استيقظت إلينا على ضوء شاحب يغزو غرفتها، لم يكن ضوء الشمس، بل كان انعكاس الثلج الذي كسا العالم في الخارج بلون الموت الأبيض.
حاولت فتح نافذتها، لكن الزجاج كان متجمداً تماماً، والجليد شكّل أنماطاً تشبه الأسلاك الشائكة على الحواف.
عندما نظرت إلى الأسفل، رأت بوابة القلعة وقد غطاها الثلج لارتفاع أمتار، وكأن الطبيعة نفسها تآمرت مع الكونت لسجنها.
“لا يمكنني البقاء هنا”
همست وهي تحاول سحب مقبض الباب، لتكتشف أن السيدة غريت قد رفعت القفل من الخارج.
قضت إلينا الساعات الأولى من الصباح في حالة من الذهول. كانت كلمات إيزابيلا
“اهربي”
لا تزال تتردد في أذنيها.
بدأت تفتش في غرفتها، لعلها تجد مخرجاً سرياً أو أداة تساعدها، لكنها لم تجد سوى صندوقاً خشبياً قديماً تحت السرير.
فتحته لتجد بداخلها خصلة من الشعر الذهبي، ومفكرة مهترئة تعود لعام 1620.
لم تكن المفكرة تحتوي على كلمات، بل على رسومات تشريحية غريبة للقلب البشري، ممتزجة برموز سيميائية ونصوص بلغات لم تفهمها.
وفي الصفحة الأخيرة، وجدت صورة مرسومة بالفحم لإمرأة تشبهها تماماً، لدرجة أنها شعرت ببرودة تجتاح صدرها. لم تكن إيزابيلا، بل كانت امرأة أخرى.. ربما هي، أو نسخة منها عاشت في قرن آخر.
فُتح الباب فجأة، ودخلت السيدة غريت بجمودها المعتاد.
“الكونت ينتظركِ في قاعة الطعام. لقد أعدَّ مأدبة تليق بضيفتنا الوحيدة.”
“لستُ ضيفة، أنا سجينة“ ردت إلينا بحدة.
لم تجب السيدة غريت، بل اكتفت بالإشارة نحو الممر.
“من الأفضل ألا تثيري غضبه اليوم. الصقيع في الخارج لا يرحم، وهو الشخص الوحيد الذي يمكنه إبقاؤكِ دافئة.”
كانت قاعة الطعام غارقة في ضوء مئات الشموع السوداء، مما أعطى المكان طابعاً كنسياً مهيباً.
فيكتور كان يجلس في نهاية الطاولة الطويلة، يرتدي بزة مخملية حمراء داكنة تشبه لون الدم الجاف.
لم يكن يتناول الطعام، بل كان يراقب كأساً من السائل القرمزي بين يديه.
“اجلسي يا إلينا”قال بنبرة هادئة، لكنها كانت تحمل سلطة لا ترد.
جلست إلينا على الطرف الآخر، تشعر بالمسافة الشاسعة بينهما.
“لماذا أنا هنا حقاً يا فيكتور؟ ولماذا تشبهني تلك المرأة في رسوماتك؟”
وضع الكونت كأسه ببطء، ونهض ليمشي نحوها.
تحركاته كانت تزداد جاذبية وخطورة كلما اقترب.
وقف خلفها ووضع يديه على كتفيها، وشعرت بحرارة غريبة تنبعث منه هذه المرة، حرارة محمومة.
“الحب ليس مجرد شعور، إلينا. إنه طاقة لا تفنى. إيزابيلا كانت روحي، وعندما انتزعها الموت مني، رفضتُ الانصياع لقوانين الطبيعة. استخدمتُ علوماً محرمة لإبقائها.. لكن الثمن كان روحي أنا.”
انحنى وشمَّ رائحة شعرها، مغمضاً عينيه بتلذذ مؤلم.
“لقد بحثتُ عنها في مئات الوجوه عبر القرون. كلما ماتت نسخة منها، انتظرتُ ولادة أخرى. وأنتِ.. أنتِ أجمل صدى لها سمعتُه منذ زمن طويل. أنتِ لستِ مجرد رسامة، أنتِ الوعاء الذي سيعيد إليها الحياة.”
شعرت إلينا بالرعب يمتزج بانجذاب لا يمكن تفسيره.
“تريد أن تقتلني لتستعيدها؟”
“لا” همس في أذنها بحدة جعلت جسدها ينتفض.
“أريدكِ أن تختاري. يمكنني أن أحولكِ إلى خلودٍ معي، أو يمكنني أن آخذ منكِ ما أحتاج وأترككِ للعدم. لكنني أراكِ تنظرين إليَّ.. أرى في عينيكِ ذات العطش الذي يمزقني. أنتِ لا تخافين مني، أنتِ تخافين من رغبتكِ في البقاء هنا.”
أمسك بذقنها ورفع وجهها إليه. في تلك اللحظة، رأت الوحش والإنسان يتصارعان خلف عينيه الفضيتين.
كانت اللحظة مشحونة برومانسية مظلمة، حيث الموت يبدو مغرياً والنجاة تبدو مملة.
قادها فيكتور بعد العشاء إلى قبو سري تحت الجناح الغربي، مكان لم تصل إليه حتى السيدة غريت.
كان القبو مليئاً بالجليد الذي لا يذوب، وفي وسطه كان يوجد تابوت زجاجي يضم جسد إيزابيلا.
كانت تبدو وكأنها نائمة، لكن جلدها كان يلمع بذلك السائل الفضي الذي رأته إلينا في غرفتها.
