1 - رجلٌ صالِحٌ للبيعِ
“الدوقُ الأكبرُ سيُباعُ جيدًا، حقًّا.”
أنهتْ مود جملتَها بابتسامةٍ راضيةٍ، ثم صوّبتْ نظراتِها نحو سارة. وعلى نقيضِ وجهِ سيّدتها المشرقِ، كان الشحوبُ قد غطّى ملامحَ سارة التي قبضتْ على يدَيها بشدةٍ، وكأنها في حالةِ تضرُّعٍ أو صلاة.
“آنستي…”
لكنَّ مود لم تعرها اهتمامًا، واكتفتْ بهزِّ كتفيها مع ضحكةٍ خافتةٍ كانتْ هي ردَّها الوحيد.
“يبدو وسيمًا للغاية، أليس كذلك؟”
اختلطتْ تلك الضحكةُ بهديرِ الأمواجِ، ليرجعَ صدى صوتِها في أرجاء ليلةٍ من ليالي أوائلِ الصيفِ. وتطايرتْ خصلاتُ شعرِ مود الكستنائيّ الذي صبغتهُ الظلمةُ مع مهبِّ الريحِ، لتكشفَ بين الحينِ والآخرِ عن وجنتيها المتوردتين بلونِ الوردِ.
ليلةٌ صيفيةٌ كهذهِ كفيلةٌ بأن تثيرَ البهجةَ في النفوس. ومن بينِ أغصانِ شجرةٍ ضخمةٍ تتربعُ وسطَ خضرةٍ كثيفةٍ، لمعتْ عينا مود بالحيويةِ وهي ترقبُ الدوقَ الأكبرَ. كان هذا أولَ حماسٍ تُظهرهُ منذُ وصولِها إلى بيرغن قادمةً من العاصمةِ نيس قبل يومين، فانسابتْ على وجهِها ابتسامةٌ تشبهُ ضياءَ الشمسِ.
في المقابل، كانتْ سارة غارقةً في تساؤلاتِها المريرةِ عن السببِ الذي يدفعُها هي وسيدتَها للاختباءِ هكذا بين شجيراتِ قلعةِ ريسبون للتلصصِ على الدوق، واقشعرَّ بدنُها وهي تهزُّ رأسَها يأسًا.
“أعتقدُ أنَّ بوسعهِ أن يكونَ زوجًا مناسبًا للملكة غريا في زواجِها الثاني.. لكن بما أنها المرةُ الأولى للدوقِ، فقد يكونُ ذلك هدرًا لمؤهلاتهِ، أليس كذلك؟”
“آنستي، أرجوكِ.. أتوسلُ إليكِ! فلنخرجْ لنتحدثَ هناك، من هذا الطريقِ.”
وبينما كانتْ أطرافُ سارة ترتجفُ من كلماتِ سيدتِها العفويةِ، كانت مود مسترخيةً كعادتِها. بل وأكثرَ من ذلك، كان لديها المتسعُ من الوقتِ لتترنمَ بدندنةٍ خفيفةٍ.
“حتى الآن، يبدو ممتازًا.”
تلا صوتُ مود الناعمُ نغماتِ دندنتِها. كان الدوقُ الأكبرُ يجلسُ على حافةِ النافورةِ المركزيةِ، مرتديًا قميصًا مريحًا.
رجلٌ يفيضُ بالأناقةِ، بساقيهِ الطويلتين الممتدتين. وبما أنَّ طولَ جلستهِ هكذا، فلا بدَّ أنهُ فارعُ الطولِ حقًّا.
‘وكتفاهُ أيضًا….’
ارتسمتْ على وجهِ مود ابتسامةُ رضا حين تأملتْ كتفيهِ العريضين المتناسقين، بينما لم يكنْ هناك من يغالبُ الدموعَ سوى خادمتِها سارة.
لم تستطعْ مود تحويلَ بصرِها عن الدوقِ الأكبرِ حتى وهي تُجرُّ من يدِها بواسطةِ سارة. وعندما وصلتا إلى مدخلِ القلعةِ، أفلتتْ سارة يدَ مود بحذرٍ وجلستْ القرفصاء.
“بمجردِ وصولنا إلى الفندق، سأجهزُ لكِ ماءَ الاستحمامِ أولًا.”
رتبتْ سارة أطرافَ تنورةِ مود ثم وقفتْ لتزيلَ بعنايةٍ أوراقَ الشجرِ العالقةِ بين خصلاتِ شعرِها.
“شكرا لكِ.”
