الفصل 60
“لا، الآنسة ساعدتني! ابتعد!”
دفعت ليريبِت بريدن ومدّت يدها نحو آسيل.
“آسفة، أظنّ أنّ أخي لم ينتبه لكِ.”
“أووم.”
رغم أنّ دفعها كان مؤلمًا، إلّا أنّه إن كان خطأً، فينبغي لآسيل صاحبة القلب الكبير أن تتفهّم.
مدّت آسيل يدها لتنهض، لكن في تلك اللحظة خيّم الغموض على وجه بريدن وهو يردّد في ذهنه كلمة “إليزابيث”.
“الآنسة إليزابيث… أليست محقّقة التفتيش العقائدي…؟”
فجأة تغيّرت ملامحه.
جذب يد ليريبِت التي كانت على وشك لمس آسيل بعنف.
“شكرًا لكِ على عنايتكِ،يا ابنة الكونت. لكن من الآن فصاعدًا، لا تقتربي منّا.”
ثمّ أخفى ليريبِت وراء ظهره قبل أن يسحبها بقوّة إلى الجهة الأخرى.
فبقيت يد آسيل الصغيرة الممدودة معلّقة في الهواء بلا جدوى.
من شدّة المفاجأة، فغرت آسيل فمها.
لكن ليريبِت، التي بدت غير راضية عن تصرّفه، صرخت بغضب:
“ما الذي تفعله يا بريدن!”
حاولت أن تقترب من آسيل لتعتذر، غير أنّ بريدن لم يرمش بعينه وهو يواصل جرّها في الاتجاه الآخر.
وما لبث أن تعثّر بجذر شجرة فسقط أرضًا.
سقطت ليريبِت معه وارتفع صوتها غاضبة:
“دعني! سأمشي في المقدّمة!”
“حسنًا. لكن لا تتحدّثي مع تلك الفتاة، وانظري إلى الأمام فقط.”
“حسنًا، سأفعل!”
استسلمت ليريبِت لعناده، فأمسكت يده بإحكام وسارت أمامه كما لو كانت تهديه الطريق.
ومع ذلك، وبحركة سريعة كي لا يلاحظ، شكّلت بكلمات شفاهها فقط نحو آسيل:
“شكرًا… آسفة.”
بقيت آسيل تحدّق مذهولة في ظهر الشقيقين اللذين ابتعدا.
‘ما هذا…؟’
لقد حاولت أن تساعد صديقة تتعرّض للتنمّر، لكنّها لم تسمع سوى كلمات جارحة.
هل ارتكبت آسيل خطأ؟
قفزت آسيل واقفة ونفضت التراب عن تنّورتها.
ثمّ التفتت إلى إيوكاستي التي ظلّت تراقب بصمت من الخلف، وسألتها:
“هل آسيل ارتكبت خطأ؟”
“من يدري.”
أجابت إيوكاستي وهي ترفع كتفيها.
ظلّت الحيرة عالقة في ذهنها حتى وصلت مع إيوكاستي إلى مكان شاي العصر، وهناك رأت وجهًا مألوفًا.
إيه…؟!
“إييك!”
سارعت آسيل لتغطية فمها بكلتا يديها.
لكن حتى صوت الهواء المتسرّب من بين أصابعها لم تستطع كبحه.
ومثلها، نهض الرجل المقابل فجأة بوجه مصدوم.
قهقهت إيوكاستي، التي تعشق المفاجآت السارّة غير المتوقّعة.
“لقد تحدّثتِ مع دوقي من قبل، لذا يمكن القول إنّه رفيق حديث لكِ. أقدّم لكِ ضيف الشرف: دوق مونليف.”
************
‘آسيل لم ترَ شيئًا.’
أدارت آسيل رأسها مبتعدة عن إيدِنبير الجالس أمامها.
عندما تذكرت أنّها كادت تُفتضح في قاعة العلاج وهي تقول “قدم أمامية” بدلًا من يد، ما زال قلبها يخفق بعنف.
جلوسها معه بهذا الشكل جعلها تشعر بالغرابة أكثر.
‘آسيل اليوم هي التنين الأسود المخيف.’
لن تفكّر في شيء سوى تعلّم قسوة البشر من الأميرة!
لكن مهما فعلت، لم يتركها نظر إيدِنبير.
حتى وهي تحتسي الحليب، أو تمضغ الحلوى، أو تتحاور مع الأميرة، ظلت عيناه الحادّتان تغرز في وجنتيها الطريّة.
‘لماذا تظلّ تحدّق؟’
ألم يقل إنّه غير مهتمّ بآسيل؟
أيعقل أنّه كشف هويّتها الحقيقيّة؟
بدأ عرق بارد يتجمّع في كفّيها رغم أنّها أقنعت نفسها أنّها “تنين أسود مخيف”.
مسحت يديها سرًّا أسفل المفرش، ثمّ أدارت جسدها قليلًا لتبتعد عنه.
عندما فعلت ذلك، صرف أخيرًا نظره نحو إيوكاستي وقال ببرود:
“مزاحكِ جاوز الحدّ.”
“أوه؟ مزاح تقول؟ مثلي مَن يكون صادقًا في كلّ أمر؟”
“إن كان هذا سبب دعوتي، فإذن سأغادر.”
وقف إيدِنبير بحزم.
فأطلقت إيوكاستي نفخة ساخرة، ثمّ التفتت نحو آسيل:
“انتهى وقت الشاي. عودي الآن يا آنسة.”
“……!”
