3 - ثَمَّةَ زائرٌ بالانتظارِ
كان صباحًا يشبهُ بقيةَ صباحاتِ العملِ، غيرَ أنَّ توترًا خفيًّا كان يسري في أرجاء القصرِ. وقفَ كايل بزيهِ الرسميِّ بعدَ أن أتمَّ تبديلَ ملابسهِ أمامَ المرآةِ، يضعُ لمساتِهِ الأخيرةَ على هندامهِ، وقد استشعرَ هو الآخرُ هذا التغييرَ الطفيفَ في الأجواءِ.
رتبَ أكمامَ بدلتِهِ العسكريةِ، بينما كان يراقبُ عبرَ انعكاسِ المرآةِ ملامحَ كبيرِ الخدمِ ميلتون. بدا الرجلُ على غيرِ عادتهِ، يطبقُ شفتيهِ ويترددُ في الحديثِ، وكأنَّ في جعبتهِ قولًا يغالبُهُ.
“إذا كان لديكَ ما تقولُهُ، فتحدثْ.”
استدارَ كايل نحو ميلتون وهو ينطقُ بكلماتهِ.
“إنها الرسائلُ يا سيدي. لقد أرسلتِ السيدةُ مود أربعَ رسائلَ حتى الآن.”
“أجبْ عليها كما تراهُ مناسبًا.”
نزلتِ الكلمةُ ببرودٍ تامٍ، فغشيَ الهمُّ وجهَ ميلتون وهو يتبعُ سيدَهُ.
“يبدو أنها أدركتْ بالفعلِ أنَّ سموَّكَ لستَ في عطلةٍ.”
“وهل في ذلكَ مشكلةٌ؟”
مالَ كايل برأسِهِ متسائلًا. كان يظنُّ أنَّ ميلتون سينتقي كلماتِ الرفضِ المناسبةِ، وعندها ستنسحبُ تلكَ المرأةُ بوقارٍ. ولأجلِ قطعِ الرجاءِ تمامًا، لا ضيرَ من كذبةٍ بيضاءَ كهذهِ.
في المقابلِ، كان ميلتون يتجرعُ زفراتِ الأسى في صدرهِ، واتجهتْ نظراتُهُ نحو ظرفٍ بلونٍ أخضرَ باهتٍ وُضعَ عندَ حافةِ مكتبِ كايل. كان القابعُ هناكَ كما وضعهُ قبلَ يومين، لم يُمَسَّ.
“لقد طلبت اللقاءَ مرارًا، خاصةً وأنها متواجدةٌ هنا في بيرغن.”
خيمتْ ظلالُ القلقِ على وجهِ ميلتون وهو يرمقُ تلكَ الرسائلَ المصطفةَ بدقةٍ متناهيةٍ دونَ خللٍ.
“ستتوقفُ عن ذلكَ عاجلاً أم آجلاً. ارفضْ طلبَها بلباقةٍ.”
كان كايل حازمًا كعادتهِ، وفوقَ ذلكَ، كان غارقًا في اللامبالاةِ.
“أمرُكَ… يا صاحبَ السموِّ.”
لم يكنْ أمامَ ميلتون سوى الانسحابِ بهدوءٍ. كان قد سمعَ الكثيرَ عن ابنةِ عائلةِ هابلين التي لا تنفكُّ الألسنُ عن مديحِها، ولم يكنْ يتخيلُ يومًا أنهُ سيراها أثناءَ خدمتهِ للدوق. لذا، كان شعورُ الأسى يملأُ قلبهُ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى.
‘تقولُ إنَّ لديها ما تخبرُكَ بهِ وتحتاجُ للقائِكَ بشدةٍ، لكنكَ لا تكلفُ نفسكَ حتى عناءَ الردِّ، ناهيكَ عن المقابلةِ…’
كانتِ الكلماتُ تزدحمُ في حنجرةِ ميلتون، لكنهُ لم يجرؤْ على النطقِ بها، واكتفى بابتلاعِ غصتِهِ وهو يراقبُ قامةَ سيدِهِ الممشوقةَ وهي تبتعدُ.
في تلكَ الأثناء، تسارعتْ خطى كايل وهو يدخلُ بهو الطابقِ الأولِ. عبرَ قاعةَ “لايز” بخطواتٍ واسعةٍ رشيقةٍ، حيثُ اصطفَّ الخدمُ لتحيتهِ، ثم استقلَّ سيارتهُ المنتظرةَ عندَ المدخلِ مباشرةً.
بعدَ أن استقرَّ في مقعدهِ، رفعَ كايل رأسَهُ ليتفحصَ السماءَ عبرَ النافذةِ. كانتْ مراقبةُ الطقسِ يوميًّا عادةً قديمةً تلازمهُ.