تأملتْها مود لبرهةٍ، ثم مدتْ يدَها الرقيقةَ لتزيلَ هي الأخرى الأوراقَ العالقةَ بشعرِ سارة. كانتْ رقةُ سيدتِها كفيلةً بأن تُدفئَ قلبَها، وهكذا كان يومُهما يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرةَ بابتسامةٍ هادئةٍ.
“في الحقيقةِ، كان الأمرُ ممتعًا، أليس كذلك؟”
كانتْ وجنتا مود المصبوغتان بألوانِ المائيّةِ لا تزالانِ ممتلئتين بالمرحِ.
“لا أبدًا! لا تزالُ قدماي ترتجفان حتى الآن!!”
زمّتْ سارة شفتيها بوجهٍ عابسٍ، مما جعلَ مود تنفجرُ ضاحكةً.
“بكلِّ تأكيدٍ، لن أخسرَ في هذا الرهانِ.”
ورغمَ نبرتِها التي لا تزالُ تحملُ أثرَ الضحكِ، إلا أنها كانتْ مفعمةً بالثقةِ. فـ مود بصفتِها سيدةَ أعمالٍ ناجحة، لم تكنْ لتفوتَ فرصةً لتوسيعِ تجارتِها أبدًا. ولمعتْ عيناها ببريقِ النشوةِ.
***
بعدَ رحلةٍ استغرقتْ نحو ساعةٍ، وصلتْ العربةُ التي تُقلهما أمامَ الفندقِ. كان فندقُ بيكفورد أرقى الفنادقِ في قلبِ المدينةِ، حيثُ تزدحمُ فيهِ الوفودُ صيفًا بهدفِ الاستجمامِ.
اشتهرَ بيكفورد تحديدًا بمقهى ردهةِ الفندقِ الملقبِ بـ “شمسِ منتصفِ الليلِ”، وهو مكانٌ يبهرُ الأنظارَ بإضاءتهِ الصاخبةِ وثرياتهِ المتلألئةِ التي تفرضُ هيبتَها على المكانِ.
وكما يوحي اسمُهُ، كانتِ الظلمةُ لا تعرفُ طريقًا لهذا المكانِ الذي يغصُّ بالناسِ رغمَ تجاوزِ الوقتِ لمنتصفِ الليلِ. وبحكمِ موقعهِ الملاصقِ للدرجِ المؤدي للأجنحةِ، كان من الصعبِ المرورُ دونَ الانتباهِ لهُ. وبينما كانتْ مود تصعدُ الدرجَ، انجذبَ نظرُها نحو مكانٍ واحدٍ وسطَ همساتِ السيداتِ الراقياتِ.
“بما أنَّ الآنسةَ ساينا هي خطيبةُ سموِّ وليِّ العهد، ألا يُفترضُ أنهُ كان ينوي إهداءَهُ لها؟”
“ولكنَّ الجميعَ يرى ميلَهُ نحو الآنسةِ مود، لذا لا أحدَ يدري حقيقةَ الأمرِ.”
استقرَّ بصرُها على قمةِ الثريا، حيثُ وضعتْ ماسةٌ في أكثرِ زواياها بريقًا. كانتْ هي تلكَ الماسةَ المثيرةَ للجدلِ التي هزتْ أركانَ المجتمعِ المخمليِّ مؤخرًا.
كانتْ ماسةً ورديةً نادرةً، انتشرتِ الشائعاتُ بأنَّ الإمبراطورةَ ترغبُ في شرائِها لتزيينِ تاجِ وليةِ العهدِ التي ستُنصبُ قريبًا، وأصبحَ الحديثُ عن هويةِ صاحبةِ العرشِ القادمةِ هو الشغلَ الشاغلَ للناسِ يوميًّا.
لكنَّ الماسةَ التي كان من المتوقعِ أن تستقرَّ بهدوءٍ في قبضةِ الإمبراطورة، سلكتْ مسارًا غيرَ متوقعٍ، مغيرّةً بذلكَ مجرى الحديثِ تمامًا.
فجأةً، ظهرَ الدوقُ فيليكس بيكفورد في مزادِ الماسِ، وأبدى استعدادَهُ لدفعِ أيِّ مبلغٍ مطلوبٍ بجرأةٍ منقطعةِ النظيرِ، مما جعلَ الابنَ الثاني لعائلةِ الكونتِ ستيوارت —الذي كان يمثلُ الإمبراطورةَ— يعجزُ عن رفعِ لافتةِ المزايدةِ مجددًا.