“هذا هو طقس الفداء” قال فيكتور وهو يخرج خنجراً من الفضة المرصعة بالزمرد.
“جسدها يحتاج إلى روح نابضة، إلى شغف فنانة ليعود للعمل. لستِ مضطرة للموت، لكن عليكِ أن تمنحيها جزءاً من جوهركِ، مقابل خلودٍ لا ينتهي بجانبي.”
نظرت إلينا إلى إيزابيلا، ثم إلى فيكتور.
“ماذا لو رفضت؟”
ابتسم فيكتور ابتسامة حزينة ومريرة.
“إذاً ستبقى القلعة مقبرتنا جميعاً. الثلج لن يذوب، والزمن سيتوقف هنا حتى نتحول جميعاً إلى تماثيل من غبار.”
فجأة، بدأت القلعة تهتز من جديد. الصرخة التي سمعتها إلينا سابقاً انطلقت هذه المرة من داخل التابوت الزجاجي.
تشقق الزجاج، وبدأ السائل الفضي يتدفق بغزارة.
“إنه يبدأ”
صرخ فيكتور، وبدت عليه ملامح الهلع.
“إيزابيلا ترفض الانتظار أكثر! إلينا، أعطني يدكِ”
كان الخيار أمامها مستحيلاً. كان فيكتور يمد يده، وعيناه تتوسلان إليها بطريقة حطمت دفاعاتها.
في تلك اللحظة، لم تفكر في الهرب، بل فكرت في ذلك الحزن الذي عاشه هذا الرجل لقرنين من الزمان.
مدت يدها نحوه، لكن قبل أن تتلامس أصابعهما، ظهر خيال أسود خلف التابوت.
كانت السيدة غريت، لكن وجهها كان ممزقاً، وكأن قناعاً قد سقط عنه.
“لا تفعل ذلك يا سيدي، إنها ليست السيدة إيزابيلا! ما في داخل التابوت هو الجوع الذي صنعته أنت بصمتك”
اندفع كائن مظلم من داخل التابوت، دخان أسود كثيف بشكل إنسان، وهجم على فيكتور.
سقط الكونت على الأرض، وبدأت القاعة تنهار.
أمسكت إلينا بالخنجر الفضي الذي سقط من يد فيكتور، ووجدت نفسها في مواجهة الكيان المظلم الذي يملك وجه إيزابيلا.. وعيني الشيطان.
“إلينا.. اهربي!” صرخ فيكتور وهو يحاول كبح جماح الكيان بيديه العاريتين التي بدأت تتجمد وتتكسر.
لكن إلينا لم تهرب. بدلاً من ذلك، رفعت الخنجر، ولم توجهه نحو الكيان، بل نحو المرآة الموجودة هناك والتي تنعكس عليها صورة ايزابيلا ، طعنت قلب صورتها في المرآة، وصرخت
“إذا كانت الحياة هي ما تريدين، فخذي هذا”
انفجر المكان بضوء أبيض باهر، وشعرت إلينا بأنها تسقط في فهوة كبيرة من البرودة والظلام، بينما صوت فيكتور ينادي اسمها لآخر مرة.
(م/ك: عندما اريت صديقتي الرواية سالتني اسئلة فقررت ان اجيب عنها لكم هنا ايضا لربما هناك من لم يفهم وتسائل نفس اسئلتها فقلت اجيب لاوضح لكم الصورة :
لماذا الينا وقعت في حب الكونت بهاته السرعة رغم انها لم تره ابدا?
الجواب: لان هناك جزء كبير من روح ايزابيلا في الينا لذالك انجذبت له وانجذب لها لان ايزابيلا كانت زوجته كما تعلمون واحبوا بعضهم جدا .
لقد رات الينا ايزابيلا نائمة في غرفة وهي مريضة ثم في الفصل التالي راينا انها في تابوت كيف ذالك ?.
الجواب: لان الجسد الذي راته كان احد اجساد الشبيهات اللواتي كان يحظرهن فيكتور وكانوا مثل القالب لنقل روح ايزابيلا فيهم لاكن لم يكونوا يدومون وبدأوا بالتلاشي مع مرور الزمن ، لذالك كان يحتاج دائما لقالب جديد والينا كانت ستكون الاخيرة .
اما الجسد في التابوت فكان الجسد الاصلي لايزابيلا .
لماذا تتم تغطية المرايا ?
الجواب: لان روح ايزابيلا عندما ماتت دخلت هناك ورغم خروجها وتجسدها في اجساد شبيهاتها بعد ذالك الى ان جزء من كيانها هناك والمرايا هي من تجعلها تحتفظ بروحها للان .
بما ان روح ايزابيلا دنست واصبحت شريرة لماذا حذرت الينا لتهرب ?
الجواب: لان لتزال تحتفظ بجزء صغير من وعيها الحقيقي كامرأة طيبة والتي تحاول المقاومة .
كيف الينا التي جائت صدفة لقصر الكونت كانت تشبه ايزابيلا?
الجواب:الينا لم تاتي بالصدفة ، الكونت كل هاته السنوات كان دائما يبحث عن شبيهات ايزابيلا ويحظرهم الى القصر بحج مقنة والينا احضرها بحجة ترميم لوحة . وايضا الينا هي اكثر نسخة شبيهة لايزابيلا ليس في وجهها بل في روحها يعني اكبر جزء من روح ايزابلا كان من نصيب الينا لانها اخر نسخة .
هي تشبه في وجهها ايزابيلا قليلا فقط وليس كثيرا .
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 8"