6 - لَدَيَّ أَنَا أَيْضًا مَا أَوَدُّ نَيْلَهُ
“ماذا تفعلينَ؟”
“في الحقيقةِ…. هناكَ ظروفٌ…. طرأتْ فجأةً.”
مود التي سحبتْهُ بقوةٍ منذُ قليلٍ، أفلتتْ ربطةَ عنقهِ الآنَ بجفلةٍ وارتباكٍ. راحتْ تسترِقُ النظرَ عَمَّا وراءَ الشرفةِ ثانيةً، ثم جمعتْ كفيها معاً في إيماءةِ توسُّلٍ رقيقةٍ.
لم يكنْ يبالي بتلكَ الظروفِ أيا كانتْ، لكن لا بدَّ أنَّ هناكَ سبباً دفعَها لتمثيلِ دورِ القطةِ التائهةِ هذهِ. وكانَ عليهِ حلُّ هذهِ المعضلةِ أولاً لينهيَ ما بينهما من حديثٍ.
أطلقَ كايل زفيراً حارّاً وسألَ:
“إذًا، قولي لي، ما الذي….؟”
لكنها بدلاً من الإجابةِ، التصقتْ أكثرَ بحافةِ الشرفةِ، وهو ما أثارَ انزعاجَهُ…. وفي تلكَ اللحظةِ.
“مَنْ لدينا هنا؟”
تناهى إلى مسامعهِ صوتٌ مألوفٌ جعلَ ملامحَ المرأةِ تنقبضُ بشدةٍ. بدا أنَّ فيليكس بيكفورد لم يكنْ شخصاً مزعجاً لهُ وحدهُ بل لها أيضاً.
مررَ كايل يدَهُ على شعرِهِ بوجهٍ جامدٍ وقالَ:
“معذرةً للحظةٍ.”
أمسك كفَّ مود اليمنى بلطفٍ وجذبَها لتصبحَ أمامهُ تماماً، ثم نزعَ سترةَ بَدلتِهِ ووضعَها فوقَ كتفيها كأنَّهُ يغلفُها بها.
“ارتديهَا. إنْ بقيتِ هكذا، سيتمزقُ ظهرُ فستانِكِ تماماً.”
حينها فقط، أدركتْ مود أنَّ ما خلفَها ليسَ سوى عمودٍ من الرخامِ ذي الملمسِ الخشنِ. رفعتْ عينيها نحو كايل بملامحَ غلبَ عليها الارتباكُ، لكنهُ بدا غيرَ مكترثٍ، مما دفعَها لصرفِ نظرِها عنهُ سريعاً.
شدتْ مود سترةَ كايل حولَها بمزيدٍ من الحرجِ. وسرعانَ ما وجدتْ عيناها التائهتانِ مستقرّاً جديداً فوقَ ظلِّها المنعكسِ على الأرضِ؛ فقد بدا كتفاها العريضانِ بسببِ السترةِ وكأنها ترتدي درعاً، وهو ما وجدتهُ مضحكاً للغايةِ.
عندما هزتْ كتفيها قليلاً، رقصَ الظلُّ بحركاتٍ متكسرةٍ ومضحكةٍ. اضطرتْ مود لضمِّ شفتيها بقوةٍ لتكتمَ ضحكتَها أمامَ ذاكَ المنظرِ الهزليِّ.
عادتْ نظراتُها نحو كايل؛ لاحَ لها أنَّ كلَّ ما يخصُّ هذا الرجلَ كان ضخماً وعظيماً. بدءاً من طولِهِ الذي يجبرُها على رفعِ رأسِها حتى يؤلمَها عنقُها، ومروراً بكتفيهِ الشاسعينِ، وصولاً إلى كفِّ يدِهِ التي تبدو أكبرَ من يدِها بثلاثِ مراتٍ على الأقلِ.