وفي اليومِ التالي، انتشرتْ أخبارٌ في العاصمةِ تفيدُ بأنَّ الابنَ الثاني للكونتِ ستيوارت قد بُترتْ يدهُ اليمنى ونُفيَ إلى منطقةٍ حدوديةٍ وعرةٍ، ولكنْ كالعادةِ، خمدتِ الضجةُ سريعًا بعدَ قليلٍ من الاضطرابِ.
وهكذا، استقرتِ الماسةُ الورديةُ التي حازَ عليها الدوقُ فيليكس في شمسِ منتصفِ الليلِ. توافدَ الناسُ لرؤيتِها مما زادَ من شهرةِ الفندقِ، بينما زادَ استهزاءُ الدوقِ فيليكس —الذي دعا الجميعَ لمشاهدةِ ما لا يمكنهم امتلاكهُ— من بريقِ تلك الماسةِ. تذكرتْ مود فجأةً إحدى الصحفِ الرخيصةِ التي امتلأتْ بصورِ الماسةِ واسمِها، فزفرتْ بضيقٍ.
“ماسةٌ منحوسة…..”
سرعانَ ما سحبتْ نظراتِها الباردةَ وتابعتْ سيرَها. ففي الأساسِ، لم تكنِ الماسةُ ولا الحربُ النفسيةُ التافهةُ بين الدوقِ فيليكس والإمبراطورةِ من اهتماماتِها.
كلُّ ما كان يشغلُ بالَها الآن هو رهانُها مع الإمبراطورِ. كان عقلُها الصغيرُ ممتلئًا بالكاملِ بفكرةِ ذلك الرهانِ.
لم تكن مود مهتمةً بلعبةِ الشطرنجِ لذاتِها، بل كانتْ تعشقُ مراهنةَ الإمبراطور ليوبولد رايزويل فيها؛ وذلكَ بسببِ المكافآتِ والشعورِ بالإنجازِ الذي يرافقُ فوزَها.
تنوعتِ المكافآتُ من قطعِ الحلوى الأجنبيةِ الغريبةِ التي لم ترها إلا في الكتبِ، وصولًا إلى فيلا في منتجعٍ جنوبيٍّ خلابٍ. كانتْ كلُّ تلكَ الجوائزِ فريدةً وجميلةً وتحفزُ شغفَها للنجاحِ، وهذا ما كان يدفعُها دائمًا للجلوسِ أمامَ رقعةِ الشطرنجِ.
انتقلتْ هذه اللعبةُ الممتعةُ من القصرِ الإمبراطوريِّ إلى الملحقِ الخاصِّ بمنزلِ هابلين عندما بدأتْ الإمبراطورةُ الجديدةُ تُظهرُ اهتمامًا بمود. ورغمَ قولِ مود إنها تفضلُ لعبَ الشطرنجِ في الدفيئةِ الزجاجيةِ بالقصرِ، إلا أنَّ الإمبراطورَ اكتفى بالابتسامِ والتربيتِ على رأسِها.
خفتتْ وتيرةُ تلك الرهاناتِ التي كانت تملأُ غرفةَ الاستقبالِ بالضحكِ عندما بدأتْ مود تنضجُ وتتحولُ إلى سيدةِ مجتمعٍ. وبسببِ انخراطِها اللامعِ في الأوساطِ الاجتماعيةِ ونجاحِ أعمالِها التجاريةِ، أصبحتْ مشغولةً للغايةِ، لذا كان هذا الرهانُ هو الأولُ بعدَ انقطاعٍ طويلٍ.
ولهذا استقبلتْ مود الإمبراطورَ بوجهٍ يفيضُ بالبشرِ، لكنَّ سعادتَها لم تدمْ طويلًا؛ فقبلَ أن تُفتحَ رقعةُ الشطرنجِ، انسكبَ حديثُهُ فوقَ الطاولةِ.
“هذه المرة، سيكونُ الرهانُ بلا شطرنجٍ.”
“يبدو أنهُ الرهانُ الأولُ بلا شطرنجٍ يا صاحبَ الجلالةِ.”
ابتسمتْ مود برقةٍ في وجهِ ليوبولد.
“هاها. أكانَ كذلك؟”
بادلَها ليوبولد ابتسامةً ناعمةً قبلَ أن يدخلَ في صلبِ الموضوعِ.
“الفائزُ في هذا الرهانِ هو من يستطيعُ إحضارَ كايل معهُ إلى مأدبةِ يومِ التأسيسِ.”
توقفتْ حركاتُ مود ونظرتْ إليهِ بذهولٍ بعدَ سماعِ هذا الاسمِ المفاجئِ والعرضِ الصادمِ، وقابلَ ليوبولد نظراتِها برحابةِ صدرٍ.
