كان الرواق طويلاً لدرجة تجعل الضوء الصغير لشمعتها يبدو تافهاً أمام ابتلاع الظلام الشامل.
الجدران الحجرية كانت تشع برودة تخترق العظام، ورائحة الرطوبة والعفن أصبحت أقوى هنا.
كانت إلينا تمشي بمحاذاة الجدار، تضع يدها على الحجر البارد لتتلمس طريقها، وكل خطوة كانت تبدو وكأنها دوي انفجار في ذلك السكون المطبق.
تجاوزت الصور الشخصية التي كانت تتابعها بعيونها الميتة.
في الليل، لم تكن تلك الصور مجرد لوحات؛ كانت تبدو وكأنها أرواح محبوسة في إطارات مذهبة، تنتظر لحظة غفلة لتخرج.
وصلت إلى مفترق الطرق الذي يؤدي إلى الجناح الغربي.
كان الممر هناك مظلماً تماماً، والشموع المثبتة على الجدران كانت مطفأة، وكأن النور يرفض الدخول إلى ذلك الجزء من القلعة.
تذكرت تحذير السيدة غريت
“الجناح الغربي مغلق تماماً.. الاقتراب منه يعني طردكِ”.
لكن ذكرى الصرخة كانت تدفعها للأمام. بدأت تمشي في الممر الممنوع، وشعرت بأن الهواء هنا يتغير؛ أصبح أكثر كثافة، ويحمل رائحة بخور قديم وشيء يشبه رائحة المستشفيات أو الكيمياء.
بينما كانت تتقدم، لاحظت أن الأبواب في هذا الجناح لم تكن خشبية، بل كانت معدنية ثقيلة، وعليها أقفال ضخمة وسلاسل صدئة.
لماذا يحتاج المرء لسلاسل داخل منزله؟ هل كان فيكتور يسجن أحداً هنا؟ أم كان يسجن شيئاً ما؟
فجأة، تناهى إلى مسامعها صوت همس.
توقفت وأطفأت شمعتها بسرعة بسبابتها وإبهامها، ليغرق العالم في سواد دامس. حبست أنفاسها حتى آلمها صدرها.
جاء الصوت من خلف باب في نهاية الممر.
كان صوتاً مألوفاً، لكنه كان محطماً، خالياً من الكبرياء الذي يظهره الكونت عادة.
“أنا آسف.. لم أكن أريد لهذا أن يحدث مجدداً. تحملي قليلاً.. السكينة قادمة.”
كان هذا صوت فيكتور. لكن مع من يتحدث؟
اقتربت إلينا من الباب بحذر، ونظرت عبر الفتحة الصغيرة.
كانت الغرفة بالداخل واسعة، مليئة بكتب قديمة وقوارير زجاجية تحتوي على سوائل غريبة.
وفي منتصف الغرفة، كان هناك سرير ضخم مغطى بستائر شفافة. رأت ظل فيكتور وهو يجلس بجانب السرير، يمسك بيد شخص ما.. يد شاحبة جداً، تكاد تكون شفافة.
لم تستطع رؤية وجه الشخص المستلقي، لكنها رأت شعراً ذهبياً طويلاً ينساب على الوسادة كخيوط من الحرير الباهت.
‘من هذه؟’ تساءلت إلينا في عقلها. ‘هل هي الزوجة التي قيل إنها اختفت؟’.
لكن ما رأته بعد ذلك جعلها تتراجع ذعراً.
فيكتور انحنى وقبل يد المرأة الشاحبة، وعندما رفع رأسه، رأت إلينا وجهه في ضوء القمر المتسلل من النافذة.
لم يكن وجهاً بشرياً تماماً؛ كانت عيناه تلمعان بلون أحمر قاني، والندبة على عنقه كانت تنبض بضوء أزرق خافت ومخيف.
تعثرت إلينا في سجادة قديمة، وأصدرت صوتاً خفيفاً.
في جزء من الثانية، التفت فيكتور نحو الباب.
كانت نظراته حادة كالسيف، وشعرت إلينا بأنه رآها رغم الظلام.
لم تنتظر إلينا لترى ما سيفعله. استدارت وركضت بكل ما أوتيت من قوة.
لم تكن تهتم الآن بالصمت أو القواعد؛ كل ما أرادته هو الابتعاد عن تلك الغرفة وعن ذلك الشيء الذي رأته في عيني فيكتور.
لكن الممرات التي كانت تعرفها بدت وكأنها تتغير. انعطفت يميناً، لتجد نفسها في ممر لم تره من قبل، ممر ينحدر لأسفل نحو أقبية القلعة.
كان الهواء يزداد برودة، وأصوات تقطير الماء تصدح في المكان.
