5 - امرأةٌ غريبةُ الأطوارِ
“أمهليني بعضَ الوقتِ. سأتصلُ بكِ قبلَ وقتِ العشاءِ من مساء الغدِ.”
أنهى كايل حديثَهُ بملامحَ باردةٍ، لكنهُ حافظَ على آدابِ اللياقةِ وهو ينسحبُ بهدوءٍ من ردهةِ الطابقِ الثاني للمقهى.
“سأكونُ بانتظارِ أخبارك الطيبةِ.”
نهضتْ مود هي الأخرى وبادلتْهُ التحيةَ بوقارٍ وهي تودعُهُ. بدا المديرُ مرتبكًا وهو يراقبُ ظهرَ الرجلِ المغادرِ، لكنهُ سرعانَ ما استعادَ كياسَتَهُ المعهودةَ وقدمَ القهوةَ إلى الطاولةِ.
“أشكرُكَ.”
أضافَ عبيرُ القهوةِ الزكيُّ لمسةً من السحرِ على جوِّ المكانِ.
***
دخلتِ السيارةُ السوداءُ ذاتُ الهيكلِ الفاخرِ إلى الطريقِ الهادئِ. كانتْ سيارةً فريدةً، صُممتْ خصيصًا لكايل بخطوطٍ انسيابيةٍ جذابةٍ. انطلقتِ المركبةُ بسرعةٍ كبيرةٍ عائدةً أدراجَها نحو القاعدةِ، بينما كانتِ الرياحُ القويةُ المتسللةُ من النوافذِ المفتوحةِ تعبثُ بشعرِهِ.
مررَ كايل يدَهُ على شعرِهِ المبعثرِ بإهمالٍ، وقد غرقَ في تفكيرٍ عميقٍ. كان يؤمنُ أنَّ الصوابَ يكمنُ في الاختيارِ حينَ تتاحُ الفرصُ، وأنَّ الأفضلَ هو نيلُ المكاسبِ حينَ تُعرضُ؛ فكيفَ إذا كانَ المعروضُ شيئًا يصبو إليهِ بشدةٍ؟
كان “إينين فويت” رسامًا مجهولًا تُقدرُهُ والدتُهُ الراحلةُ حقَّ القدرِ. وكان كايل يطمحُ للعثورِ عليهِ بأيِّ ثمنٍ لإتمامِ “معجمِ اللوحاتِ” الذي تركتْهُ والدتُهُ. لأجلِ هذا الهدفِ، لم يتنازلْ قط عن عطلاتِهِ ولم يطلبْ إلغاءَها، فقد كانَ الأمرُ بالنسبةِ إليهِ غايةً في الأهميةِ.
رغمَ أنَّ الرسامَ نالَ شهرةً واسعةً مؤخرًا، إلا أنَّ وجهَهُ ظلَّ محجوبًا عن الأنظارِ خلفَ ستارٍ من الغموضِ. قضى كايل أكثرَ من ثلاثِ سنواتٍ في البحثِ عنهُ، دونَ أن يجدَ شخصًا واحدًا يعرفُ حتى جنسَ هذا الفنانِ. والآنَ، تأتي امرأةٌ لتعرضَ عليهِ إيصالَهُ بـ “إينين فويت”.
— “لِيومٍ واحِدٍ فقط، هَبْنِي نَفْسَكَ أَيُّهَا النَّقِيبُ.”
كلما تذكرَ كلماتِها، وجدَها امرأةً تثيرُ العجبَ لدرجةِ السخريةِ. انطلقتْ منهُ ضحكةٌ خافتةٌ؛ فقد كانتْ كلماتُها الجريئةُ والوقحةُ تترددُ في أذنهِ كطنينٍ لا ينقطعُ. كانتْ صفقةً واضحةَ الأرباحِ والخسائرِ؛ خسارةٌ تتمثلُ في فضيحةٍ محتملةٍ، ومكسبٌ ذو قيمةٍ عاليةٍ لا يُقدرُ بثمنٍ.
رغمَ شعورِهِ بالحنقِ لكونِهِ قد أصبحَ “سلعةً” في رهانٍ بينَ شخصينِ دونَ علمِهِ، إلا أنَّ الحصولَ على “إينين فويت” كان استحقاقًا يستحقُّ الصبرَ.
‘لو أستطيعُ الرحيلَ فورًا…..’