ماذا؟ بالكاد جلست!
حدّقت آسيل فيها بوجه مصدوم، ثمّ سارعت تحشو فمها ببسكويتة.
‘سآكل هذه فقط قبل أن أرحل!’
أمّا إيدِنبير، فبدا كأنّ في صدره الكثير ليقوله لكنه يكبته، وهو ينظر إلى إيوكاستي.
ابتسمت الأخيرة بخفّة وقالت:
“أنا من رتّب هذا اللقاء، وأنا من ينهيه. أهناك مشكلة؟”
“…….”
“بما أنّ الآنسة لا تعرف الطريق، فليُرافقها الدوق حتى المدخل.”
“لا، لا! آسيل تستطيع العودة وحدها!”
“لو تهتِ هنا، فلن تخرجي قبل فجر الغد.”
“آسيل تريد الذهاب مع الأميرة!”
“أنا مشغولة. اطلبي ذلك من دوق مونليف.”
… هي لا تريد العودة مع زوجها وهو بهيئة إنسان، لكنّها لا تريد أيضًا الانتظار حتى الفجر.
نظرت آسيل إليه بعينين متردّدتين، وفتات البسكويت يحيط بفمها.
تنفّس إيدِنبير بعمق وقال بهدوء:
“سأوصلكِ حتى البوابة.”
“أوو…”
رغم أنّها حزينة، لم تجد خيارًا آخر.
مسحت فمها بكمّها، وخرجت مع إيدِنبير إلى الحديقة.
“من هنا.”
“أووم.”
تقدّم هو الطريق، ولحقت به آسيل.
وخلال المسير، لم تستطع إلا أن تلمح قفاه الذهبي.
‘بما أنّه لم يقل شيئًا بعد، فهذا يعني أنّه لم يكتشف شيئًا، صحيح؟’
لم تكن تعلم أنّها ليست الوحيدة التي تراقب الآخر.
إيدِنبير أيضًا كان يركّز كلّ انتباهه عليها.
كان يتوقّف حين تتأخر خطواتها، ثمّ يواصل السير معها متناسقًا.
ساد صمت ثقيل لا يقطعه سوى خشخشة العشب تحت الأقدام.
قطع الصمت صوته أولًا:
“شكرًا لكِ على ما فعلتِ يوم الحفل.”
قالها مرتبكًا، وهو يذكر أنّها وقفت لتدافع عنه.
“كما قلتِ، أكلت ثلاثة أشياء لذيذة.”
“أحسنت.”
في الحقيقة، آسيل كانت تعرف لأنّها شاركته الأكل، لكنها مدحته لأنه استحق.
ضغطت بإصبعها على صدرها الأيسر:
“وهل مكان الجرح بخير؟”
“نعم، بفضلكِ.”
أومأ برأسه ثمّ قال فجأة كلامًا غريبًا:
“آنسة، على يدكِ شيء.”
“أوه؟ هذه يد آسيل، ليست قدما!.”
“صحيح. إذن هل أسألكِ عن فاكهتكِ المفضّلة؟”
“أووم… آسيل تحبّ العنب أكثر.”
“والفراولة؟”
“آسيل تكرهها جدًّا.”
“همم… حسنًا. على أيّ حال، حين خرجتُ اليوم سمعت سعالًا شديدًا من غرفة الحيوان الروحي.”
“ماذا؟ الأرنب مريض؟”
“وكيف عرفتِ أنّ حيواني أرنب؟”
تجمّدت.
غرست عيناه المليئتان بالشكّ في خدّيها.
‘يا للمصيبة، قاومت طويلًا، لكنّ الأرنب أسقطني!’
تظاهرت آسيل بالبرود وأسرعت تقول:
“أووم، لا أعرف. فقط لأنّ عند آسيل أيضًا صديقًا أرنبًا.”
“أرنب صغير أبيض اللون؟”
“لا. أرنب أسود ضخم بالغ.”
“تكرهين السحالي، لكن تحبّين الأرانب إذن.”
عندها صمت إيدِنبير.
شعر أنه بالغ بالأسئلة.
“آسف.”
“على ماذا؟”
“لا شيء.”
مسح وجهه بتعب.
ثمّ تذكّر أمرًا آخر وقال:
“أودّ أن أشكركِ على مساعدتكِ. لو قبلتِ، أودّ دعوتكِ للقاء حيواني المقدس. هل يناسبكِ؟”
“لا!”
انتظرت هذه اللحظة.
لقد خطّطت عذرًا مناسبًا منذ قليل.
هزّت رأسها بحزم وقالت:
“آسيل لا تحبّ السحالي.”
“لكن حيواني تنين أسود.”
فجأة، وضعت آسيل يدها على فمها.
‘يا إلهي! أخيرًا هناك إنسان يسمّيني تنينًا أسود! آسيل متأثّرة جدًّا!’
توقّف هو عن المشي واستدار إليها يسأل بهدوء:
“بما أنّه ليس سحلية بل تنين أسود، أليس الأمر مقبولًا؟”
“لا، لا! آسيل تكره التنانين السود أيضًا!”
لكن الحقيقة أنّها لا تكره أبدًا… فهي نفسها تنين أسود متحوّل.
ومع ذلك، حفاظًا على سرّها، صاحت بدموع في عينيها:
“التنين الأسود مقزز!”
ولم تكن تعلم أنّ في البعيد، كان أرسِيان يتلفّت حوله متسائلًا:
‘مَن الذي شتمني الآن؟’
التعليقات لهذا الفصل " 60"