1 - بوابة الصقيع
※استمتعوا※
🦋—————🦋
لم يكن البرد هو ما اخترق عباءة إلينا الصوفية فحسب، بل كان شيئاً أقدم وأثقل؛ كان شعوراً ملموساً بالرفض، وكأن الأرض ذاتها تحاول لفظ العربة التي تشق طريقها بصعوبة عبر الثلوج المتراكمة.
كانت عجلات العربة الخشبية تئن تحت وطأة الطريق غير المعبد، صريرها يمتزج بعويل الريح التي كانت تضرب النوافذ الزجاجية بقسوة، كأيدٍ غير مرئية تتوسل للدخول.. أو تحذر من الخروج.
جلست إلينا في المقعد الخلفي المتآكل، تشد معطفها حول جسدها النحيل، أنفاسها تتكثف أمام وجهها سحباً بيضاء صغيرة تتلاشى بسرعة، تماماً كما تلاشت شجاعتها تدريجياً كلما توغلوا في عمق الغابة.
كانت الأشجار هنا مختلفة؛ جذوعها سوداء متفحمة، وأغصانها ملتوية وعارية، تتشابك في الأعلى لتحجب السماء، مما جعل الوقت يبدو وكأنه توقف عند الغسق الأبدي.
لم ترَ طائراً واحداً، ولم تسمع صوت حيوان، فقط الصرير المستمر للعربة وصوت حوافر الخيول التي بدت متوترة، وكأنها تشم رائحة مفترس يتربص في الظلال.
أخرجت إلينا الساعة الفضية الصغيرة من جيبها، وهي إرثها الوحيد من والدها.
كان الزجاج مشروخا قليلاً، والعقارب تشير إلى الخامسة مساءً، لكن الظلام في الخارج كان يوحي بانتصاف الليل.
أعادت الساعة إلى جيبها، وتلمست الرسالة المطوية بعناية للمرة الألف.
الحبر الأسود السميك، ونوع الورق الفاخر الذي تفوح منه رائحة خشب الصندل والزمن القديم.
الدعوة كانت واضحة، والمبلغ المعروض لترميم تلك اللوحة كان خيالياً، كافياً لانتشالها من ديون والدها الراحل ومنحها حياة جديدة.
فجأة، توقفت العربة بحدة جعلت إلينا تندفع للأمام، وكادت ترتطم بالجدار الفاصل.
ساد صمت مفاجئ وثقيل، قطعته فقط أنفاس الخيول المتلاحقة في الخارج.
“لقد وصلنا يا آنسة.”
جاء صوت السائق أجشاً ومكتوماً.
لم ينزل ليفتح لها الباب، وهو تصرف يخلو من اللباقة المعتادة، لكن إلينا لم تنتظر.
مدت يدها المرتجفة ودفعت الباب الثقيل.
لفحت وجهها ريح جليدية بمجرد خروجها، ريح تحمل رائحة غريبة؛ مزيج من إبر الصنوبر، ورائحة مياه راكدة، وشيء معدني يشبه طعم الدم في الفم.
رفعت رأسها، وتجمدت الدماء في عروقها.
كانت قلعة فالرافن تنتصب أمامها كوحش حجري عملاق يتربع على عرش من الصخور السوداء.
لم تكن مجرد بناء، بل كانت تبدو كشيء نبت من الأرض رغماً عن الطبيعة.
الأبراج الشاهقة تمزق السماء الرمادية، والجدران مغطاة بنباتات اللبلاب الشائكة التي بدت في الظلام كعروق سوداء تنبض بالحياة.
النوافذ كانت كثيرة، ضيقة وطويلة كعيون مغلقة، باستثناء نافذة واحدة في البرج الشرقي، كان ينبعث منها ضوء خافت وراقص، بدا وكأنه يراقب وصولها بفضول .
أنزلت حقيبتها الجلدية الوحيدة، وسمعت صوت العربة يتحرك خلفها بسرعة.
التفتت لتجد السائق يضرب الخيول بالسوط بوحشية، وكأنه يفر من الجحيم، تاركاً إياها وحيدة أمام هذا الصرح المخيف.
تلاشى صوت العربة، وعاد الصمت ليطبق على المكان، صمت ثقيل يضغط على الأذنين.
استجمعت قواها، وسحبت حقيبتها عبر الثلج الصلب نحو البوابة الخشبية العملاقة.
كان الخشب داكناً، مدعماً بقضبان حديدية صدئة، وعلى الباب مطرقة نحاسية ضخمة على شكل رأس ذئب يزمجر، عيناه مجوفتان وسوداوان.
ترددت يدها في الهواء للحظة.
كان هناك شعور غريزي يصرخ بداخلها
‘ عودي.. اهربي.. لا تلمسي هذا الباب.’
لكن البرد كان ينهش عظامها، والعودة تعني الموت تجمداً في الغابة.
