استيقظت إلينا على إحساس غريب بالوخز، كأن دبابيس جليدية صغيرة تغرز في جلدها.
كانت الغرفة لا تزال باردة، لكن الظلام المخيف الذي خيّم عليها الليلة الماضية قد تبدد، ليحل محله ضوء رمادي شاحب يتسلل عبر نوافذ الزجاج .
صوت الرياح لم يختفِ تماماً، بل تحول من عويل مخيف إلى أنين منخفض، يشبه شكوى كائن حي يعاني في مكان قصي.
لم تجرؤ إلينا على فتح عينيها بالكامل، خوفاً من أن ترى الظل مجدداً، لكنها حين فتحتهما، لمحت فقط الأغطية الثقيلة فوقها، والستائر المخملية التي امتصت كل ألوان النهار وحولتها إلى لون أسود حزين.
جلست في السرير، وسندت ظهرها إلى الوسائد الباردة.
أول ما فعلته هو التحديق نحو زاوية المرآة.
القماش الأسود الثقيل كان لا يزال مغطياً الزجاج بالكامل، وبدت المرآة في وضح النهار وكأنها مجرد قطعة أثاث مغطاة، لكن الإحساس بالعيون المراقبة لم يفارقها.
تنهدت بعمق وحاولت التفكير بما حدث.
كان مجرد حلم.. مجرد هلوسة بسبب الإجهاد والتوتر والأجواء المظلمة المبالغ فيها.
هي فنانة، وذهنها مثير للمشاعر بسهولة. هزت كتفيها محاولة طرد الخوف، لكنها لم تستطع أن تنسى الشعور بالصوت العميق الذي همس باسمها.
نزلت من السرير، وبمجرد أن لامست قدمها الأرضية الخشبية المتهالكة، أحست بالبرودة تتسلل إلى عظامها.
اتجهت إلى حوض الغسل النحاسي، وسكبت الماء البارد من إبريق خزفي فاخر.
حينما رأت انعكاسها الشاحب في الماء، ابتسمت بمرارة لا عجب أن المرآة قد أظهرت لها شبحاً؛ هي نفسها بدت كشبح.
بدأت تستعد، وارتدت فستانها الصوفي الداكن الأكثر دفئاً.
ثم، مستجمعة شجاعتها، اقتربت من القماش الأسود الذي يغطي المرآة.
أمسكت به، وتأكدت من أنه مُحكم الإغلاق . كان القماش سميكاً جداً، وكثيفاً لدرجة لا تسمح لأي ضوء بالمرور. لم تشعر بأي نبض أو حركة خلفه هذه المرة، لكنها لم تجرؤ على رفعه مجدداً.
بدلاً من ذلك، سحبت أحد الكراسي ووضعته أمام المرآة، كأنها تحاول منع أي شيء من الخروج أو الدخول.
بعد لحظات، سمعت طرقة خفيفة على الباب. لم تكن طرقة عادية، بل كانت خفيفة وحذرة جداً.
“تفضل”
قالت بصوت أقوى مما شعرت به.
انفتح الباب ودخلت خادمة شابة، ترتدي زياً رمادياً بسيطاً، وعيناها مثبتتان على الأرضية طوال الوقت.
لم تنظر إلى إلينا مباشرة. كانت تحمل صينية فضية ثقيلة عليها إفطار فاخر، قهوة سوداء دافئة، خبز محمص، وعصير فواكه غريب بلون داكن.
التعليقات لهذا الفصل " 3"