لم يكنْ يبالي لو كانَ الوجهةُ منطقةَ نزاعاتٍ تملؤُها الرصاصاتُ أو بلادًا أجنبيةً سحيقةً. فحتى أشدُّ الإشاعاتِ وطأةً ستخبو مع غيابِ صاحبِها، ومع مرورِ الوقتِ والعيشِ بهدوءٍ، سينسى الناسُ كلَّ شيءٍ. ضاقتْ عينا كايل وهو يقبضُ على عجلةِ القيادةِ بصرامةٍ.
رفعَ كُمَّ قميصِهِ ليتفحصَ الوقتَ في ساعتِهِ؛ كانَ عليهِ أن يختارَ الآنَ، فالوقتُ لم يعدْ في صالحِهِ. زادَ كايل من سرعةِ سيارتِهِ.
***
بمجردِ الاقترابِ من الفندقِ، كان الضجيجُ يملأُ المكانَ. نظرتْ مود بفضولٍ نحو سارة، التي بدتْ هي الأخرى جاهلةً بما يحدثُ. مَدَّتْ سارةُ عنقَها تستكشفُ الأجواءَ، ثم استوقفتْ فتاةً في مثلِ عمرِها ترتدي زيَّ الخادماتِ لتسألَها:
“أعتذرُ على إزعاجِكِ! هل هناكَ احتفالٌ ما؟ أم أنَّ خطبًا ما قد أصابَ الفندقَ؟”
“هناك عرضٌ للألعابِ الناريةِ يُقامُ كلَّ عامٍ، لذا خرجَ الجميعُ للمشاهدةِ.”
آه، الألعابُ الناريةُ…..
حينها فقط، انتبهتْ مود للصخبِ المحيطِ بها.
بالنظرِ إلى عددِ العاملينَ والأجواءِ المليئةِ بالحماسِ، بدا أنَّ الاستعداداتِ كانت لحدثٍ ضخمٍ. فليالي الصيفِ طويلةٌ جدًّا، والشربُ واللهوُ قد يصبحانِ مملينِ بعدَ فترةٍ. كانتْ مود تدركُ تمامًا أنهُ بالنسبةِ لأولئك الذينَ يعيشونَ حياةَ الفراغِ، لا يوجدُ عرضٌ أفضلُ من الألعابِ الناريةِ لكسرِ رتابةِ ليلِ الصيفِ.
“حقًّا؟! ومن أينَ تكونُ المشاهدةُ أفضلَ؟”
سألتْ سارة بعينينِ تلمعانِ بالفضولِ.
“بسببِ ضخامتِهِ وجمالِهِ، يمكنُ رؤيتُهُ من أيِّ مكانٍ، لكنَّ الناسَ يقولونَ إنَّ شرفةَ الفندقِ وحديقتَهُ هما الأفضلُ على الإطلاقِ.”
“أشكرُكِ جزيلًا!”
عادتْ سارة راكضةً وهي تنادي بلهفةٍ:
“آنستي! هناكَ عرضٌ للألعابِ الناريةِ!”
“أجل، لقد سمعتُ.”
“يقولونَ إنَّ الرؤيةَ تكونُ أروعَ ما يكونُ من شرفةِ السطحِ والحديقةِ!”
رغمَ أنَّ مود كانت تتوقُ للراحةِ في غرفتِها، إلا أنها شعرتْ بأنَّ تفويتَ هذا العرضِ خلالَ عطلتِها سيكونُ خسارةً.
‘يومٌ واحدٌ لن يضرَّ بشيءٍ.’
بعدَ تفكيرٍ قصيرٍ، أومأتْ برأسِها موافقةً.
“أعتقدُ أنَّ الحديقةَ ستكونُ أقلَّ صخبًا من شرفةِ السطحِ.”
“أمرُكِ! سأذهبُ لأعرفَ موعدَ البدءِ. إذا كنتِ متعبةً، فما رأيُكِ بالراحةِ في الغرفةِ قليلًا؟”
“لا بأسَ، سألقي نظرةً عامةً على المكانِ أولًا.”
“إذًا…. أرجوكِ لا تبتعدي كثيرًا؟”
لوحتْ مود بيدِها في الهواءِ تحثُّ سارةَ على الذهابِ:
“حسناً، لستُ طفلةً صغيرةً.”