سماءٌ صافيةٌ لا تشوبُها غيمةٌ.
يومٌ صيفيٌّ في بيرغن يتلألأُ بجمالٍ لا يُضاهى. بعدَ لحظةِ تأملٍ قصيرةٍ، ضغطَ كايل على الدواسةِ، لتنطلقَ سيارتُهُ بسلاسةٍ مغادرةً القصرَ. كان فصلاً يفيضُ بزرقةٍ مذهلةٍ.
سارتِ السيارةُ عبرَ الطريقِ الساحليِّ الهادئِ في تلكَ الساعةِ المبكرةِ، لتصلَ إلى القاعدةِ البحريةِ في وقتٍ أسرعَ من المعتادِ.
“أهلاً بكَ يا سيدي.”
استقبلهُ جنديُّ الحراسةِ عندَ المدخلِ بتحيةٍ عسكريةٍ منضبطةٍ. بادلهُ كايل تحيةً عابرةً، ثم ركنَ سيارتهُ واتجهَ نحو داخلِ القاعدةِ.
كانتِ القاعدةُ هادئةً بشكلٍ ملحوظٍ بسببِ جداولِ العطلاتِ الصيفيةِ التي تزامنتْ مع انطلاقِ الموسمِ الاجتماعيِّ. ولم يكنْ يكسرُ صمتَ الممراتِ سوى صدى خطواتهِ الواثقةِ.
في مكتبهِ الواقعِ في نهايةِ الممرِ، شرعَ كايل في مراجعةِ الملفاتِ التي أتمَّ ترتيبَها، للتأكدِ من عدمِ نقصانِ أيِّ شيءٍ. ورغمَ أنهُ لم يكنْ من النوعِ الذي ينسى، إلا أنَّ هذا الإجراءَ كان يمنحهُ راحةَ البالِ. فقد ظلَّ لسنواتٍ طويلٍةٍ يحملُ عبءَ العملِ الشاقِّ نيابةً عن وليِّ العهدِ الواهنِ والمضطربِ، دونَ أن يظهرَ تذمرَهُ قط.
كان ينجزُ مهامَهُ يومًا بعدَ يومٍ بصمتٍ ووقارٍ.
‘أوشكَ الوقتُ على الحلولِ.’
بعدَ ساعةٍ تقريبًا، سيدخلُ مساعدُهُ آسل إلى المكتبِ لأخذِ الأوراقِ. ولأجلهِ، رتبَ كايل الملفاتِ بعنايةٍ ووضعَها عندَ الزاويةِ الخارجيةِ اليسرى للطاولةِ. ثم نهضَ واتجهَ نحو الخزانةِ القريبةِ من البابِ.
لم تكنْ طبيعتُهُ تسمحُ لهُ بأن يكونَ عاطلاً يلهو، لكنهُ كان يحرصُ على نيلِ عطلتهِ الصيفيةِ. فغدًا هو أولُ أيامِ إجازتهِ، وبما أنهُ كان ينوي قضاءَ عطلةٍ طويلةٍ مالم يطرأْ طارئٌ، فقد وضعَ ملابسهُ مسبقًا في الحقيبةِ. وضعَ الحقيبةَ على طاولةٍ منخفضةٍ بجانبِ الخزانةِ ليتسنى لهُ أخذُها مباشرةً عندَ الانصرافِ.
لحظاتٌ من الهدوءِ الصباحيِّ المستفيضِ. كانتِ الستائرُ البيضاءُ تهمسُ مع ريحِ الصيفِ المتسللةِ عبرَ شقوقِ النافذةِ. كان يعشقُ هذا السكونَ؛ فهو الوقتُ الذي يستشعرُ فيهِ الحريةَ المطلقةَ التي عرفَها لأولِ مرةٍ أمامَ البحرِ الشاسعِ وهو في السابعةِ عشرةَ.
زفيرٌ…..
عادَ كايل إلى طاولتهِ واستندَ إلى الكرسيِّ بوضعيةٍ مريحةٍ، وأطلقَ تنهيدةً عميقةً. ثم مررَ يديهِ على وجههِ الذي لا يزالُ يحملُ أثرَ النعاسِ، وأغمضَ عينيهِ بهدوءٍ.
***
على بعدِ عشرِ دقائقَ بالسيارةِ من وسطِ بيرغن حيثُ يقعُ الفندقُ، يمتدُّ الطريقُ الساحليُّ المستقيمُ نحو القاعدةِ البحريةِ. كان مسارًا ساحرًا يطلُّ على مشهدِ الأمواجِ الذهبيةِ التي تصبغُها الشمسُ. وبينما كانتْ مود تتأملُ ذلكَ المنظرَ، وصلتِ العربةُ أمامَ القاعدةِ.
