود في موقع القلب، يتسرب منه غبار فضي لامع.
أدركت إلينا الحقيقة المرة؛ لم يكن ما عاشته مجرد ليلة واحدة.
القلعة كانت عالقة في فقاعة زمنية صنعها هوس فيكتور، وحين طعنت المرآة التي كانت تمثل روح ايزابيلا في ذلك العالم انكسرت اللعنة، وعاد الزمن لينتقم من كل شيء في لحظة واحدة.
سارت نحو النافذة المحطمة، لترى أن الغابة لم تعد سوداء وميتة، بل كانت خضراء، وفي الأفق، رأت أعمدة دخان لقرية حديثة لم تكن موجودة من قبل.
لقد مرت قرون وهي في الداخل، وكل من عرفتهم أصبحوا الآن مجرد تراب تحت قدميها.
بينما كانت تهم بالمغادرة، رأت ظلاً يتحرك في وسط البهو المهدم.
تجمدت مكانها. لم يكن ذلك الكائن المظلم الذي خرج من التابوت، بل كان فيكتور.
لكنه لم يعد ذلك الكونت المهيب؛ كان يبدو شفافاً، باهتاً، وجسده يتلاشى عند الأطراف مثل الدخان المتصاعد من شمعة منطفئة.
كان يجلس على بقايا كرسيه العظيم، ينظر إلى يديه اللتين بدأتا تتحولان إلى رماد أبيض.
عندما وقعت عيناه عليها، لم يظهر الغضب، بل ظهرت راحة أبدية طال انتظارها.
“لقد فعلتِها يا إلينا”
همس صوته، الذي بدا الآن وكأنه يأتي من مسافة أميال بعيدة.
“لقد حررتِني من سجن الرغبة.”
اقتربت منه، ورغم خوفها، مدت يدها لتحاول لمسه، لكن أصابعها مرت عبر جسده وكأنه هواء بارد.
“ماذا حدث لك؟ أين إيزابيلا؟”
ابتسم بحزن، وهو ينظر إلى الفراغ.
“إيزابيلا ماتت منذ مائتي عام يا صغيرتي. ما كنتُ أحتفظ به لم يكن هي، بل كان خيالاً صنعه ذنبي. عندما قدمتِ فَنكِ فداءً، أدركتُ أن الحب الحقيقي ليس تملكاً، بل هو قدرة على الترك. أنتِ منحتِني الشجاعة لأموت.”
بدأ جسد فيكتور يتلاشى بسرعة أكبر مع صعود الشمس في كبد السماء. نظر إليها بنظرة أخيرة.
“لقد بحثتُ عنكِ في كل قرن، وفي كل وجه.. والآن بعد أن وجدتكِ، يجب أن أترككِ لتعيشي. خذي هذا.. ليتذكر العالم أننا كنا هنا.”
أشار نحو الأرض، حيث سقط الخنجر الفضي الذي استخدمته. كان الخنجر هو الشيء الوحيد الذي ظل جديداً ولامعاً، وكأنه لم يتأثر بمرور الزمن.
“اذهبي يا إلينا. لا تنظري خلفكِ كما فعلتُ أنا. كوني حية.. من أجلي.”
بكلماته الأخيرة، تحول فيكتور إلى سحابة من الغبار الذهبي التي طارت مع الرياح عبر السقف المفتوح، تاركاً إياها وحيدة في صمت الأطلال.
خرجت إلينا من بين أنقاض فالرافن وهي تترنح.
كانت ملابسها قديمة وممزقة، وتحمل في يدها الخنجر الفضي الثقيل.
عندما وصلت إلى حافة الغابة، وجدت طريقاً معبداً بالأسفلت، وسيارات تمر بسرعة لم تألفها.
توقف أحد المارة بذهول لينظر إلى تلك الفتاة التي تبدو وكأنها خرجت من فيلم تاريخي قديم.
“آنستي؟ هل أنتِ بخير؟ من أين أتيتِ؟”
لم تجبه. كانت تنظر إلى يدها الأخرى، لتكتشف أن الندبة التي كانت على عنق فيكتور قد انتقلت إليها، علامة خفيفة بشكل طوق يلتف حول معصمها.
لم تكن لعنة، بل كانت عهداً.
عادت إلينا إلى العالم الحديث، لكنها لم تعد ذات الشخص. أصبحت فنانة مشهورة بلوحاتها التي تصور قلاعاً مهجورة وعشاقاً يرتدون ملابس القرن التاسع عشر بوجوه شاحبة وعيون فضية.
كان الناس يظنون أن لوحاتها من وحي الخيال، لكنها كانت الوحيدة التي تعرف أن كل ضربة فرشاة هي استحضار لروح رجل أحبها عبر العصور.
وفي ليالي الشتاء الباردة، عندما يتجمد الزجاج، كانت إلينا تجلس أمام مرآتها القديمة. لم تعد تغطيها بالقماش الأسود. كانت تنظر إلى الانعكاس، وتنتظر.
وأحياناً، في زاوية العين، كانت تلمح طيفاً لرجل طويل يرتدي الأسود، يقف خلفها بابتسامة باهتة، يضع يده غير المرئية على كتفها، ويهمس مع الرياح
“أنا دائماً هنا.. خلف زجاج العتمة.”
لقد نجت إلينا من الموت، لكنها ظلت سجينة تلك الرومانسية المظلمة للأبد؛ فالحب الذي يولد في القصور المظلمة لا ينتهي بكلمة وداعاً، بل يظل ينبض في ذاكرة الحجر وصدى المرايا.
نهاية القصة الاساسية نراكم في الفصول الجانبية
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تم التاليف بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 9"