بدأ كل شيء في أحد صباحات الخريف المنعشة، حين كانت إيزابيلاوفيكتور يتنزهان في بساتين التفاح التابعة للقلعة. فجأة، بدأت نوبة سُعال رقيقة تهاجم حنجرة إيزابيلا، مما جعل وجنتيها تتحولان من اللون الوردي إلى شحوب مفاجئ. تعثرت قليلاً، لكن قبل أن تلامس الأرض، كانت ذراعا فيكتور القويتان قد أحاطتا بها كدرعٍ منيع.
“إيزابيلا! ما بكِ يا حبيبتي؟” صرخ فيكتور والقلق يغلف صوته العميق.
حاولت إيزابيلا أن تبتسم رغم التعب الذي حلّ بجسدها فجأة.
“لا تقلق يا فيكتور، إنه مجرد برد بسيط.. ربما نسيم الليل الماضي كان أقوى مما ظننت.”
لم يقتنع فيكتور بكلماتها، وحملها بين ذراعيه كأنها ريشة غالية الثمن، عائداً بها إلى جناحها في قصر عائلتها.
استدعى أمهر الأطباء، لكنه لم يترك الغرفة للحظة واحدة. جلس بجانب سريرها، يمسك يدها الشاحبة ويقبلها كل دقيقة، وكأنه يضخ الحياة من جسده إلى جسدها عبر تلك اللمسات.
خلال الأيام التالية، تحول فيكتور من كونت مشغول إلى ممرض عاشق. رفض أن تقوم الخادمات بكل المهام؛ فكان هو من يحضر لها الحساء الدافئ، وهو من يقرأ لها الروايات بصوته الرخيم حتى تنام. وعندما كانت تشعر بالملل من البقاء في السرير، كان يخترع ألعاباً ومسابقات صغيرة ليضحكها.
“انظري يا إيزابيلا”
قال فيكتور وهو يرتدي قبعة مضحكة صنعها من أوراق الشجر الملونة
“لقد أعلنتُ نفسي ملكاً لمملكة العناية بكِ، وأول قانون في مملكتي هو أن تبتسمي ثلاث مرات في الساعة، وإلا سأضطر لعقابكِ..”
“وما هو العقاب يا جلالة الملك؟” سألت إيزابيلا وهي تضحك بخفة.
انحنى فيكتور وقبل جبينها بعمق.
“عقابكِ هو أن أحبكِ أكثر في الساعة القادمة.”
كانت الغرفة تمتلئ بزهور الأقحوان التي كان يقطفها لها كل صباح، وكان يضع الموسيقى الهادئة ليعزف لها على العود ألحاناً ألفها خصيصاً لها. لم يكن هناك جو للمرض في تلك الغرفة، بل كانت رائحة الأمل والحب تطغى على رائحة الأدوية المريرة. كانت إيزابيلا تشعر أنها تتعافى ليس بالدواء، بل بالنظر إلى عيني فيكتور اللتين لم تفقدا بريقهما وتفاؤلهما أبداً.
في ليلة ممطرة، وبينما كانت إيزابيلا قد بدأت تستعيد عافيتها تدريجياً، جلست مع فيكتور أمام المدفأة المشتعلة. كان يلفها بوشاح صوفي دافئ، ويحتسيان الشاي بالأعشاب. نظرت إيزابيلا إلى وجهه الذي بدا عليه الإرهاق لكنه كان يفيض بالسكينة.
“فيكتور، لماذا تفعل كل هذا؟” همست وهي تضع رأسها على كتفه.
“لقد رأيتني في أسوأ حالاتي، شاحبة وضعيفة.. ألا تخاف من هذا الضعف؟”
رفع فيكتور وجهها إليه بيده، ونظر في عينيها بصدق هز كيانها.
“إيزابيلا، أنا لم أحب فيكِ فقط جمالكِ الخارجي، بل أحببتُ الروح التي تسكنكِ. مرضكِ لم ينقص من حبي لكِ شيئاً، بل زادني إصراراً على أن أكون قوتكِ حين تضعفين. أنتِ لستِ عبئاً، أنتِ قلبي الذي ينبض خارج جسدي. وسأظل أحارب لأجلكِ حتى لو كان خصمي هو القدر نفسه.”
في تلك اللحظة، أدركت إيزابيلا أن هذا الرجل ليس مجرد حبيب، بل هو رفيق أبدي.
تشابكت أصابعهما أمام نيران المدفأة، وتعاهدا أن يكونا السند لبعضهما في الصحة والمرض، في الضحك والدموع. لم يكن هناك مكان للخوف من المستقبل، لأن حبهما كان أقوى من أي سحابة عابرة. وفي تلك الليلة، قرر فيكتور أن الوقت قد حان ليطلبها زوجة له أمام العالم أجمع، ليعلن أن إيزابيلا هي سيدة قلبه المطلقة.