انطلقتْ ضحكةٌ من مود وهي ترى سارةَ تعاملُها كطفلةٍ رغمَ أنها أصبحتْ أطولَ منها الآنَ بمسافةِ كفٍّ. اختفتْ سارةُ عن الأنظارِ بعدَ ترددٍ واضحٍ، وبدأتْ مود جولَتَها في الفندقِ.
بدا الفندقُ من الداخلِ هادئًا بشكلٍ ملحوظٍ، ربما لأنَّ موعدَ العرضِ قد اقتربَ. هدوءٌ عجيبٌ حلَّ محلَّ وهجِ شمسِ منتصفِ الليلِ؛ لقد انتصرتِ الألعابُ الناريةُ على تلكَ الماسةِ المشؤومةِ.
كانت بيرغن مدينةً ذاتَ سواحلَ باردةٍ وجميلةٍ تمتدُّ على طولِ الجروفِ الصخريةِ الخلابةِ. ولهذا السببِ، لُقبتْ بـ “جوهرةِ الشمالِ”، وازدحمتْ بالقصورِ الفاخرةِ التي اشتراها النبلاءُ والبورجوازيونَ الجددُ لقضاءِ الصيفِ.
ومع تطورِ السككِ الحديديةِ مؤخرًا، ازدادَ الإقبالُ عليها من كافةِ أنحاء الإمبراطوريةِ ومن الخارجِ أيضًا. بل وأصبحَ امتلاكُ فيلا صيفيةٍ هنا أو عضويةٍ في فندقٍ هو المقياسَ للنجاحِ والمكانةِ الاجتماعيةِ، فظلتِ المدينةُ تنعمُ ببركاتِ الزوارِ التي لا تنضبُ.
ورغمَ ظهورِ العديدِ من الفنادقِ الضخمةِ، إلا أنَّ فندقَ “بيكفورد” ظلَّ يتربعُ على القمةِ بلا منازعٍ، خاصةً وأنهُ الوحيدُ القريبُ من محطةِ القطارِ. كانتْ شعبيةُ الفندقِ تدلُّ على حنكةِ الدوقِ فيليكس التجاريةِ، بعيدًا عن شخصيتِهِ المزعجةِ.
اتجهتْ مود نحو الشرفةِ المطلةِ على الردهةِ. ومن هناكَ، رأتِ الحديقةَ الجميلةَ والطاولاتِ التي أُعدتْ بعنايةٍ فائقةٍ، وكأنها قطعٌ فنيةٌ نُسجتْ بأيدي أمهرِ المبدعينَ.
كان كلُّ شيءٍ مذهلًا لدرجةِ يصعبُ معها تجاهُلُهُ. وتوقفتْ نظراتُها طويلاً عندَ تنسيقاتِ الزهورِ؛ ألم تكنْ تلكَ هي الورودُ البيضاءُ التي كان من المفترضِ أن تزينَ مقهاها؟
— “يمكنني أن أدفعَ لكِ ستةَ أضعافِ ما تطلبينَهُ. فأنا لا أبخلُ على الأفضلِ.”
— “لا أدري… الديكورُ الداخليُّ لا يزالُ رائعًا، ما رأيُكِ في العملِ عليهِ في الخريفِ؟”
تذكرتْ مود كلماتِ منسقةِ الزهورِ جوديت كيرسون وهي ترفضُ طلبَها بوجهٍ لا مبالٍ، فقطبتْ مود حاجبيها. لا شكَّ أنها حصلتْ من الدوقِ فيليكس على عشرةِ أضعافِ المبلغِ.
‘لقد أضعتُ وقتي فحسب.’
انطلقتْ ضحكةٌ فاترةٌ من شفتي مود. ثم تحولتْ نظراتُها من الحديقةِ نحو الخارجِ، ظنًّا منها أنَّ سارةَ قد اقتربَ موعدُ عودتِها. وبينما كانتْ تهمُّ بالتحركِ، لمحَ بصرُها رجلًا لا تخطئُهُ عيناها. ومع اقترابِهِ، أشرقَ وجهُها بالبشرِ.
‘النقيب!’
كانتْ مود واثقةً بأنَّ كايل قد جاءَ إلى “بيكفورد” ليمنحَها الإجابةَ.
‘يجبُ ألا أفوتَ الفرصةَ.’
وبينما كانت تهمُّ بالخروجِ من الشرفةِ مسرعةً، تلاقتْ أعينهما. توقفَ كايل قليلًا وحنى رأسَهُ بأدبٍ، فردتْ مود التحيةَ بوقارٍ، ليبدأَ هو بالسيرِ نحو الشرفةِ مرةً أخرى.
