“وصلت.”
نزلت إيرينا من العربة وحدّقت في القصر الذي أمامها.
كانت إيرينا تقف الآن أمام قصر البارونة جيب، الذي أرشدها إليه كارل.
بعد أن عرفت عن البارونة، أرسلت إليها رسالةً على الفور. و كانت رسالة تطلب لقاءها مرة واحدة.
‘بصراحة، ظننت أنها سترفض طلبي لأنني طلبته بشكل مفاجئ.’
لحسن الحظ، حملت الرسالة التي وصلت بعد بضعة أيام إجابةً إيجابية.
لكن في نهايتها، أضافت أنها تمر بظروف تجعلها غير قادرةٍ على التنقل، لذا طلبت منها القدوم إلى إقطاعيتها.
‘لذلك سارعت بالمجيء……لكن لن تكون قد رفضت لقائي بطريقة غير مباشرة، أليس كذلك؟’
أصدرت إيرينا تأوّهًا خافتًا، ثم رفعت رأسها لتنظر إلى قصر البارونة جيب.
رغم أنها لا تحب قول ذلك، إلا أن مكان إقامة البارونة كان متواضعًا نسبيًا.
كان القصر المكوّن من طابقين قديمًا، لكن من الواضح أنه كان يخضع للصيانة باستمرار.
أما الحديقة، فعلى الرغم من أنها لم تكن واسعة، إلا أن الأشجار التي وقفت هناك لفترة طويلة لفتت انتباهها.
شجرة تلو الأخرى، كلها بدت قويةً دون أي أثر للمرض. من المؤكد أنه مع حلول الربيع، ستزهر ببراعة. وفي الصيف، ستبدو أكثر روعة.
أثناء عبور إيرينا حديقة الشتاء، ظهرت البوابة أمامها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم طرقت الباب بحذر.
“من هناك؟”
فتحت الباب امرأةْ يملأ النمش وجهها، وكانت عيناها الكبيرتان مشبعتين بالحذر.
“مرحبًا، أنا إيرينا ليونيد. لدي موعدٌ مع البارونة جيب.”
“آه!”
بمجرد أن قدمت إيرينا نفسها، اختفى الحذر تمامًا من عيني المرأة.
“تفضلي بالدخول، كنا في انتظاركِ!”
فتحت المرأة الباب على مصراعيه. وعندما دخلت، وجدت أمامها مشهدًا يشبه ما توقعته.
رغم قِدم القصر، كان الممر نظيفًا ومُعتنى به جيدًا.
وأثناء سيرهما، بدأت المرأة الصغيرة في الثرثرة بحيوية.
“في الواقع، لم يأتِ أحد إلى هنا منذ مدة، لذا كنتُ أتساءل من قد يأتي.”
بدا أنها لم تكتفِ بإسقاط حذرها تجاه الغرباء، بل كانت سعيدةً أيضًا.
“لكن لم أتوقع أن تأتي شخصيةٌ جميلة هكذا! أنتِ من العاصمة، أليس كذلك؟”
“نعم، هذا صحيح.”
“واو، كنتُ أعلم ذلك! سمعتُ من ميري أن سكان العاصمة يبدون جميعهم متألقين.”
بعد أن قالت ذلك، أخذت المرأة تنظر حولها فجأة ثم خفضت صوتها.
“بالمناسبة، لدي سؤالٌ فضولي.”
“ما هو؟”
سألتها إيرينا بصوت خافت تلقائيًا، متأثرةً بتعبيرها الجاد.
“أمم، هل صحيح أن القصر الإمبراطوري……مغطى بالكامل بالذهب؟”
“آه، هذا……”
“بالطبع لا يمكن أن يكون كذلك.”
ظهر صوتٌ قاطع فجأة، فالتفتت إيرينا والمرأة معًا نحو مصدره.
كانت هناك امرأةٌ مسنة يقف في نهاية الممر.
الشعر الأبيض، الذي حمل آثار الزمن بوضوح، كان ممشطًا بعناية ومربوطًا للخلف، وعلى كتفيهل ارتدت شالًا أرجوانيًا. و من ملامح الكِبَر على وجهها، كانت تُظهر الصرامة والثبات.
كان طولها، الذي يبو أطول من النساء عادةً، يمنحها هالةً من الهيبة التي يصعب الاقتراب منها.
“ليا، طلبتُ منكِ إحضار الضيفة، فبدلًا من ذلك، أنتِ هنا تتحدثين في الممر.”
“أعتذر، يا بارونة.”
انحنت المرأة، التي دُعيت باسم ليا، على الفور.