***
بعد أسابيع من الرعاية الفائقة، استعادت إيزابيلا عافيتها بالكامل، وعادت نضارة وجنتيها لتنافس الورود الجورية في حديقة القلعة. كان فيكتور يراقبها وهي تمشي بخفة بين الممرات، وشعر بأن الوقت قد حان ليحول هذا الحب إلى رباط أبدي. لم يكن يريد طلباً عادياً؛ أراد شيئاً يلمس روح الفنانة بداخلها، شيئاً يجمع بين الطبيعة، والسحر، والصدق.
استعان فيكتور بمساعده ليساعده في ترتيب للامر . تم إخبار إيزابيلا بأن هناك احتفالاً صغيراً بانتهاء موسم الحصاد في التلة العالية المطلة على البحيرة، وطلب منها فيكتور أن ترتدي فستانها الأزرق السماوي الذي يشبه لون عينيها في يوم مشمس.
بينما كانت إيزابيلا تستعد، كان فيكتور يشرف بنفسه على اللمسات الأخيرة. قام بنشر آلاف الفوانيس الورقية المضيئة في المسار الصاعد نحو التلة، ووضع عازفي الكمان خلف الأشجار ليعزفوا ألحاناً خافتة تتماشى مع حفيف أوراق الشجر.
عندما وصلت إيزابيلا إلى بداية المسار عند الغسق، وجدت فيكتور ينتظرها ببدلة رسمية من المخمل الأسود، ممسكاً بمشعل صغير لينير لها الطريق.
“أين الجميع يا فيكتور؟” سألت بدهشة وهي ترى الممر المضاء بالفوانيس كأنه درب من النجوم على الأرض.
ابتسم فيكتور وأخذ يدها ليضعها على ذراعه.
“الاحتفال الليلة خاص جداً، إيزابيلا. الأرض والسماء هما ضيوفنا الوحيدون.”
سارا معاً والكمان يعزف لحنهما المفضل. مع كل خطوة، كان فيكتور يحكي لها ذكرى جميلة مرّت بهما منذ لقائهما الأول. حكى لها عن ارتباكه عندما رآها لأول مرة، وعن قلقه عندما مرضت، وعن سعادته وهو يراها تضحك من جديد. كانت الكلمات تخرج من قلبه لتستقر في قلبها، مما جعل عينيها تدمعان من شدة التأثر.
عندما وصلا إلى قمة التلة، وجدا خيمة صغيرة من الشيفون الأبيض، محاطة بسياج من شموع الياسمين. في المركز، كانت هناك طاولة صغيرة عليها صندوق مخملي أزرق، يلمع تحت ضوء القمر المكتمل.
توقف فيكتور أمام الخيمة، واستدار ليواجه إيزابيلا. ساد صمت مهيب، لم يقطعه سوى صوت الرياح الرقيقة التي كانت تداعب ستائر الشيفون. أخذ فيكتور نفساً عميقاً، وجثا على ركبته الواحدة فوق العشب المندي بالندى.
“إيزابيلا” نادى اسمها بصوت مليء بالهيبة والحب
“لقد سألتيني يوماً لماذا أبذل كل هذا الجهد لأجلكِ. والجواب هو أنني لا أرى مستقبلاً لا تكونين أنتِ فيه شمسه. قلعة فالرافن كبيرة وباردة، لكن معكِ، أصبحت منزلاً ودفئاً. أنا لا أطلب منكِ فقط أن تكوني زوجتي، بل أطلب منكِ أن تكوني شريكتي في كل ضحكة، وحامية لأحلامي، وصاحبة هذا القلب الذي لم ينبض حقاً إلا باسمكِ.”
فتح الصندوق المخملي، ليظهر خاتم فريد من نوعه؛ كان عبارة عن قطعة من الماس النادر محاطة بفصوص صغيرة من الياقوت الأزرق، محفورة ببراعة لتشبه غصن لافندر يلتف حول إصبعها.
“إيزابيلا.. هل تقبلين أن تشرقي في حياتي للأبد؟ هل تقبلين الزواج مني؟”
شهقت إيزابيلا، وغطت فمها بيديها والدموع تنهمر على وجنتيها بصدق.
انحنت نحوه ورفعت وجهه بيديها.
“أقبل يا فيكتور.. أقبل ألف مرة، لم أخلق في هذا العالم إلا لأكون لك، ولتكون لي.”
نهض فيكتور وغمرها في حضنه، ورفعها ليدور بها وسط دائرة الضوء، بينما انطلقت الألعاب النارية في الأفق لتلون سماء فالرافن بألوان الفرح. في تلك اللحظة، تعاهد القلعة والجبل والبحيرة على حماية هذا الحب، وكتب التاريخ في صفحاته أن أجمل قصة حب بدأت للتو تحت سماء النجوم.
***
أخيراً، أطلَّ الصباح الذي انتظره الجميع في المقاطعة.
لم تكن فالرافن قلعة حجرية صامتة في ذلك اليوم، بل تحولت إلى خلية نحل تضج بالحياة.
عُلقت الأشرطة الحريرية البيضاء على الشرفات، واصطفت مئات المزهريات المليئة بزهور الأوركيد والياسمين في كل زاوية.
