كان هذا الجزء من القلعة يبدو مختلفاً؛ هنا، كانت الشمس تبذل جهداً أكبر للتسلل عبر النوافذ العالية، لكنها بدلاً من أن تنشر الدفء، كانت تبرز طبقات الغبار المتراكمة فوق الأثاث المغطى بالملاءات البيضاء، مما جعل الممرات تبدو وكأنها مأهولة بأشباح ساكنة.
عندما وصلت إلى نهاية الممر، واجهت بابين مزدوجين من خشب الأبنوس، منحوت عليهما شعار عائلة فالرافن ،غراب يحتضن قلباً نازفاً.
أخذت نفساً عميقاً، ودفعتهما ببطء.
كانت قاعة اللوحات عبارة عن صالة مستطيلة هائلة، سقفها مزين بجداريات باهتة لملائكة ساقطة ومعارك دموية.
على جانبي القاعة، اصطفت لوحات زيتية ضخمة لأجيال متعاقبة، رجال بوجوه حادة ونساء بملامح حزينة، كلهم يتشاركون ذات العيون الرمادية الباردة.
وفي نهاية القاعة، أمام نافذة ضخمة تمتد من الأرض إلى السقف، كان يقف رجل.
كان ظهره إليها، لكنها عرفت قامتُه على الفور.
هو ذاته الظل الذي رأته في المرآة، لكنه هنا كان حقيقياً، ملموساً، وبحضور يطغى على المكان بأكمله.
كان يرتدي سترة سوداء مخملية ضيقة، وقامة طويلة مستقيمة تعكس كبرياءً مكسوراً.
“لقد تأخرتِ خمس دقائق، آنسة إلينا”
قال دون أن يلتفت.
كان صوته عميقاً ، يحمل بحة غامضة تشبه احتكاك المخمل بالحرير، لكنه كان بارداً كالجليد.
“أعتذر يا سيدي، القلعة… كالمتاهة واسعة”
أجابت وهي تتقدم بضع خطوات، وصوت حذائها يتردد في القاعة الفسيحة.
استدار ببطء. شعرت إلينا بأنفاسها تنقطع في حلقها.
لم يكن الكونتفيكتور قبيحاً كما تخيلت الوحوش في الحكايات، بل كان يتمتع بجمال مؤلم ومرعب.
بشرته شاحبة لدرجة تجعل عروقه الزرقاء تظهر بوضوح عند صدغيه، ملامحه حادة كأنها نُحتت بواسطة نحات محترف ، وشعره الطويل الأسود الفاحم يسقط على جبينه بإهمال مدروس.
لكن عيناه.. كانت عيناه هما الجزء الأكثر رعباً؛ كانتا بلون رمادي فاتح جداً، تكادان تكونان فضيتين، وفيهما نظرة ثاقبة تبدو وكأنها لا تنظر إلى وجهها، بل تنظر إلى ما وراء جلدها، إلى ذكرياتها ومخاوفها.
“الزمن هو الشيء الوحيد الذي أملكه بوفرة، ومع ذلك، لا أحب إضاعته” قال وهو يخطو نحوها.
كلما اقترب، شعرت إلينا ببرودة غير طبيعية تشع منه، برودة تجعل الهواء يتكاثف حولها.
توقف أمامها مباشرة. كان أطول منها بكثير، مما اضطرها لرفع رأسها لتنظر إليه.
رائحته كانت غريبة؛ مزيج من خشب الصندل القديم، والتراب المبلل، ونفحة من شيء حلو ومنفر في آن واحد، تماماً كالزهور التي تُترك لتذبل في غرفة مغلقة.
“سمعت أنكِ الأفضل في مجالكِ” تابع وهو يتفحص وجهها بدقة محرجة، وكأنه يدرس نسيج لوحة خام.
“يقولون إنكِ تملكين القدرة على رسم ليس فقط ما تراه العين، بل ما تخفيه الروح. هل هذا صحيح؟”
حاولت إلينا الحفاظ على ثباتها.
“الرسم هو محاولة لفهم الحقيقة، يا سيدي. وأنا لا أرسم سوى ما أشعر به.”
ابتسم فيكتور، لكن ابتسامته لم تصل لعينيه؛ كانت مجرد حركة آلية لشفاهه الباردة.
“إذن، سنرى ما ستشعرين به تجاهي.”
أشار بيده النحيلة ذات الأصابع الطويلة إلى مسند رسم ضخم وُضع في وسط الغرفة، وقد وُضعت عليه لوحة فارغة تنتظر أول لمسة فرشاة.
بجانب المسند، كانت هناك طاولة صغيرة تضم ألواناً زيتية وفراش بجميع الأحجام.
قالت بتعجب ” ظننت انني هنا لترميم لوحة وليس لرسم واحدة “.
قال ببرود وأمر لا تقاش فيه
“تغيرت المهمة ”
اكمل دون انتظار ردها او احتجاجها
“المهمة بسيطة”
قال فيكتور، وصوته أصبح أكثر انخفاضاً وخطورة.
“أريدكِ أن ترسمي لي بورتريه. لكن ليس بورتريه عادياً يُوضع في الردهات لتفتخر به الأجيال. أريد لوحة تظهرني كما أنا.. في هذه اللحظة. أريدكِ أن تصيدي ذلك الجزء مني الذي يرفض الموت، وذلك الجزء الذي يرفض الحياة.”
عقدت إلينا حاجبيها.
“هذا طلب معقد، سيدي الكونت.”
اقترب أكثر، حتى شعرت ببرودة أنفاسه تداعب جبهتها. مد يده ببطء، ظنت للحظة أنه سيلمس وجهها، لكنه توقف قبل أن يفعل بمليمترات قليلة.
كانت يده ترتجف قليلاً، وكأنه يقاوم رغبة عنيفة.
“أنتِ فنانة، يا إلينا. والجمال الحقيقي يكمن في التعقيد. سأجلس لكِ كل يوم في هذا الوقت. لكن حذاري..”
خفض نبرته لتصبح همساً فحيحاً أعاد لذاكرتها صوت المرآة
“لا تحاولي تجميلي. أريد الحقيقة البشعة، مهما كانت.”
تراجعت إلينا خطوة، وشعرت بجاذبية مرعبة تشدها نحو هذا الرجل.
كان يمثل كل ما تخشاه، ومع ذلك، كان هناك شيء فيه ، حزن عميق، وحدة تمتد لقرون يصرخ طالباً النجدة.
“سأفعل ما بوسعي”
قالت بصوت ثابت.
“جيد” قال وهو يستدير ليجلس على كرسي مخملي ضخم وضُع في مواجهة الضوء الخافت.
“ابدئي. الظلال هنا تتغير بسرعة، ونحن لا نملك سوى ساعات قليلة قبل أن يستعيد الليل ممتلكاته.”
أمسكت إلينا بفرشاتها، وكانت يدها ترتجف للمرة الأولى في حياتها المهنية.
وبينما كانت تضع أول خط لظله على اللوحة الفارغة، شعرت بأنها لا ترسم مجرد رجل.. بل كانت تفتح باباً لا تعرف إن كانت ستستطيع إغلاقه مرة أخرى.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 4"