Chapters
Comments
- 4 منذ 5 ساعات
- 3 منذ 9 ساعات
- 2 - تمهيدي 2 منذ 9 ساعات
- 1 - تمهيدي منذ 9 ساعات
عرض المزيد
يسقط شيء في داخلي لم أعد أجرؤ على لمسه.
وأصوات تتردد في ذهني من الندم،
لا أعرف كيف أو متى سيقوم بأخذ روحي.
لكني أراه… كلما أغلقت عيني،
واقفًا خلف الباب،
يحمل وجهي، يتنفس بخوفي، ويضحك بذكرياتي.
إنه ليس الموت…
بل أنا حين لم أعد أقاوم.
وغلبني اليأس،
ولم أعد أشعر بالمشاعر.
كل ما أحس به هو الألم،
والندم يتدفق في عروقي.
ما الذي عليّ فعله؟
هل أغمض عيني للأبد،
أم أستمر في المعاناة؟
لا أعرف لِم هذا الكره اتجاهي،
هل لي أن أعرف ما هو خطئي؟
أنا لا أتذكر أني فعلت شيئًا يؤذيهم…
هل هذا لأني وُلدت؟
أم لأنني لم أكن الصورة التي رسموها في أذهانهم؟
كل يوم أنظر لمرآتي،
لا أرى وجهي، بل سؤالًا يتكرر:
“ما قيمة وجودي حين لا يُحتمل؟”
أريد الصراخ من الوجع،
بصوتٍ يسمعه كل من في هذا العالم،
أريد أن أمزق هذا الصمت الذي يخنقني،
لكن صوتي يأبى الخروج…
كأن حنجرتي عقدت اتفاقًا مع ألمي:
أن لا تُفشي السر، أن تبقى شاهدةً لا فاعلة،
فأكتفي بأن أصرخ بعيني،
وأرجو أن يقرأ أحدهم دموعي كما تُقرأ الحروف.
ثم فجأة،
سمعتُ نفس الصوت الذي كان يئنّبني…
لكن هذه المرة، لم يعاتبني،
بل واساني، وقال لي:
“كفى أنينًا،
فلقد انفطر قلبكِ من المواجع،
وبُؤسًا لمن أذوْكِ…
كفى، لنتوقّف،
ولنقف على أقدامنا من جديد،
فالأمر لا يستحق كل هذا الانهيار…
من أسقطوكِ لم يكونوا يستحقون دمعة،
فكيف وأنتِ تمنحينهم هذا البحر؟”
توقفت دموعي فجأة…
لا لأنني لم أعد حزينة،
بل لأنني بدأت أشعر أن هناك من يسمع،
حتى وإن كان الصوت من داخلي.
ذلك الصوت لم يعد قاسيًا كما كان،
صار يشبه حضنًا خفيفًا… مترددًا،
لكنه صادق.
قال لي بهدوء:
“أعلم أن الألم لا يُمحى،
لكننا لسنا مجبرين أن نحمله كل دقيقة.
ضعيه جانبًا، ليس نسيانًا، بل استراحة.
ارحمي قلبكِ قليلاً… واسمحي له أن يتنفس.”
نظرت إلى يديّ المرتجفتين…
ووضعت إحداهما على صدري، كأنني أحتضن نفسي.
ربما لن أشفى اليوم،
لكنني بدأت أخطو…
والخطوة، مهما كانت صغيرة، انتصار.
–
لم يكن في الغرفة شيء يبتسم…
سوى الجثة.
الهواء ساكن،
كأن الزمن توقف احترامًا لمشهدٍ لا يُفهم،
ولا يُنسى.
الجثة تجلس على الكرسي الخشبي،
ظهرها مستقيم كأنها ما زالت على قيد الكبرياء،
شفاهها مائلة بابتسامة صغيرة…
مستفزة، مرعبة، مليئة بأسرارٍ لا تُقال.