“لكنني كنتُ فضوليةً للغاية……لو كان القصر الإمبراطوري مبنيًا حقًا من الذهب، لكان مذهلًا……”
“بدلًا من قول كلام سخيف، اذهبي إلى المطبخ وأحضري الشاي. لا تنسي الكعك أيضًا. أما الضيفة، فسأتولى مرافقتها بنفسي.”
“حاضر……”
تراجعت ليا متثاقلةً بخطواتٍ بطيئة نحو المطبخ، وكتفيها متدليين.
تنهدت البارونة جيب وهي تراقبها تبتعد.
“يبدو أن ضيافتنا لم تكن على المستوى المطلوب. ليا نشأت هنا منذ طفولتها مع والديها، لذا تتصرف هكذا أحيانًا.”
قالت ذلك وهي تنظر إلى إيرينا.
“سأعتذر بدلًا عن ليا على خطئها، يا آنسة ليونيد.”
“لا بأس، بل أنا ممتنةٌ فقط لسماحكِ لي بهذا اللقاء.”
ابتسمت إيرينا بلطف. و حدّقت البارونة جيب بها للحظة قبل أن تستدير.
“من هنا إلى غرفة الاستقبال. لم تُستخدم منذ مدة طويلة، لذا قد تبدو قديمةً قليلًا، لكننا نحافظ عليها نظيفةً دائمًا.”
بعد جلوسها هناك لبعض الوقت، عادت ليا، و هي تحمل أكواب الشاي على الطاولة المنخفضة.
ومع ذلك، كانت تراقب إيرينا خلسة، وكأنها ما زالت تصدق أن القصر الإمبراطوري مصنوع من الذهب حقًا.
“هل تعمل خادمة واحدة فقط في المنزل؟”
سألت إيرينا بعد مغادرة ليا غرفة الاستقبال.
لم تتجول كثيرًا في القصر، لكنها لم ترَ أي شخص آخر سوى البارونة جيب وليا.
بالنظر إلى حجم القصر، كان من المفترض وجود ما لا يقل عن خمسة أو ستة أشخاص إضافيين.
“عائلة ليا تتولى جميع أعمال القصر. والدتها مسؤولةٌ عن المطبخ، ووالدها يعتني بالحديقة، أما الأختان مي وليا فتتوليان أعمال التنظيف.”
قال البارونة جيب ذلك بهدوء وهي تحتسي الشاي.
“رغم ما تبدو عليه، كلٌّ من ليا ومي الا أنهما دقيقتا الملاحظة وتجيدان تحضير الشاي. إنهما فتاتان ذكيتان حقًا.”
قال البارونة جيب ذلك وهي يضع كوب الشاي على الطاولة.
“إذاً، ما الذي جئتِ إلى هنا من أجله، يا آنسة ليونيد؟ لقد استقبلتكِ لأنكِ ذكرتِ في رسالتكِ أن هناك أمرًا لا يمكنكِ كتابته، فآمل ألا يكون شيئًا تافهًا.”
كانت نظرته توحي برغبتها في سماع أمر جاد.
أومأت إيرينا برأسها بخفة قبل أن تبدأ الحديث.
“في الحقيقة، أنا…”
استغرقت وقتًا طويلًا لتروي قصتها بالكامل—ما الذي حدث، وما الذي تريده للمستقبل، وما الأمر الذي تأمل أن تساعدها فيه البارونة جيب.
في البداية، فكرت في اتباع نصيحة كارل، لكنها اعتمدت على حدسها الذي أخبرها بأن هذه المرأة هي الشخص الذي عليها أن تكشف لها كل شيء لتكون مستعدةً لمساعدتها.
“أفهم ذلك.”
بعد سماع قصتها الطويلة، أومأت البارونة جيب برأسها قليلًا وهي ننظر إلى الأسفل.
“وأفهم أيضًا لماذا جئتِ إليّ.”
“إذاً……”
رفعت البارونة جيب رأسها مجددًا وحدّقت في إيرينا مباشرة.
“هل تعلمين بهذه الحقيقة؟”
“أي حقيقة تقصدين؟”
“أتحدث عن البارونة الأول لعائلة جيب، أي عن والدتي. عندما كانت شابة، قدمت إنجازات رائعة في مجال الدبلوماسية، وكافأها البلاط الملكي بلقب النبالة. كما مُنحت هذه الأراضي أيضًا. كنت صغيرًا جدًا حينها، لكنني لا زلت أذتكر، كان هذا المكان رائعًا بحق.”
تجولت نظرات البارونة جيب في ذكريات الماضي.
“لقد كانت أرضًا جيدة، حتى العائلات الأخرى كانت تطمع بها. فقد كانت التربة خصبة، فنحصد منها أكثر مما نزرع، كما أنها تقع على طريق التجار، مما جعل المعيشة الكريمة أمرًا سهلًا. كان ما منحته العائلة الإمبراطورية لوالدتي أمرًا ثمينًا حقًا.”