أغمضت عينيها، وأمسكت بالمطرقة الباردة كالموت، وطرقت ثلاث طرقات.
دوي.. دوي.. دوي.
تردد الصدى في الداخل وكأنه صوت ارتطام حجارة في بئر عميق.
انتظرت… مرت دقيقة.. دقيقتان… وحينما ظنت أن لا أحد سيجيب، سمعت صوت سحب مزلاج ثقيل، وأنين مفصلات لم تُزيّت منذ قرون.
انفتح الباب ببطء شديد، ليكشف عن ظلام دامس في الداخل، ومن قلب هذا الظلام، ظهرت هيئة امرأة طويلة، ترتدي ملابس سوداء صارمة، وتحمل شمعداناً فضياً يلقي بظلال راقصة على وجهها الشاحب الخالي من أي تعبير.
قالت المرأة بصوت هادئ، جاف، وخالٍ من أي نبرة ترحيب
“لقد تأخرتِ.. السيد فيكتور لا يحب الانتظار.”
عبرت إلينا العتبة الحجرية، وفور دخولها، انغلق الباب الضخم خلفها بوزن ثقيل، محدثاً دوياً مكتوماً .
تلاشى صوت الرياح العاوية في الخارج فجأة، ليحل محله سكون مريب، سكون لا يقطعه سوى صوت أنفاسها المضطربة وطقطقة الشموع التي تحملها المرأة الواقفة أمامها.
لم يكن الداخل دافئاً كما تمنت.
كان الهواء في البهو رطباً وبارداً، يحمل رائحة غريبة، مزيجاً من الشمع المحترق، والخشب القديم المتآكل، ونفحة خفيفة من الزهور الذابلة التي تُوضع عادةً فوق القبور الحديثة.
رفعت المرأة الشمعدان الفضي قليلاً، فأنارت الشعلات الراقصة وجهها بوضوح لأول مرة.
كانت امرأة في العقد الخامس من عمرها، لكن ملامحها بدت وكأنها نُحتت من حجر الجرانيت؛ صلبة، قاسية، وخالية من أي تجاعيد تدل على الضحك أو الابتسام.
عيناها رماديتان، باردتان كبحيرة متجمدة، وشعرها الرمادي مشدود للخلف بقسوة تحت قبعة الدانتيل السوداء.
“أنا السيدة غريت، مدبرة هاته القلعة”
قالت بصوتها الجاف الذي يشبه حفيف أوراق الشجر الميتة.
“السيد فيكتور لا يستقبل الزوار في هذا الوقت.
سأرافقكِ إلى غرفتكِ.”
لم تنتظر رداً، بل استدارت وبدأت تمشي بخطوات صامتة ، وكأنها تطفو فوق الأرضية الرخامية السوداء التي كانت تلمع في الظلام .
حملت إلينا حقيبتها وسارعت للحاق بها، وصوت كعب حذائها يتردد صداه بشكل مزعج في الفراغ الهائل، مما جعلها تشعر وكأنها دخيلة تدنس قدسية مكان مهجور.
كان البهو الرئيس واسعاً لدرجة مرعبة.
السقف يرتفع ليعانق الظلال في الأعلى، وتتدلى منه ثريا كريستالية ضخمة مغطاة بالغبار وشباك العنكبوت، بدت وكأنها هيكل عظمي لمخلوق سماوي سقط وعلق هناك.
الجدران كانت مغطاة بألواح خشبية داكنة، وعليها علقت لوحات ضخمة لأشخاص بملابس تعود لقرون مضت.
وبينما كانت تمر بجانبهم، شعرت إلينا بقشعريرة تسري في عمودها الفقري؛ كانت عيون الأشخاص في اللوحات تبدو وكأنها تتحرك، تتابع خطواتها بفضول خبيث وحقد دفين.
توقفت السيدة غريت فجأة عند بداية درج حلزوني عريض، فكادت إلينا تصطدم بها.
التفتت المدبرة ببطء، ووجهت ضوء الشموع نحو وجه إلينا مباشرة، متفحصة إياها بنظرة جعلتها تشعر بالعري.
“قبل أن نصعد، يا آنسة إلينا، هناك قواعد في قلعة فالرافن… قواعد وُضعت لسلامة القلعة، ولسلامتكِ أنتِ أيضاً.”
قالت السيدة غريت، وشددت على الكلمات الأخيرة بنبرة تحذيرية.
بلعت إلينا ريقها بصعوبة وسألت بصوت مرتجف
“قواعد؟”
“أولاً: الجناح الغربي مغلق تماماً.
إنه مكان راحة السيد فيكتور، ولا يُسمح لأي مخلوق بدخوله، سواء كنتِ خادمة أو ضيفة. الاقتراب من ذلك الممر يعني طردكِ فوراً.. هذا إن كنتِ محظوظة.”