عيناها نصف مفتوحتين،
لا تنظران إليّ مباشرة،
لكنني أشعر أنها تراني، وتعرفني.
أنا أعرفها أيضًا.
بشرتها، تفاصيل يديها،
الندبة الصغيرة خلف أذنها اليسرى…
تلك أنا.
لكن كيف؟
أنا هنا، أرتجف، أنظر إليها…
فكيف أكون في مكانين؟
رأسي يدور،
الهواء يضيق،
كأن الغرفة كلها تنكمش لتجبرني على الاختناق.
أريد أن أصرخ،
لكن صوتي خائن… لا يخرج.
يداي تتصلبان،
والدموع متحجرة في مآقيها،
كأن كل شيء داخلي رافض أن يعبر عني… حتى البكاء.
وفجأة…
تتحرك شفاه الجثة.
لم تكن ابتسامة فقط.
كانت تتكلم… همسًا.
أقترب.
أحاول أن أسمع.
“قومي… لا زلتِ على قيد الموت.”
استغربت مما قالته…
“قومي… لا زلتِ على قيد الموت.”
جملة لم تكن منطقية،
لكنها طعنتني بدقة.
تراجعت خطوة إلى الوراء،
أبحث عن تفسير، عن تفسير عقلاني لما يحدث…
لكن لا فائدة.
أنا في حيرة.
كل شيء بدا مشوشًا،
الغرفة، الجثة، نفسي… حتى ذاكرتي.
لكن الغريب…
أنني لم أخف.
بل شعرتُ بشيء مألوف،
كأنها… أنا.
ليس وجهي فقط، وليس صوتي فقط،
بل أحساسي بها كأن داخلي وقف امامي
يحكي عني، يحاكيني، ويعاتبني.
مو كعدوة،
بل كأنا ثانية… سقطت قبلي.
اقتربت منها ببطء،
وجلست أمامها،
أمد يدي، وأهمس:
“هل أنتِ أنا… التي تعبت من الألم قبلي؟”
لم تجب.
لكن ابتسامتها اتسعت قليلاً…
كأنها تقول:
“أخيرًا… بدأتي تفهمين.”
أغلقتُ عيني للحظة،
علّني أهرب من تلك الابتسامة،
لكن حين فتحتها… لم أعد في الغرفة.
كنتُ في ممرٍ طويل، جدرانه سوداء،
كأن الليل انسكب داخله،
أرضه مبلّلة بخطاي القديمة،
وصدى بكائي يدوي فيه، رغم أني لم أنطق.
ظهرت الجثة من بعيد،
لكنها لم تكن جثة هذه المرة…
كانت أنا، في عمري الأصغر،
تبكي وتختبئ خلف الحائط،
تغطي أذنيها… وتهمس:
“مو أنا الغلط… مو أنا السبب.”
تقدمت نحوها، قلبي ينهار مع كل خطوة.
ركعت أمامها،
قلت لها:
“أنا آسفة…
آسفة لأني صدّقتهم لما قالوا إنكِ المشكلة.”
رفعت رأسها، عيناها مليئتان بالخوف…
لكن في داخلها كان ضوء صغير،
خافت، لكنه لم ينطفئ.
همست لي:
“إذا سامحتيني… تروحين.”
قلت بصوت مرتجف:
“وإذا ما سامحتك؟”
قالت:
“تبقين… جثة تبتسم.”
—
نظرتُ إلى الطفلة داخلي،
التي كانت تبكي بين الجدران،
واحتضنتها.
لحظة صامتة، لكن العالم اهتزّ من تحت قدمي.
كأنني انتزعت أول مسمار في نعش الألم.
شعرتُ بحرارة في صدري،
كأن قلبي ينبض للمرة الأولى بعد زمن طويل.
الجدران بدأت تتشقّق،
والصوت القديم، الذي كان يؤنبني دائمًا،
بدأ يضعف… يخفت… ثم اختفى.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 1"