مرت ساعة كاملة في صمت لم يقطعه سوى حفيف الفرشاة على القماش وصوت أنفاس إلينا المتلاحقة.
كان الكونت فيكتور جالساً بجمود تمثالي، لم يرمش، لم يغير وضعية يده، بل لم يبدُ عليه أنه يتنفس بشكل منتظم.
كانت عيناه الفضيتان مثبتتين على نقطة مجهولة خلف كتف إلينا، وكأنه ينظر إلى شبح لا تراه هي.
بدأت إلينا برسم الخطوط العريضة لوجهه، لكنها كلما حاولت القبض على ملامحه، شعرت بأنها تنزلق من بين أصابعها.
وجهه كان مثالياً لدرجة الخطيئة، لكنه كان يفتقر إلى ذلك الوهج الذي يميز الأحياء.
وبينما كانت ترسم منحنى عنقه الشاحب، لاحظت شيئاً جعل يدها تتوقف في الهواء.
تحت ياقة قميصه السوداء العالية، وفي الجانب الأيمن من عنقه، كان هناك أثر لندبة غريبة.
لم تكن ندبة جرح عادي، بل كانت تبدو كعلامة محفورة، خيط رفيع من الجلد الميت يلتف حول عنقه كأنه كان يرتدي طوقاً من الأسلاك الشائكة يوماً ما.
“هل الندبة تزعج تناسق لوحتكِ، آنسة إلينا؟”
جاء صوته فجأة، حاداً ، دون أن يحرك رأسه ميليمتراً واحداً.
ارتبكت إلينا وحاولت العودة للرسم بسرعة.
“أعتذر.. لم أقصد التحديق، سيدي الكونت. أنا فقط.. أحاول استيعاب التفاصيل.”
“التفاصيل هي ما يقتلنا في النهاية”
قال فيكتور، ونهض من كرسيه ببطء مفاجئ.
تحرك نحوها بخطوات صامتة، حتى أصبح يقف خلفها مباشرة، ينظر إلى اللوحة فوق كتفها.
شعرت إلينا ببرودة جسده تشع نحوها، برودة لم تستطع طبقات الصوف أن تحميها منها.
مد يده النحيلة ولامس حافة اللوحة.
“لقد رسمتِ عينيّ وكأن فيهما حياة. هذا خطأ فني فادح.”
ثم، وبحركة مفاجئة لم تتوقعها، انحنى نحو أذنها، لدرجة أنها شعرت بخصلات شعره الأسود تلامس وجهها.
همس بنبرة جعلت قشعريرة تسري في جسدها
“هل تخافين من الظلام يا إلينا؟ أم تخافين من الأشياء التي تختار العيش فيه؟”
قبل أن تتمكن من الإجابة، اهتزت جدران القلعة فجأة بصوت ارتطام هائل، تبعه صرخة طويلة، مخنوقة، جاءت من أعماق الجناح الغربي الممنوع.
لم تكن صرخة إنسان، بل بدت كعويل حيوان جريح أو روح تعذب في الجحيم.
تجمدت إلينا في مكانها، وسقطت الفرشاة من يدها لتلوث السجاد ببقعة زيتية سوداء.
أما فيكتور، فقد تغيرت ملامحه في لحظة؛ اختفى الهدوء الأرستقراطي وحل محله غضب محموم وشيء يشبه الذعر المكتوم.
تشنجت عروق عنقه، واكتست عيناه بظلمة لم ترها من قبل.
“اذهبي إلى غرفتكِ! الآن”
صرخ بها، وصوته كان له رنين حطّم الصمت كزجاج مهشم.
“لكن سيدي.. ذلك الصوت..” تعثمت وهي تتراجع للخلف.
“لا تسألي، لا تنظري خلفكِ، اذهبي وأقفلي بابكِ ولا تفتحي لأي سبب، حتى لو سمعتِ صوتي أنا شخصياً يتوسل إليكِ .”
كان يتحدث وهو يستدير نحو الممر المؤدي للجناح الغربي، وبدت حركته سريعة وغير بشرية، وكأنه يتلاشى في الظلال قبل أن يصل حتى إلى نهاية القاعة.
هربت إلينا. ركضت في الممرات المظلمة وقلبها يكاد ينفجر من صدرها.
كانت الصور على الجدران تبدو الآن وكأنها تضحك عليها، وأصوات خطواتها على الرخام تشبه مطاردة جيش من الأشباح.
لم تتوقف حتى وصلت إلى غرفتها، وأوصدت الباب بالمفتاح، ثم سحبت الكرسي الثقيل لتضعه خلف المقبض.
ارتمت على السرير وهي تنهج، والظلام بدأ يزحف من جديد ليحتل الغرفة.
وفي وسط ذلك السكون المرعب الذي أعقب الصرخة، نظرت نحو المرآة المغطاة في الزاوية.
هذه المرة، لم يكن القماش يتحرك فحسب.
بل سمعت صوتاً واضحاً، صوت نقر خفيف على الزجاج من الداخل.
تيك.. تيك.. تيك.
وكأن هناك شخصاً محبوساً في الجانب الآخر، يحاول لفت انتباهها.
ضمت إلينا ركبتيها إلى صدرها، وأغمضت عينيها بقوة، مدركة أن فالرافن ليست مجرد قلعة قديمة، وأن الكونت فيكتور ليس مجرد رجل عادي حزين.
إنها عالقة في وسط صراع بين أحياء لا يشبهون البشر، وموتى يرفضون البقاء في قبورهم.
ومع أولى ساعات الليل، أدركت حقيقة أكثر رعباً ، هي لا تخاف من الكونت فيكتور بقدر ما تشعر برغبة مجنونة في العودة إلى تلك القاعة… لترى ما الذي يخفيه خلف تلك الندبة، وما الذي يجعله يرتجف من صرخة في الجناح الغربي.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 5"