“لا.. ليس هنا”صرخت في سرها، وهي تحاول العودة، لكنها سمعت خطوات ثقيلة تقترب من خلفها. خطوات منتظمة، هادئة، ومرعبة.
طرق.. طرق.. طرق.
كان فيكتور يتبعها. لم يكن يركض، بل كان يمشي بثقة من يعرف مخابئ منزله جيداً.
دخلت إلينا غرفة جانبية للاختباء، ووجدت نفسها في ما يشبه المختبر القديم. كانت هناك طاولة حجرية في المنتصف، وعليها أدوات جراحية صدئة ولوحات تشريحية للإنسان.. ولأشياء أخرى ليست إنسانية.
وعلى الجدار، رأت صورة شخصية ضخمة لفيكتور، لكنه بدا فيها أصغر سناً، وبجانبه كانت تقف ذات المرأة ذات الشعر الذهبي التي رأتها في الغرفة بالأعلى.
تحت الصورة كانت هناك لوحة نحاسية مكتوب عليها “فيكتور وإيزابيلا – 1624”.
“1624؟” همست إلينا بذهول.
“هذا مستحيل.. هذا منذ أكثر من مائتي عام!”
أدركت الحقيقة المروعة في تلك اللحظة.
فيكتور لم يكن مجرد كونت غامض، ولم يكن مجرد رجل يعاني من لعنة.
كان كائناً تجاوز حدود الزمن، والمرأة التي رأتها بالأعلى ليست مريضة.. إنها جثة تُحفظ بطريقة ما، أو روح عالقة بين عالمين.
“لقد حذرتكِ يا إلينا.”
جاء الصوت من خلفها مباشرة، بارداً كالجليد.
التفتت لتجده واقفاً عند مدخل الغرفة. لم يعد يبدو غاضباً، بل كان يبدو حزيناً بشكل قاتل.
كان يمسك بيده الشمعدان الذي سقط منها، وأعاده إليها بهدوء.
“الفضول في فالرافن ليس مجرد خطيئة، بل هو حكم بالإعدام”
قال فيكتور وهو يتقدم نحوها. تراجعت حتى اصطدمت بالطاولة الحجرية الباردة.
“لماذا لم تستطيعي البقاء في غرفتكِ؟ لماذا كان عليكِ أن تبحثي عن الحقيقة البشعة؟”
“ماذا فعلت بها؟”سألت إلينا بصوت متوتر، وهي تشير إلى الصورة.
“من هي تلك المرأة؟ ومن أنت حقاً؟”
اقترب فيكتور حتى أصبح جسده يلامس جسدها.
وضع يده الباردة على وجهها، وأحست إلينا برعشة تسري في كامل جسدها، مزيج من الرعب والانجذاب المحرم.
“أنا الرجل الذي أحبَّ أكثر مما ينبغي، فاستحق الخلود في العذاب”
همس وهو يقرب وجهه من وجهها.
“وهي.. هي ذنبي الذي لا يغفر. والآن، أنتِ أصبحتِ جزءاً من هذا الذنب.”
قبل أن تنطق بكلمة، سمعا صوتاً قادماً من الأعلى، صرخة أخرى، لكنها هذه المرة كانت تنادي باسم فيكتور.
تغيرت ملامحه مرة أخرى، وابتعد عنها بسرعة.
“عودي لغرفتكِ الآن. السيدة غريت سترافقكِ. وإذا حاولتِ الخروج مرة أخرى، فلن تجدي مني رحمة، بل ستجدين ما هو أسوأ من الموت.”
ظهرت السيدة غريت فجأة من بين الظلال، وكأنها كانت تنتظر خلف الباب.
أمسكت بذراع إلينا بقوة غير طبيعية وقادتها بعيداً.
وبينما كانت إلينا تُسحب بعيداً، التفتت لتلقي نظرة أخيرة على فيكتور.
كان واقفاً وحده في المختبر المظلم، ينظر إلى صورة إيزابيلا، والدموع ،دموع حقيقية تنساب على وجهه الشاحب.
عندما وصلت إلينا لغرفتها، وأغلقت السيدة غريت الباب عليها من الخارج بالمفتاح، ارتمت إلينا على الأرض.
نظرت إلى المرآة المغطاة، ورأت أن القماش الأسود قد سقط تماماً.
في الزجاج، لم ترَ انعكاس غرفتها.
رأت مشهداً من الماضي؛ فيكتور وإيزابيلا يرقصان في بهو القلعة المليء بالشموع والزهور.
نظرت إيزابيلا في المرآة، والتقت عيناها بعيني إلينا. حركت شفتيها بكلمة واحدة استطاعت إلينا قراءتها
“اهربي”
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 7"