بابتسامةٍ متعجرفةٍ، أطلقت آسيل شخيرًا ساخرًا من أنفها.
(كيف؟ أسيل ذكيّةٌ جدًّا، أليس كذلك؟)
“نعم… ولكن كيف حصلتِ على هذا؟”
“بي بيا بيا” (أسيل تنّينةٌ لا ينقصها شيءٌ. لديها كلُّ شيءٍ.
لم تكن آسيل تعلم أنّ ثمرة الدينار التي تنتشر في غابة السُّوَناء كما تنتشر الحجارة، غير موجودةٍ في عالم البشر.
“أفهم… إذًا لديكِ كلُّ شيءٍ فعلًا.”
تمتم إيدنبر بهدوءٍ.
ورغم أنّ الأمر قد حُلّ، إلا أنّ نظراته كانت أثقل من حين تلقّى لأول مرةٍ حوالةً من دوقية سكايّا.
**********
بعد ذلك بوقتٍ قصيرٍ، وصلت دعوةُ شايٍ من الأميرة الثالثة “إيوكاستي” إلى قصر الكونت إليزابيث.
وكان السبب أنّها أرادت أن تعرّف آسيل، التي اتّخذتها حديثًا رفيقةً للحديث، على رفيقةٍ أخرى لها.
‘أخيرًا سأستطيع تقليد وحشيّة الأميرة!’
كانت متحمّسةً للغاية حتى أنّ قلبها خفق بقوّةٍ، فلم تستطع النوم ليلتها.
تحوّلت آسيل إلى هيئة إنسانةٍ، ثم بمساعدة أرسيان تأنّقت وتجمّلت، قبل أن تتوجّه إلى القصر الإمبراطوري.
وفي أثناء ركوب العربة، لم تنسَ أن تطلب من أرسيان ما فكّرت فيه منذ فترةٍ.
“آسيلي تريد تتعلّم سحر.”
“أيُّ سحرٍ؟”
وما إن يُذكر السحر، حتى يُذكر رجال التنانين السود، وما إن يُذكرون حتى يكون أرسيان في المقدّمة.
فقد اعتقد أنّ الفرصة حانت ليُري ابنته صورةً مهيبةً، لعلّها تناديه هذه المرّة “أبي”.
لكن ما قالته بعد ذلك جعله يتجمّد بتعبيرٍ محرجٍ.
“سحر النسخ.”
“نسخ؟”
“تلك المرّة حين كنتَ في صورة سحليةٍ وإنسانٍ في الوقت نفسه. آسيلي أيضًا تريد أن تكون في شكلها الأصلي ومعها الشكل الإنساني بنفس الوقت”
“هممم… ذلك سحرٌ من أعلى المراتب، وهو صعبٌ جدًّا عليكِ الآن يا آسيل.”
“لكن آسيلي تستطيع الآن التحول لإنسانة!.”
“التحوّل لإنسانٍ أهون بكثيرٍ من هذا السحر.”
…آه، إذًا هذا لا ينفع؟
بينما تصلّب جسده بصدمةٍ، قال أرسيان بفخرٍ:
“تحريك جسدين في وقتٍ واحدٍ أمرٌ لا تقدر عليه حتى بريانا. هذا لا يفعله إلا نوابغ! عباقرة من سلالة التنانين السود وحدهم، وهو سحرٌ في غاية التعقيد والصعوبة.”
“……ومتى آسيلي تستطيع فعلها؟”
“هممم، أنا نجحتُ فيه في أواخر فترة المراهقة. أظن أنّكِ أيضًا ستبلغين ذلك الوقت حينها.”
صُعقت آسيل من هذا الجواب القاتم.
يا للمصيبة.
فالمراهقة ما زال أمامها سنواتٌ!
‘إذًا ماذا عن وعدي مع زوجي؟ لقد اتّفقنا أن نتناول العشاء نحن الأربعة معًا.’
وبينما كانت تتجمّد أمام عقبةٍ غير متوقّعةٍ، كانت العربة قد تجاوزت بوابة القصر الإمبراطوري.
إذ لم يُسمح بالدخول إلا لأسيل، فقد أوصلها أرسيان إلى البوابة ثم عاد أدراجه.
‘ما العمل الآن.’
قلقٌ كبيرٌ أثقل كاهلها.
لقد وعدت بالفعل وقالت “حسنًا، سأنفّذ”.
صارت منشغلةً لدرجة أنّها فقدت حماسها للقاء الأميرة الثالثة المتوحّشة.
وبدت آسيل، التي فقدت حيويّتها، شاحبةً وهي تدخل قاعة الاستقبال لتبادر إيوكاستي بالتحيّة.
“أحيّي سموّ الأميرة.”
“حسنًا، انتظري قليلًا.”
كانت منشغلةً بالوثائق، لا تكاد تلتفت إليها.
جلست آسيل بهدوءٍ تنتظر، لكن عقلها كان في مكانٍ آخر.
‘ما العمل.’
هل أعتذر بأنني مريضةٌ فلا أذهب؟
لا، إذًا سيؤجّلون للمرّة القادمة.
هل أطلب المساعدة من أبي كما المرة السابقة؟ لا، قد ينتهي به الأمر أن يصدم زوجي بالحائط مجدّدًا.