كان كايل يبدو بمظهرٍ مختلفٍ تمامًا عن الصباحِ؛ فبدلاً من الزيِّ الرسميِّ والشعرِ المصففِ بـالبوماد إلى الخلفِ، بدا أكثرَ نعومةً بشعرِهِ المنسدلِ. كان رجلاً يصبغُ ليلَ “بيرغن” بسحرهِ، وسيكونُ بلا شكٍّ الرجلَ الذي سيزينُ أروعَ ليلةٍ في الموسمِ الاجتماعيِّ القادمِ.
البومباد : زيت أو كريم لتصفيف الشعر
لم يهربْ كايل من نظراتِ المرأةِ المبتهجةِ، بل استقرتْ عيناهُ على وجنتيها اللتينِ بلونِ الخوخِ. وبينما كان يحدقُ فيها بصمتٍ، فكرَ في أنَّ القدرَ قد اختارَ أجملَ الألوانِ ليرسمَ بها هذهِ المرأةَ. تمنى لو أنها عاشتْ بصدقِ ذلكَ الوجهِ الصافي، لكنَّ عينيهِ كانتا تحملانِ هدوءًا يسبقُ العاصفةَ.
فجأةً، تراجعتْ مود التي كانت تتقدمُ نحوهُ، واختفتْ عن أنظارِهِ. كان تصرُّفًا غيرَ متوقعٍ بلا شكٍّ، لكنهُ لم يسببْ لهُ ذاتَ الارتباكِ الذي شعرَ بهِ حينَ اقتحمتِ القاعدةَ في الصباحِ، لذا لم تظهرْ على وجههِ أيُّ مشاعرَ خاصةٍ.
بخطواتٍ واسعةٍ، وصلَ كايل إلى أعمدةِ الشرفةِ الداخليةِ، وعندما وجدَها، أطلقَ ضحكةً مكتومةً من شدةِ العجبِ؛ فقد كانت مود تختبئُ خلفَ عمودٍ ضخمٍ خلفَ نافذةِ الشرفةِ، وتضعُ سبابتَها على شفتيها.
“اششش.”
تأملَ كايل تصرُّفَها باستغرابٍ، ثم أرخى ربطةَ عنقهِ بعبثٍ وهو يفكرُ فيما تفعلهُ. وبينما كان يهمُّ بسؤالِها عما تفعلهُ، أمسكتِ المرأةُ التي كانت تراقبُ ما وراءَ الشرفةِ يدَهُ وجذبتْهُ خلفَ العمودِ. كانتْ يدُها دافئةً لدرجةٍ لم تستطعْ معها رياحُ الليلِ الفاترةُ تخفيفَ تلكَ الحرارةِ.
سرتِ الحرارةُ في أطرافِ أصابعِهِ.
ومع ذلكَ، لم تتركِ المرأةُ يدَهُ، بل نظرتْ إليهِ بتعبيرٍ صارمٍ وقالتْ:
“أنا أعتذرُ… وأرجوكَ أن تدركَ أنَّ هذا ليسَ عمدًا على الإطلاقِ!”
لم يستغرقْ كايل وقتاً طويلاً ليفهمَ معنى هذا الاعتذارِ الغامضِ؛ فقد جذبتْ طرفَ ربطةِ عنقهِ فجأةً، ليصبحَ الاثنانِ في وضعيةٍ قريبةٍ جدًّا لدرجةِ تلامسِ الأنفاسِ. نظرَ كايل إلى وجنتي مود المحمرتينِ وابتسمَ بسخريةٍ.
لقد كانتْ هذهِ المرأةُ غريبةً حقًّا، لدرجةٍ تثيرُ الذهولَ.
Chapters
Comments
- 6 - لَدَيَّ أَنَا أَيْضًا مَا أَوَدُّ نَيْلَهُ منذ 9 ساعات
- 5 - امرأةٌ غريبةُ الأطوارِ منذ 9 ساعات
- 4 - ليَومٍ واحِدٍ، هَبني نَفْسَكَ أَيُّهَا النقيب منذ 9 ساعات
- 3 - ثَمَّةَ زائرٌ بالانتظارِ منذ 9 ساعات
- 2 - لا صمودَ أمامَ المباغتةِ منذ 9 ساعات
- 1 - رجلٌ صالِحٌ للبيعِ منذ 9 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 5"