“عملٌ جيدٌ. بما أننا أمامَ القاعدةِ، فمن الأفضلِ ركنُ العربةِ بعيدًا قليلًا.”
“أمرُكِ يا آنستي.”
أجابَ السائقُ تومسون وعادَ لمقعدهِ، وبعدَ أن تراجعَ بالعربةِ بسرعةٍ واستدارَ ليختفيَ عن الأنظارِ، تحركتْ مود. لم يكنْ يفصلُها عن نقطةِ التفتيشِ سوى عشرِ خطواتٍ.
“بما أنَّ عطلتهُ تبدأُ غدًا كما قيلَ، فلا بدَّ أنني سألقاهُ.”
“هل تعتقدينَ أنهُ باشرَ عملَهُ…؟”
“ربما.”
أجابتْ مود بفتورٍ ووقفتْ أمامَ نقطةِ التفتيشِ. كانتْ سارةُ تقفُ خلفَها بخطوةٍ، ترمقُها بنظراتٍ خاطفةٍ، وقد بدا عليها الشحوبُ وكأنها هي من تشعرُ بالتوترِ لا سيدتُها.
“مرحبًا، جئتُ للقاءِ النقيبِ كايل لايزويل. ليس لديَّ موعدٌ مسبقٌ.”
ابتسمتْ مود بلطفٍ وهي تصوبُ نظرَها نحو الحارسِ.
“بأيِّ اسمٍ أبلغهُ؟”
“مود هابلين.”
عندَ سماعِ هذا الاسمِ، اهتزتْ نظراتُ الجنديِّ بشدةٍ. ظلَّ يحدقُ في مود لبرهةٍ وكأنهُ فقدَ صوابَهُ، قبلَ أن يدركَ وقاحتهُ ويحني رأسَهُ سريعًا.
“أنا….. أنا أعتذرُ! سأبلغُهُ فورًا.”
أومأتْ مود برأسِها خفيةً دلالةً على مسامحتهِ، مما جعلَ وجهَ الجنديِّ يزدادُ احمرارًا.
بعدَ حديثِها مع الحارسِ، راحتْ مود تتأملُ المكانَ ببطءٍ. وقعَ بصرُها أولاً على مدخلِ الأرضِ الشاسعةِ التي تمتدُّ خلفَ البوابةِ الحديديةِ.
في نهايةِ الطريقِ المستقيمِ العريضِ، استقرَّ مبنىً ضخمٌ يبدو أنهُ المبنى الرئيسيُّ، ويحيطُ بهِ مبنيانِ توأمانِ. بدا المشهدُ قاسيًا بعضَ الشيءِ، لكنَّ هيبتَهُ واستقامتهُ كانتْ تليقُ تمامًا بروحِ البحريةِ.
ومن حيثُ ينتهي الطريقُ الساحليُّ، اصطفتْ أشجارٌ كثيفةُ الخضرةِ على جانبي الطريقِ المؤدي للمبنى الرئيسيِّ، والذي بدا وكأنَّ ظهرهُ يعانقُ البحرَ.
فمعظمُ القواعدِ البحريةِ تُبنى بمحاذاةِ الأنهارِ والبحارِ لتسهيلِ الرسوِّ، حتى المقرُّ الرئيسيُّ في العاصمةِ يطلُّ على نهرِ ريل المتصلِ بالبحرِ. تذكرتْ مود مشهدَ مقرِّ البحريةِ الذي رأتهُ في حفلِ تنصيبِ ابنِ عمِّها.
‘يبدو أنَّ هذا المكانَ لا يقلُّ روعةً عن ذاك…’
كان الطقسُ بديعًا حقًّا، مما جعلها تشعرُ بالأسفِ لأنها لن تتمكنَ من الدخولِ واستكشافِ المكانِ.
***
بينما كان آسل يتجهُ نحو مكتبِ كايل وعيناهُ يغالبُهما النعاسُ، لمحَ جنديًّا تعلو وجهَهُ علاماتُ التأثرِ. استوقفَ الجنديَّ الذي كان يهمُّ بدخولِ مكتبِ كايل.
“ما الأمرُ؟”
فزعَ الجنديُّ وأدى التحيةَ العسكريةَ، فأومأ آسل برأسِهِ خفيفًا منتظرًا الإجابةَ.
“هناكَ زائرةٌ.”
“زائرةٌ؟”
مالَ آسل برأسِهِ مستغربًا.
“السيدةُ مود هابلين تنتظرُ عندَ نقطةِ التفتيشِ.”
يا للهولِ!
لم يستطعْ آسل إغلاقَ فمهِ من الصدمةِ بعدَ معرفةِ هويةِ الزائرةِ. وبانعكاسِ تعابيرِ آسل، ظهرَ على وجهِ الجنديِّ توترٌ وارتباكٌ لا يُعرفُ سببهُما.