“تقصدُ….. سموَّ الدوقِ الأكبرِ الذي قيلَ إنهُ في بيرغن؟”
بقيتْ رقعةُ الشطرنجِ التي لم تُفتحْ بعدُ ملقاةً وحيدةً على الطاولةِ.
“نعم. لعلّكِ لم تريهِ بشكلٍ لائقٍ من قبلُ.”
ارتسمتْ ملامحُ فمهِ على شكلِ قوسٍ بينما استندَ إلى الأريكةِ. وبوجههِ المسترخي كالعادةِ، رفعَ فنجانَ الشاي ليقودَ الدفةَ.
“إنهُ رهانٌ بسيطٌ، لكنني أتوقعُ أن يكونَ شاقًّا…”
“شاقّ”. كانتْ هذه الكلمةُ تعكسُ نواياهُ الحقيقيةَ.
“سيكونُ من العدلِ أن يتنازلَ الخاسرُ ويُعطى كلُّ شيءٍ للفائزِ، أليس كذلك؟ مود، إذا فزتِ، فسأستثمرُ في مشاريعِكِ من مالي الخاصِّ، وبالمبلغِ الذي تطلبينه.”
الإمبراطورُ يعرضُ الدوقَ الأكبرَ كسلعةٍ في سوقِ المجتمعِ المخمليِّ.
“أنا لا أجبرُكِ على هذا الرهانِ. إنني أحترمُ خيارَكِ.”
“نعم، يا صاحبَ الجلالةِ.”
ورغمَ قولِهِ إنهُ لا يجبرُها، إلا أنَّ سياقَ حديثِهِ كان مليئًا بالتناقضِ الواضحِ.
“لكن، إذا فزتِ، فستضعين يدَكِ على أموالِ الاستثمارِ وعلى الرمزيةِ الكبيرةِ أيضًا. وبالطبعِ، أنتِ أدرى الناسِ بقيمةِ ذلك.”
لمحتْ مود لمحةً من القلقِ الذي عجزَ الإمبراطورُ عن إخفائهِ. فالدوقُ الأكبرُ، بمجردِ النظرِ إلى أصلهِ ونسبهِ، هو رجلٌ يتفوقُ على أيِّ “سلعةٍ” أخرى بلا منازعٍ.
‘رغمَ امتلاكهِ لِابنٍ كهذا، إلا أنهُ……’
غرقتْ نظراتُها في برودٍ وهي تراقبُ موقفَ الإمبراطورِ الذي لم يستطعْ كبحَ توترهِ. لا شكَّ أنها ستكونُ كاذبةً إن قالتْ إنها لا تطمعُ في الاستثمارِ القادمِ من مالِ الإمبراطورِ الخاصِّ وما يحملهُ من رمزيةٍ. فمنذُ تأسيسِ البلادِ، لم يسبقْ للإمبراطورِ أن قدّمَ مالَهُ الخاصَّ علنًا لأيِّ شخصٍ. كان هذا يعني الحصولَ على شرفٍ فريدٍ من نوعهِ.
كانت مود واثقةً بأنَّ هذه الفرصةَ قد لا تتكررُ في حياتِها، لكنها لم تكنْ تنوي قبولَ الرهانِ فورًا؛ إذ كانتْ تساورُها الشكوكُ تجاهَ تصرفاتِ الإمبراطورِ.
فربما يكونُ الدوقُ الأكبرُ “سلعةً” بها عيبٌ ما. وهي، بطبيعتِها، لا تدخلُ أبدًا في صفقةٍ خاسرةٍ.
“إذا سمحتَ لي يا صاحبَ الجلالةِ، أودُّ رؤيةَ سموِّ الدوقِ الأكبرِ أولًا قبلَ أن أعطيَكَ قراري.”
Chapters
Comments
- 6 - لَدَيَّ أَنَا أَيْضًا مَا أَوَدُّ نَيْلَهُ منذ 11 ساعة
- 5 - امرأةٌ غريبةُ الأطوارِ منذ 11 ساعة
- 4 - ليَومٍ واحِدٍ، هَبني نَفْسَكَ أَيُّهَا النقيب منذ 11 ساعة
- 3 - ثَمَّةَ زائرٌ بالانتظارِ منذ 11 ساعة
- 2 - لا صمودَ أمامَ المباغتةِ منذ 11 ساعة
- 1 - رجلٌ صالِحٌ للبيعِ منذ 11 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 1"