لم تكن تعلم أنّ إيوكاستي كانت تتابع باهتمامٍ ملامحها المتغيّرة، بينما هي غارقةٌ في قلقها.
ثم غلبها النعاس، وغفت.
“لا أدري إن كنتِ أتيتِ لتشربي الشاي أم لتنامي.”
“……!!!”
قفزت آسيل مفزوعةً من صوت إيوكاستي.
وما إن نظرت إلى الساعة حتى اتّضح أنّها نامت ساعةً كاملةً!
بل والأسوأ، أنّها وجدت وسادةً صغيرةً تحت رأسها لا تدري من أين جاءت، وكأنّها غطّت في نومٍ عميقٍ.
مسحت فمها على عجلٍ.
“آسيلي لم تنم. كانت مغمّضة العين وتفكّر.”
“لقد رأيتُكِ نائمةً من اللحظة الأولى، و مع هذا تتجرأين أن تكذبي؟”
“آسيلي نامت.”
“بما أنّكِ اعترفتِ، سأتغاضى هذه المرّة.”
ثم جلست أمامها وهي تمسك الوثائق، تعقد ساقيها برشاقةٍ وتتابع القراءة.
تلك الوضعية… أمُّها كانت تجلس مثلها كثيرًا.
أما حين كانت طفلةً صغيرةً في هيئة رضيعةٍ فلم تستطع تقليدها قط.
‘يجب أن أجرّب مثلها.’
ثبّتت ذراعيها على الأريكة، وحاولت رفع ساقها فوق الأخرى…
“آه!”
لكنها لم تُتقن استخدام جسدها الإنساني بعد، فانقلبت على ظهرها مباشرةً.
نظرة إيوكاستي المستغربة كانت بمثابة الضربة القاضية.
لقد تركتها عمدًا لترى كيف تتصرّف في غفلةٍ، لكنها لم تتوقّع أن تنام ثم تسقط على ظهرها.
كان ما تفعله شديد الطرافة.
“حقًا، أمرٌ غامضٌ.”
تمتمت وهي تنهض بعد أن وضعت الوثائق جانبًا.
“اتبعيني.”
أبعدت وصيفاتها، وخرجت تتبعها آسيل بجدّيةٍ.
قالت فجأةً ببرودٍ:
“لا أحب أن أقسو على الأطفال. يفضل أن لا تكوني جاسوسة كونتيسة إليزابيث.”
“آسيلي ليست بطاطا بل إنسانة!!.”
[المترجمة مروة : الظاهر بالكوري كتابة بطاطا و جاسوسة و نطقهم يتشابه ]
“قلتُ جاسوسة.”
“آسيلي ….أه…انسانة .”
تنهدت، وتخلّت عن محاولة الشرح.
وما إن تجاوزتا الممرّ حتى وصلتا إلى الحديقة المشتركة للعائلة الإمبراطورية.
هناك، لمحت آسيل فتاةً في عمرٍ مقاربٍ لإيدنبر تحفر في التراب.
وكانت حولها بعض الفتيات النبيلات بأزياءٍ فاخرةٍ، يتهكّمن منها.
“كيف وصلت لقيطةٌ مثلها إلى هنا؟”
“واضحٌ، بفضل عطف سموّ وليّ العهد. كثيرًا ما يدعو اللقطاء إلى القصر.”
“يا للطيبة… آه، انظري! تحفر الأرض. هل ستأكل التراب؟ في المرّة الماضية حفرت حتى كاحلها، ترى هذه المرة إلى أين ستصل؟”
وأخذن يركلن التراب عليها بخفّةٍ، متنمّراتٍ، حتى تناثر على جسدها.
لكن الفتاة لم تتوقف عن الحفر، بعينين شاردتين كأنها لا تعي ما تفعل.
ثمّ لمحت إحدى الفتيات الأميرة إيوكاستي فحيّتها:
“أوه، سموّ الأميرة الثالثة.”
“أجننتن؟ أتثرن الشغب هنا؟”
“لا يا مولاتي، نحن وصيفات وليّ العهد، نعلّم آنسة سكايّا المهذّبة آداب التعامل بدل أن تفسد الحديقة.”
“كفى، واغربن عن وجهي.”
لكنّهن لم يبدين أي خوفٍ، بل ضحكن بخفّةٍ واتّجهن نحو حديقة وليّ العهد.
في هذا الجو البارد، رمقت آسيل ظهورهن بنظرةٍ حادّةٍ.
‘يا لهم من بشرٍ أشرارٍ.’
كيف يرمون التراب على جسد صديقة؟ ما أقسى هذا.
في تلك اللحظة توقفت الآنسة سكايّا عن الحفر.
مسحت يديها من التراب، ونهضت وقد عادت لوعيها، بعينين صافيتين.
كانت صغيرة الجسد مقارنةً بمن في سنّها.
اقتربت منها آسيل وقدّمت لها منديلها.
“امسحي بهذا.”
“…شكرًا. أنتِ لطيفةٌ.”
تردّدت قليلًا ثم مسحت يديها وأعادته.
بعدها تحدّثت بودٍّ:
“أنا أعرفكِ. أنتِ ابنة الكونت إليزابيث، صحيح؟ رأيتكِ في حفل سموّ الأميرة.”
التعليقات لهذا الفصل " 59"