فكرتْ في أنَّ كمالَهُ طاغٍ لدرجةٍ غيرِ واقعيةٍ. وبينما كانت تراقبُ خصلاتِ شعرِهِ وهي تتطايرُ وسطَ وهجِ الشفقِ الأحمرِ، تلاقتْ عيناهُ بعينيها؛ كانتْ عيناهُ في غايةِ السكونِ، كسطحِ ماءٍ رائقٍ يمكنكَ رؤيةُ أعماقِهِ، لكنكَ لا تجدُ فيهِ شيئاً.
تلكَ اللحظةُ التي تعذرَ فيها قراءةُ أيِّ شيءٍ بدتْ أطولَ من أيِّ وقتٍ مضى، وكأنها لن تنتهيَ أبداً.
وعندما همتْ مود بصرفِ نظرِها هرباً من هذا الشعورِ الغريبِ.
“متى وصلتَ؟”
ترافقَ الصوتُ المألوفُ مع وقعِ عصاً ترتطمُ بالأرضِ ارتطاماً ثقيلاً. إنهُ فيليكس.
‘آه…. أرجوكَ اذهبْ! لا تأتِ إلى هنا!’
التصقتْ مود أكثرَ بعمودِ الشرفةِ المجاورِ لها. كان لقاءُ فيليكس بالنسبةِ إليها أمراً يثيرُ الحنقَ والاشمئزازَ أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخرَ. والسببُ بسيطٌ.
لأنها تعلمُ يقيناً أنهُ سيمطرُها بوابلٍ من الأسئلةِ عن كلِّ شيءٍ، بدءاً من الماسةِ الورديةِ وصولاً إلى علاقتِها بالنقيبِ!
وبالطبعِ، حتى لو لم تُجبْ، فسيستمرُّ فيليكس في الثرثرةِ عما يعلمُهُ بزهوٍ. كان يمتلكُ مهارةً عاليةً في الحديثِ تمكنهُ من تجاوزِ الخطوطِ الحمراءِ ببراعةٍ، وهو الأمرُ الذي كان يستفزُّ مود دائماً.
فبقدرِ نباهتِهِ، كان اعتذارُهُ سريعاً أيضاً، مما يجعلُ الطرفَ الآخرَ عاجزاً عن الردِّ. لقد كان فيليكس بيكفورد يمتلكُ موهبةً فذةً في السخريةِ واستفزازِ الناسِ.
تسللتْ تنهيدةٌ من بينِ شفتيها.
“من الأفضلِ أن تذهبَ إلى الشرفةِ المقابلةِ.”
اعترضَ كايل طريقَهُ وهو يستندُ بميلٍ على البابِ. كانتْ نظراتُهُ تقولُ “ارحلْ بينما أتحدثُ معك باللينِ”، لكنَّ فيليكس لم يكترثْ، بل رمقهُ بنظرةٍ ساخرةٍ وهو يتهكمُ:
“وماذا لو رفضتُ؟”
“سأضطرُّ لمنعِ بناءِ ‘بيكفورد’ في وورتن.”
كان ردّاً مقتضباً يحملُ تهديداً صريحاً، نُطقَ بصوتٍ هادئٍ ورزينٍ.
“أيها الوغدُ.”
تمتمَ فيليكس بكلماتٍ غيرِ مفهومةٍ وهو يتجهُ نحو الشرفةِ المقابلةِ. وعندها فقط.
“تعالَيْ إلى هنا.”
مدَّ كايل يدَهُ لمود. أمسكتْ يدَهُ دونَ تفكيرٍ، فجذبَها لتقفَ عندَ بابِ الشرفةِ؛ مكانٌ محجوبٌ تماماً بالعمودِ الضخمِ، منطقةٌ عمياءُ لا يمكنُ رؤيتُها من الشرفةِ الأخرى.
أطلقتْ مود زفيرَ راحةٍ وهمستْ لكايل:
“أشكرُكَ على المساعدةِ.”
وما إن أومأ كايل برأسهِ، حتى انطلقَ صوتُ المتطفلِ ثانيةً:
“ولكنْ حقّاً، ما الأمرُ؟ لقد جئتَ دونَ سابقِ إنذارٍ.”
كان فيليكس يتكئُ على حافةِ الشرفةِ الأخرى، يرمقُ كايل بنظراتٍ ملؤُها الريبةُ.
