لم تكن قلعة فالرافن في ذلك الصيف مكاناً للرهبة، بل كانت محاطة بحدائق تبدو وكأنها قطعة من الجنة.
كانت الشمس ترسل خيوطها الذهبية لتعانق حقول اللافندر (الخزامى) التي تمتد حتى الأفق.
وفي وسط هذا اللون البنفسجي الساحر، كانت إيزابيلا تركض خلف قبعتها القشية التي طيرتها رياح الصيف المشاكسة.
كانت تضحك بصوت يشبه رنين الأجراس الفضية، فستانها الأبيض الخفيف يتطاير خلفها وهي تتعثر بخفة بين الزهور.
وفجأة، اصطدمت بشيء صلب.. أو بالأحرى، بشخص ما.
توقفت ضحكتها وحل محلها خجل وردي صبغ وجنتيها عندما رفعت عينيها لتلتقي بعينين رماديتين لامعتين، لكنهما لم تكن باردتين آنذاك، بل كانت تشعان بالدهشة والإعجاب.
كان فيكتور، الكونت الشاب، يرتدي ملابس ركوب الخيل، ويمسك بقبعتها في يده بابتسامة واثقة لم تفارق شفتيه.
“أعتقد أن هذه الرياح تملك ذوقاً رفيعاً في اختيار الهدايا، آنستي”
قال فيكتور وهو ينحني بأدب أرستقراطي لم يخلُ من غزل صريح.
ارتبكت إيزابيلا وحاولت استعادة وقارها.
“أعتذر يا سيدي.. لم أكن أعلم أن هناك من يراقب الحقول في هذا الوقت.”
رد فيكتور وهو يمد يده ليعيد لها القبعة
“من يستطيع لوم من يراقب جمالاً كهذا؟ أنا فيكتور فالرافن.
يبدو أنني وجدتُ في أرضي ما هو أغلى من كل كنوز القلعة.”
لم ينتهِ اللقاء عند استعادة القبعة. وجد فيكتور نفسه مسحوراً بذكاء إيزابيلا وعفويتها، فهي لم تكن كباقي فتيات النبلاء المتصنعات.
دعاها لمرافقته في نزهة مشياً على الأقدام نحو البحيرة الكريستالية، حيث كانت البجعات تسبح بسلام.
طوال الطريق، كانا يتبادلان الحديث عن الكتب، والموسيقى، وأحلامهما البسيطة.
حكت له عن حبها للرسم وشغفها بالحياة، وحكى لها هو عن رغبته في جعل فالرافن مكاناً يملؤه الفرح.
كان الضحك هو اللغة السائدة بينهما، وكأن كل منهما وجد النصف المفقود من روحه في تلك اللحظة.
“أتعلمين يا إيزابيلا” قال فيكتور وهو يقطف زهرة برية ويضعها خلف أذنها
“يقولون إن قلعة فالرافن كانت تنتظر روحاً تحيي جدرانها.. وأظنني وجدتُ تلك الروح الآن.”
نظرت إليه إيزابيلا بعينين زرقاوين مليئتين بالخجل .
“والروح وجدت مسكنها، يا سيدي الكونت.”
في تلك اللحظة، كان هناك فقط شاب وفتاة، وقلب ينبض لأول مرة تحت شمس الأصيل التي بدأت تغطس في الأفق ببطء، معلنة بداية أعظم قصة حب شهدتها تلك المقاطعة.
عندما اقترب الليل، وصلا إلى حافة الغابة حيث كانت عربة إيزابيلا تنتظرها.
وقف فيكتور ممسكاً بيده، وشعر وكأن العالم سيتوقف إذا تركها.
“هل سأراكِ مجدداً؟” سأل بنبرة فيها قلق المحب الصادق.
ابتسمت إيزابيلا وهي تصعد العربة، ثم التفتت إليه قائلة
“ابحث عني في المكان الذي تشرق فيه الشمس أولاً كل صباح.. سأكون هناك أنتظر حكايتك القادمة.”
انطلقت العربة، وبقي فيكتور واقفاً في مكانه، يراقب الغبار الذي خلفته وهي تبتعد.
لم يعد يرى العالم كلوحة رمادية مملة؛ بل أصبح يرى الألوان في كل مكان.
وضع يده على قلبه، وأحس بدفء لم يألفه من قبل.
لقد سقط الكونت الحصين في فخ الحب، وكان هذا السقوط هو أجمل ما حدث له في حياته.
عاد إلى القلعة بخطوات خفيفة، يغني لحناً قديماً، آمراً الخدم بتزيين الشرفات بالزهور الملونة، فقد بدأت حياته الحقيقية للتو.
***
مرت الأسابيع بعد لقائهما الأول كأنها حلم وردي طويل.