صمتت قليلاً لتتأكد من أن الكلمات قد حفرت في عقل الفتاة، ثم تابعت وهي تشير بإصبع نحيل نحو مرآة كبيرة معلقة على الحائط بجانبهما.
كانت المرآة مغطاة بقماش مخملي أسود ثقيل، لا يظهر منه سوى الإطار الذهبي المزخرف بنقوش شياطين وملائكة متشابكة.
“ثانياً، وهو الأهم..”
خفضت السيدة غريت صوتها ليصبح همساً فحيحاً
“لا ترفعي الأغطية عن المرايا ،أبداً. المرايا في هذه القلعة ليست للزينة، وليست لترى وجهكِ الجميل فيها.
إن وجدتي غطاءً قد انزاح، أعيديه مكانه فوراً دون النظر للزجاج. هل تفهمين؟”
عقدت إلينا حاجبيها بدهشة واستغراب.
“لماذا؟ هل هي مكسورة؟”
ضاقت عينا السيدة غريت، واقتربت خطوة حتى لامست أنفاسها الباردة وجه إلينا.
“لأن بعض الأشياء، يا آنسة، إذا نُظر إليها.. فإنها تنظر إليكِ في المقابل. والزجاج هنا.. ذاكرته قوية جداً.”
تراجعت إلينا للخلف، وقد تسلل الخوف الحقيقي إلى قلبها.
لم تكن هذه تحذيرات طبيعية، ولم يكن هذا منزلاً عادياً.
“ثالثاً وأخيراً..”
استعادت المدبرة وقفتها المستقيمة
“بعد منتصف الليل، الزمي غرفتك.
القلعة قديمة، وأصواتها ليلاً قد تخدع العقل وتستدرج الفضوليين إلى حيث لا مخرج. الطعام سيصلكِ لغرفتك. والآن.. اتبعيني.”
بدأت السيدة غريت بصعود الدرج، تاركة إلينا واقفة للحظة أمام المرآة المغطاة.
شعرت برغبة غريبة، نداء خفي يشدها لرفع طرف القماش الأسود، وكأن شيء ما خلفه ينادي باسمها بصوت غير مسموع.
هزت رأسها بقوة لتطرد الفكرة، وأسرعت تصعد الدرج خلف الضوء الوحيد في هذا العالم المظلم، بينما ظلت ظلال التماثيل الموجودة عند أسفل الدرج تتطاول خلفها، وكأنها أصابع تحاول الإمساك بفستانها ومنعها من الصعود.
قادتها السيدة غريت عبر متاهة من الممرات الطويلة الملتوية.
كانت الأرضيات مغطاة بسجاد فارسي أحمر داكن، تآكلت أطرافه بفعل الزمن، وبدا في ضوء الشموع الخافت كأنه نهر من الدم المتجمد يمتد بلا نهاية.
الجدران هنا لم تكن خشبية كما في البهو، بل كانت حجرية باردة، تكسوها طبقة رقيقة من الرطوبة التي جعلت الهواء ثقيلاً وصعب التنفس.
لم ينطق أي منهما بكلمة واحدة طوال الطريق، كان الصرير الخافت لألواح الأرضية تحت أقدامهما هو الصوت الوحيد الذي يجرؤ على خرق الصمت المطبق.
توقفت المدبرة أخيراً أمام باب ضخم من خشب البلوط، في نهاية الممر الشرقي.
أخرجت مفتاحاً نحاسياً كبيراً معلقاً في حزام خصرها، وأدارته في القفل بصوت معدني حاد تردد صداه في الأروقة الخالية.
“هذه غرفتكِ”
قالت وهي تدفع الباب.
“العشاء سيُحضر لكِ بعد ساعة. وكما أخبرتكِ.. لا تتجولي ليلاً.”
وضعت الشمعدان على طاولة صغيرة قرب المدخل، واستدارت لتغادر، لكنها توقفت عند العتبة، وللمرة الأولى، ظهر ظل لشيء يشبه الشفقة في عينيها الجامدتين.
همست بصوت خفيض
“أحكمي إغلاق الباب من الداخل يا آنسة. فالرياح في هذا القصر.. تحب أن تفتح الأبواب.”
ثم اختفت في الظلام، تاركة إلينا وحدها.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
*حسابي على الانستغرام :luna.aj7
Chapters
Comments
- 1 - بوابة الصقيع منذ 3 ساعات
- 0 - إهداء 2025-12-27
التعليقات لهذا الفصل " 1"
فصل يجنن ومرههه مشوققق متحممسةة😭😭❣️
تحمس
وأجانب فضول ليش مو لازم تطلع بالليل يعني ذكرتني ب مرحبا بك في قصر روز
مرايا بعد فيهم إنة😭
الجناح الغربي فيه إنة؟🥸 متحسمه اعرف
فحقت عيون تتحرك تذكرت هاري بوتر لما أشخاص فداخل لوحات كانوا يتحركون😭