الرائحة التي كانت تفوح في الأجواء لم تكن سوى عطر الفانيليا وخشب الصندل والحلويات الملكية التي أُعدت للمأدبة الكبرى.
في الجناح الشرقي، كانت إيزابيلا محاطة بصديقاتها والمربيات، يرتدين فساتين الزينة ويساعدنها في ارتداء ثوب الزفاف الأسطوري.
كان الثوب مصنوعاً من أفخر أنواع الدانتيل الفرنسي، مرصعاً بلآلئ صغيرة تلمع كقطرات الندى عند كل حركة. عندما وُضعت الطرحة الطويلة على رأسها، نظرت إيزابيلا إلى المرآة التي كانت آنذاك تعكس فقط جمالها الباهر وابتسمت ابتسامة ملأت الغرفة ضياءً.
“أنتِ تبدين كملك الصيف يا إيزابيلا،”
همست صديقتها وهي تضع لمسات العطر الأخيرة.
“أنا لا أشعر أنني ملكة”
ردت إيزابيلا بصوت يرتجف من الفرح
“أنا أشعر فقط أنني أخيراً سأذهب إلى المكان الذي تنتمي إليه روحي.. إلى جانب فيكتور.”
في باحة القلعة الكبرى، تحت سماء زرقاء صافية تماماً، كان الضيوف من النبلاء قد احتشدوا ليشهدوا زواج القرن.
وفي نهاية الممر المفروش بالبتلات الحمراء، كان فيكتور يقف ببدلته العسكرية الرسمية الموشحة بالذهب. كان يبدو في أوج قوته ووسامته، لكن عينيه لم تكن تنظر إلى الحشود، بل كانت معلقة بمدخل القلعة، بانتظار ظهور شمسه.
وعندما ظهرت إيزابيلا، ساد صمت مطبق من شدة الانبهار.
سارت ببطء نحو المذبح الخشبي المزين بأقواس الياسمين، وكل خطوة كانت تقربها من حلمها. عندما وصلت إليه، أخذ فيكتور يدها، وشعرا بتلك الرعشة المألوفة التي بدأت في حقل اللافندر، لكنها الآن أصبحت رابطاً لا يُقهر.
“أمام الكون و الناس”
قال فيكتور بصوت قوي وواثق،
“أهبكِ حياتي، واسمي، وقلبي. سأكون لكِ الحصن الذي يحميكِ، والربيع الذي لا ينتهي في أيامكِ. أعدكِ أن تظل ضحكتكِ هي النشيد الوطني لهذه القلعة، وأن يكون حبنا هو النور الذي لا ينطفئ أبداً.”
تبادلا الخواتم، وقبلا بعضهما تحت تصفيق حاد وتصفير ، صرخات الفرح التي انطلقت في الأفق. في تلك اللحظة، رُفعت الرايات التي تحمل شعار عائلتيهما المتحدتين، وأُعلن للجميع أن عصر السعادة قد بدأ في فالرافن.
مع حلول المساء، أُضيئت آلاف الفوانيس في حدائق القلعة، وانطلقت الموسيقى من الأوركسترا الكبيرة.
بدأت المأدبة، لكن فيكتوروإيزابيلا كانا في عالمهما الخاص. قادها فيكتور إلى وسط ساحة الرقص، ووضعت يدها على كتفه، وبدآ يدوران بانسجام تام.
كانت الرقصة تشبه طيران طيرين في سماء صافية. كان فستانها يتطاير حول قدميه، وعيناهما لا تفترقان للحظة. في تلك اللحظة، شعرت إيزابيلا أنها تملك العالم بأسره، وأن كل الوعكات الصحية والانتظار كانت ثمناً بسيطاً لهذه السعادة الغامرة.
“هل أنتِ سعيدة يا سيدة فالرافن؟”
همس فيكتور في أذنها وهو يديرها بخفة.
“أكثر مما يمكن للكلمات أن تصف يا فيكتور”
أجابت وهي تغمض عينيها وتسند رأسها على صدره.
“أريد لهذا الليل ألا ينتهي.”
“هذا الليل هو مجرد البداية”
رد فيكتور بحب
“أعدكِ أن كل ليلة في حياتنا ستكون احتفالاً بهذا الحب. قلعتنا ستكون دائماً بيتاً للفرح، وملاذاً للجمال.”
انتهى الحفل تحت وابل من الألعاب النارية التي لونت السماء، وصعد العروسان إلى شرفتهما الخاصة ليراقبا ممتلكاتهما التي تفيض بالنور. غابت الشمس، لكن الفجر الذي بزغ في قلبيهما كان أبدياً. وهكذا، عاش فيكتوروإيزابيلا في سعادة مطلقة، محاطين بالحب والضحك، لتظل قصتهما تُروى للأجيال عن الكونت وجميلته الذين حولوا الحجر إلى جنة.
النهاية
الآن أعطوني رآيكم في الرواية ككل .
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒 سبحان الله العظيم🍒 استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 14"