لم يعد فيكتور هو ذلك الكونت الرصين الذي يهتم فقط بشؤون أراضيه؛ بل أصبح يقضي ساعات الصباح في مكتبه، ليس لمراجعة الحسابات، بل لكتابة رسائل يسكب فيها شعراً لم يكن يعلم أنه يتقنه.
كان يرسل خادمه الخاص يومياً بظرف مغلق بختم الشمع الأحمر عليه ختم شعار فالرافن غراب يمسك قلبا ينزف كقلبه الذي ينزف حبا ، وبداخله قصيدة أو زهرة نادرة، وفي المقابل، كانت تعود إليه رسائل إيزابيلا التي تفوح برائحة الياسمين.
[عزيزي فيكتور]
كتبت إيزابيلا في إحدى رسائلها،
[ أجد نفسي أبتسم لكل طائر يمر بشرفتي، متسائلة إن كان قد مرّ بقلعتك العظيمة وحمل معه صدى ضحكتك. العالم يبدو مختلفاً منذ ذلك اليوم في حقل اللافندر، وكأن الألوان أصبحت أكثر سطوعاً .]
كان فيكتور يقرأ رسائلها مئات المرات، يلمس الحروف بأطراف أصابعه وكأنه يلمس يدها.
كان قلبه يخفق بشدة كلما رأى خط يدها المائل والجميل. لقد كان حباً عذرياً طاهراً، يتغذى على الكلمات والانتظار والشوق الذي يزداد مع كل شروق شمس.
في إحدى ليالي الصيف الصافية، حيث كان القمر مكتملاً ويميل لونه للوردي، قرر فيكتور أن يكسر كل القيود ويطلب لقاءها في البيت الزجاجي المهجور عند أطراف ممتلكات عائلتها.
كان المكان عبارة عن دفيئة قديمة مليئة بالنباتات الاستوائية والزهور المتسلقة، مما خلق جواً من الخصوصية والجمال الساحر.
وصلت إيزابيلا وهي ترتدي وشاحاً حريرياً يحميها من نسمات الليل الباردة، ووجدت المكان قد تحول وكأنه مكان من القصص الخياليةالرومانسية .
كان فيكتور قد وضع عشرات الفوانيس الورقية الصغيرة التي تسبح في الهواء، وطاولة صغيرة عليها الفاكهة والحلويات التي تحبها.
“لقد جئت”
قال فيكتور بنبرة ملؤها الامتنان، وهو يتقدم ليأخذ يدها ويقبلها بعمق بطريقة أرستقراطية .
“لم أكن لأفوت رؤية القمر معك”
أجابت بخجل وهي تنظر حولها بذهول.
“هذا المكان.. إنه يشبه القصص التي كانت تقرأها لي مربيتي عن الجنيات.”
أمسك فيكتور بخصرها برقة، وبدأ يرقص معها دون موسيقى، فقط على إيقاع نبضات قلبيهما وحفيف أوراق الشجر.
كانت لحظة من السكون المطلق، حيث تلاشت الألقاب والمسافات، ولم يبقَ سوى شاب وفتاة يكتشفان معنى السعادة الحقيقية في حضن الليل.
توقف فيكتور عن الرقص، وأسند جبينه على جبينها.
كان يشعر بحرارة أنفاسها ودقات قلبها المتسارعة.
في تلك اللحظة، لم يعد قادراً على كتمان ما يجيش في صدره أكثر من ذلك.
“إيزابيلا”
همس وصوته يرتجف من شدة العاطفة
“لقد عشتُ سنوات في هذه القلعة أظن أنني أملك كل شيء، لكنني الآن أدرك أنني لم أكن أملك شيئاً حتى دخلتِ حياتي.
أنتِ الضوء الذي لم أكن أعلم أنني أفتقده، وأنتِ اللحن الذي أريد سماعه للأبد.”
نظرت إليه إيزابيلا، وكانت عيناها تلمعان بدموع الفرح تحت ضوء القمر.
“وأنا يا فيكتور.. شعرتُ دائماً أنني أبحث عن موطن لروحي، ووجدته معك. أنت الأمان الذي تمنيتُه دائماً.”
تعاهدا في تلك الليلة، تحت سماء مرصعة بالنجوم، ألا يفرقهما شيء، وأن يواجها العالم معاً.
لم تكن هناك أي غيوم في سمائهما، بل كان المستقبل يبدو كطريق مفروش بالورود والوعود الوردية.
غادرت إيزابيلا وهي تشعر أنها تطير، بينما عاد فيكتور إلى قلعته وهو يخطط للخطوة الكبرى كيف يجعلها ملكة لـفالرافن للأبد.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 13"