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتيه المتجعدتين.
“البعض قال إن المكافأة التي حصلت عليها كانت أكثر مما تستحق، بينما رأى آخرون أنها كانت عادلة تمامًا. ذلك لأن الإنجازات التي حققتها والدتي كانت عظيمةً بالفعل.”
“……؟”
أثناء استماعها للقصة، ظهر تساؤل في ذهن إيرينا. فالأرض التي جاءت إليها لم تكن خصبة على الإطلاق.
بل لم يكن هناك أي تجار أو حتى عابرين يمرون من هنا. كان الوصول إلى هذا المكان يتطلب السير لمسافة طويلة على طريق غير ممهد.
ألم تقل ليا ذلك بنفسها قبل قليل؟ لا أحد يأتي إلى هنا.
‘وفوق ذلك، إذا كانت امرأةً قد حققت إنجازًا عظيمًا لدرجة حصولها على لقب نبيلة، فلماذا لم أتعلم شيئًا عنها في دروس التاريخ؟’
لماذا؟ ما السبب؟
حينها، وجدت الإجابة بسرعة.
“لكن، يا آنسة ليونيد، هل تساءلتِ يومًا لماذا نحن هنا؟ ولماذا لا يتذكرنا أحد جيدًا؟”
حدّقت البارونة جيب في إيرينا مباشرة.
“ذلك لأننا أردنا أن نُنسى.”
لم تكن إجابةً متوقعة.
رمشت إيرينا ببطء قبل أن تعيد السؤال بدهشة.
“أردتم أن تُنسوا؟”
“نعم.”
أومأ برأسه، وبدا على وجهه تعبير وكأنه قد تحرر من عبء ما.
فسألته إيرينا،
“لكنها حققت إنجازات عظيمة وحصلت على أرض جيدة، أليس كذلك؟ لماذا إذاً؟”
كانت العائلات النبيلة الأخرى تبالغ في الاحتفال حتى بأصغر إنجاز وتتباهى به لسنوات طويلة.
و لم تكن إيرينا ترى في ذلك شيئًا سيئًا، فوجود أي إنجاز يُمكن التفاخر به ضروري لازدهار العائلة أو حتى للحفاظ على مكانتها.
إذاً، لماذا اختارت عائلة جيب عكس ذلك تمامًا؟
“لأن العائلة الإمبراطورية لم تكن راضيةً عنا.”
أجابت البارونة جيب ببطء على تساؤلها.
“لم يعجبهم أن تطلب امرأةٌ بنفسها الحصول على لقب نبيل. و حتى الآن، لا تزال النساء اللواتي يرغبن في وراثة الألقاب النبيلة يُجبرن على السعي خلف دعم الآخرين، فما بالك بالزمن الذي عاشت فيه والدتي؟”
كان مجتمعًا خانقًا، أقرب إلى جدار منيع يصعب اختراقه.
وكانت البارونة الأولى لعائلة جيب هي أول من رفعت قبضتها في وجه ذلك الجدار.
“من المؤكد أن العائلة الإمبراطورية لم تكن ترغب في تلبية طلب والدتي، لكن إنجازاتها كانت عظيمة جدًا، وجدي ضغط بقوة لدعمها، فلم يكن أمامهم خيار سوى منحها اللقب والأراضي.”
ابتسمت البارونة جيب ابتسامةً ضيقة على جانب من فمها.
“لهذا السبب تم منحنا هذه الأرض الخصبة.”
كانت الأرض التي كان الجميع يطمع فيها قد أُعطيت عمدًا للبارونة جيب.
وعلاوةً على ذلك، كان الوقت الذي حصلت فيه على الأراضي هو نفسه الوقت الذي توفي فيه والدها، الذي كان الوحيد الذي يدعمها.
“كيف كانت نظرة النبلاء الآخرين إلى والدتي؟”
امرأة، حديثة العهد بالنبالة، جاهلة بأمور العالم، لا مكان لها للدفاع عنها.
كيف كان النبلاء الآخرون يرون البارونة الأول، لعائلة حيب؟
كان يبدو كطفل يحمل الذهب، وكانوا بالتأكيد يفكرون،
“آه، هذه. يمكنني أن أستولي عليها.”
لقد كانت العائلة الإمبراطورية هي من دفعت الآخرين ليظنوا ذلك، فقد كانت تقودهم إلى هذا الاعتقاد عن عمد.
__________________________
مستحيل استوعب نظرة المجتمع للمرأه في ذاك الزمن فظيعين
المهم وين لوغان حسبته بيجي معها
Dana
التعليقات على الفصل " 155"