“لقد حضرتْ لمقابلةِ النقيبِ دونَ موعدٍ مسبقٍ.”
“آه…! سأتولى أنا إبلاغَهُ.”
مود هابلين هنا تسألُ عن النقيب؟ ظلَّ آسل في حالةِ ذهولٍ تامٍ.
“أمرُكَ!”
اختفى الجنديُّ سريعًا بخطواتٍ واسعةٍ بعدَ أداءِ مهمتهِ. عندها فقط، وضعَ آسل يديهِ على فمهِ ليتمالكِ نفسَهُ. الابنةُ الصغرى لدوقِ هابلين، فاتنةُ الجمالِ، وماسةُ المجتمعِ المتألقةِ. كلُّ تلكَ الألقابِ المذهلةِ كانتْ كفيلةً بتعريفِ من تكونُ تلكَ المرأةُ.
‘لا بدَّ أنَّ هناكَ الكثيرَ من النبلاءِ الذين وقعوا في حبِّها من طرفٍ واحدٍ بعدَ لقائِها في الحفلاتِ.’
‘ما الذي يأتي بمود هابلين إلى هنا؟ هل يُعقلُ أنَّ بينها وبين النقيبِ شيئًا؟’
بعدَ حادثةِ الماسةِ الورديةِ، كانتِ الشائعاتُ تترددُ في الأوساطِ الراقيةِ بأنَّ الإمبراطوريةَ قد اختارتْ مود لتكونَ زوجةً لوليِّ العهدِ. لذا، لم تنفكَّ علاماتُ الاستفهامِ تزدحمُ في رأسِ آسل. طرقَ البابَ مرتينِ على عجلٍ، ثم قربَ وجهَهُ من البابِ يتحسسُ حركةَ كايل في الداخلِ.
“ادخلْ.”
فتحَ آسل البابَ بسرعةٍ ودلفَ إلى المكتبِ. كان كايل قد استيقظَ لتوِّهِ من غفوتهِ القصيرةِ ويعدلُ جلستهُ على أثرِ الطرقاتِ. وعندما رأى آسل يقفُ صامتًا يحدقُ فيهِ بعدَ التحيةِ، انقبضَ ما بين حاجبيهِ قليلًا. عدلَ كايل جلستهُ وأشارَ إلى الأوراقِ الموضوعةِ على يسارهِ.
“خذْها واخرجْ سريعًا.”
‘يبدو من ردةِ فعلهِ أنهُ لا يعلمُ شيئًا حقًّا.’
تمهلَ آسل في جمعِ الأوراقِ وهو يراقبُ ملامحَ سيدِهِ، ثم نطقَ بحذرٍ:
“سيدي النقيب، ثَمَّةَ زائرةٌ تطلبُ لقاءَكَ.”
اتجهتْ نظراتُ كايل نحو آسل عندَ سماعِ كلمةِ زائرةٍ، لكنها كانتْ نظراتٍ اعتياديةً؛ جافةً وعمليةً، لا تحملُ أيَّ أثرٍ للمفاجأةِ أو الفضولِ.
“يقولونَ إنَّ السيدةَ مود هابلين تنتظرُ عندَ نقطةِ التفتيشِ.”
في تلكَ اللحظةِ، تشنجتْ ملامحُ كايل فجأةً، وانتفضَ من مقعدهِ ليختفيَ خارجَ المكتبِ في لمحِ البصرِ. بقيَ آسل وحيدًا يحاولُ استيعابَ الموقفِ، لكنهُ سرعانَ ما استسلمَ وهرعَ خلفَ كايل نحو نقطةِ التفتيشِ، وقلبهُ يخفقُ بشدةٍ.
‘هذا مؤكدٌ! لا بدَّ أنَّ هناكَ سرًّا يجمعُ بين السيدةِ مود هابلين والنقيبِ!’
كان آسل موقنًا أنَّ ما سيحدثُ الآن هو أكثرُ الأمورِ إثارةً وتشويقًا منذُ انضمامهِ لهذهِ البحريةِ القاتمةِ والجامدةِ.
Chapters
Comments
- 6 - لَدَيَّ أَنَا أَيْضًا مَا أَوَدُّ نَيْلَهُ منذ 11 ساعة
- 5 - امرأةٌ غريبةُ الأطوارِ منذ 11 ساعة
- 4 - ليَومٍ واحِدٍ، هَبني نَفْسَكَ أَيُّهَا النقيب منذ 11 ساعة
- 3 - ثَمَّةَ زائرٌ بالانتظارِ منذ 11 ساعة
- 2 - لا صمودَ أمامَ المباغتةِ منذ 11 ساعة
- 1 - رجلٌ صالِحٌ للبيعِ منذ 11 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 3"