“سأصلُ إلى وورتن بعدَ غدٍ تقريباً.”
“كان عليكَ إخباري بذلكَ منذُ فترةٍ!”
“أنا أخبرُكَ الآنَ.”
كان عذرهُ معقولاً، فقد كانَ مجردَ إبلاغٍ بأنهُ سيذهبُ وحدهُ. ظهرَ الازدراءُ في عيني فيليكس، لكنَّ كايل لم يحركْ ساكناً. وفجأةً، تغيرتْ ملامحُ فيليكس، وارتسمتْ على وجههِ ابتسامةٌ خبيثةٌ كأنما كان ينتظرُ هذهِ اللحظةَ تحديداً.
“على أيِّ حالٍ.. لم أكنْ أعلمُ أنَّ لدى سموِّ الدوقِ الأكبرِ مثلَ هذهِ الموهبةِ.”
“……”
“لا تظهرُ في المجتمعِ المخمليِّ أبداً، بل وتجعلُ الآنَ السيدةَ مود تأتي للبحثِ عنكَ حتى القاعدةِ العسكريةِ!”
ولم ينسَ أن يضيفَ بعضَ التهكمِ واصفاً الأمرَ بأنهُ “تصرفٌ لطيفٌ”.
‘لقد قالا إنهما أبناءُ عمومةٍ….’
استرقتْ مود النظرَ لملامحِ كايل. كان فيليكس يمتلكُ شخصيةً يصعبُ تحملُها حتى وإن كانَ قريباً، ومع ذلكَ، فإنَّ رؤيةَ كايل وهو يحدقُ في السماءِ بمثلِ ذاكَ الوجهِ الهادئِ جعلتها تفكرُ في أنهُ رجلٌ ذو صبرٍ عظيمٍ. فلو كانتْ مكانَهُ لكانتْ قد وجهتْ لفيليكس لكمةً منذُ زمنٍ؛ هكذا وبختْ مودُ فيليكس الصاخبَ في خيالِها.
تابعَ فيليكس الحقيقيُّ حديثَهُ:
“ما نوعُ العلاقةِ بينهما؟ آه، يجبُ أن أسألَ الآنسة مود مباشرةً، لكنها تبرعُ في التهربِ مني.”
ضحكَ فيليكس بعبثٍ وفرقعَ أصابعَهُ.
“وهل ستصدقُ ما سأقولُهُ؟”
ردَّ كايل بسؤالٍ هادئٍ، فبدا فيليكس مرتبكاً للحظةٍ قبلَ أن تعودَ ابتسامتُهُ ويقولَ:
“كلّاً.”
“إذًا فكرْ كما تشاءُ، أيها الدوقُ.”
أومأ كايل برأسهِ ببرودٍ كأنهُ كان يتوقعُ هذهِ الإجابةَ.
“إنني ممتنٌّ للغايةِ، فيبدو أنهُ سيكونُ موسماً اجتماعياً مشوقاً بفضلِ سموِّ الدوقِ الأكبرِ.”
تطايرتْ ضحكاتُ فيليكس مع مزاحِهِ السخيفِ. وكما كان متوقعاً، لم تكنْ ردةُ فعلهِ الصريحةُ محببةً، لكنها كانتْ أهونُ من المعتادِ، بل اعتبرَها كايل محتملةً.
بينما كان كايل يدلكُ قفاهُ بتعبٍ.
“ولكنْ.. أينَ تركتَ سترتَكَ؟”
ضاقتْ عينا فيليكس وهو يتفحصُ ابنَ عمِّهِ من رأسهِ حتى أخمصِ قدميهِ. لفتَ انتباهَهُ منظرهُ الغريبُ؛ فهو يرتدي كاملَ ملابسهِ الرسميةِ بـ “صديريةٍ” مثاليةٍ، لكنَّ السترةَ اختفتْ تماماً.
‘كأنهُ خلعَها ليعطيَها لأحدٍ ما.’
وعندما همَّ بالاسترسالِ، قاطعَهُ طرقٌ عاجلٌ على البابِ مع صوتِ المديرِ العامِ للفندقِ ينادي فيليكس:
“يا صاحبَ السعادةِ، هناكَ أمرٌ يجبُ أن تتفقدَهُ فوراً.”
قطبَ فيليكس حاجبيهِ بسببِ هذا الظرفِ الطارئِ المزعجِ، وبدأَ بالتحركِ وهو يلقي بكلماتهِ الأخيرةِ:
“وأيضاً، لديَّ ما أقولُهُ بشأنِ أرضِ ‘وورتن’ لفندقِ بيكفورد الثاني. بما أنكَ ستصلُ قبلي، أرجو أن تتفقدَ الأمرَ.”
“تعالَ إلى جناحي الخاصِّ.”
“حسناً، لن أتأخرَ.”
خرجَ فيليكس مسرعاً من الشرفةِ. وبفضلِ اتجاههِ نحو الجهةِ المقابلةِ، لم يلتفتْ ولو بنظرةٍ واحدةٍ نحو مود الواقفةِ بجانبِ النافذةِ.
لم تطلقْ مود زفيرَ الراحةِ إلا بعدَ أن تأكدتْ من اختفاءِ فيليكس تماماً عن الأنظارِ. ومع رحيلِ ذاكَ المزعجِ، لم يتبقَّ سوى أمرٍ واحدٍ: الإجابةُ التي طالَ انتظارُها من هذا الرجلِ.
نظرتْ مود إلى ظهرِ كايل وتخيلتْ عملةً نقديةً؛ الوجهُ الأولُ يعني أنها ستواجهُ ملامحَهُ بالموافقةِ، والوجهُ الآخرُ يعني أنها ستراقبُ رحيلَهُ عن الشرفةِ بالرفضِ. كانتْ واثقةً من الوجهِ الأولِ، لكنها لم تكنْ لتستسلمَ حتى لو واجهتِ الوجهَ الآخرَ.
كانت عازمةً على أن تجعلَ منهُ أكثرَ الرجالِ بهاءً وروعةً لتقدمَهُ للإمبراطورِ؛ كزهرةِ المجتمعِ، وكتحفةٍ فنيةٍ في سوقِ الزواجِ.
في ذلكَ الوقتِ الذي ترسمُ فيهِ الشمسُ الغاربةُ ظلالاً باهتةً، تقدمَ كايل الواقفُ في مقدمةِ الشرفةِ بخطواتٍ واسعةٍ. توقفَ على بُعدِ مسافةٍ قصيرةٍ ونظرَ إلى مود قائلاً:
“لقد جئتُ لأمنحَكِ الإجابةَ.”
“هل ستهبني نفسكَ أيها النقيبُ؟”
نظرتْ إليهِ مود والابتسامةُ تملأُ وجهَها.
“بكلِّ سرورٍ. فلديَّ أنا أيضاً ما أودُّ نيلَهُ.”
كان صوتُ كايل المسترخي ناعماً كنسمةِ المساءِ العليلةِ. رجلٌ جميلٌ كجمالِ السماءِ في ليلةٍ زرقاءَ داكنةٍ.
‘أرأيتِ؟! لقد قلتُ لكِ إنهُ الوجهُ الأولُ.’
كانتْ ابتسامةُ مود في وجهِ ذاكَ الرجلِ بجمالِ وهجِ الشفقِ الورديِّ.
Chapters
Comments
- 6 - لَدَيَّ أَنَا أَيْضًا مَا أَوَدُّ نَيْلَهُ منذ 9 ساعات
- 5 - امرأةٌ غريبةُ الأطوارِ منذ 9 ساعات
- 4 - ليَومٍ واحِدٍ، هَبني نَفْسَكَ أَيُّهَا النقيب منذ 9 ساعات
- 3 - ثَمَّةَ زائرٌ بالانتظارِ منذ 9 ساعات
- 2 - لا صمودَ أمامَ المباغتةِ منذ 9 ساعات
- 1 - رجلٌ صالِحٌ للبيعِ منذ 9 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 6"