تلونت الأرض ببياضٍ فضي، وامتدت الثلوج فوق الجبال متتبعةً تضاريسها.
اصطفت أشجار الصنوبر الممشوقة وقد ارتدت قبعاتها البيضاء، وتسربت أشعة الشمس من بين فجوات الأشجار، فأضاءت ذلك العالم الفضي المتلألئ.
كان منزل نوي القائم على قمة الجبل يتراكم الثلج على سقفه ما إن يحل الشتاء. لكن بفضل السحر الذي تنسجه هذه الأصابع، ربما كانت تعيش حياةً أكثر راحة من حياة أهل المدينة.
“يا معلمتي. لقد نضج الغراتان.”
( الغراتان هو طبق اوروبي او فرنسي الاصل عباره عن بطاطا وحليب كريمي وجبن )
كانت نوي ملتفة بالبطانية فوق السرير، وما إن التقطت أذناها اسم الطعام حتى أخرجت وجهها من تحت الغطاء.
وهي لا تزال مغمضة العينين، حرّكت أنفها تشمّ، فانقادت برائحة الجبن الغنية، وترنحت نازلةً من السرير.
اقتربت من الطاولة وهي ما تزال ملفوفة بالبطانية، فسحب كارديا الكرسي بهدوء.
تمتمت نوي ببطء:
“ما أسعدني…”
“نعم، إنه الغراتان الذي تحبينه.”
“أنا محظوظة حقًا…”
“نعم.”
“أن يكون لديّ تلميذ رائع إلى هذا الحد… أنا سعيدة جدًا.”
“يشرفني ذلك.”
كان الفتى الذي نام معها في السرير نفسه قد استيقظ باكرًا متحريًا أقصى درجات الحذر كي لا يوقظ معلمته، بل وأعدّ لها فطورها أيضًا.
أيمكن أن توجد سعادة كهذه؟
حتى الآن، كان كارديا يربط شعر نوي كي لا يزعجها أثناء الطعام.
ذلك الشعر الذي طال بسبب إهمالها، ما إن تقع عليه يداه حتى يجدله كأنه عمل فني في تسريحة جميلة متناظرة من الجانبين.
“لا بد أنني سأُعاقَب على هذا…”
“أرجوكِ لا تقولي مثل هذا الكلام.”
قالها كارديا، الذي كان قد أعدّ حصته هو أيضًا، وهو يسحب الكرسي ويجلس.
( من يسأل على ايش تعاقب…هي قصدها انها سعيدة كتير وتلميذها لطيف هيك يعني خايفه تتعاقب وتروح سعادتها المهم وصلت )
“شكرًا على الطعام.”
“شكرًا على الطعام.”
تشابكت أيديهما ورفعاها إلى الجبهة ثم أمسك الاثنان بالملاعق في الوقت نفسه.
— مرّ عامان على تولّي نوي رعاية كارديا، وقد بلغ الثامنة من عمره.
كانت نوي تبذل قصارى جهدها وهي تعتقد أن العناية بالتلميذ هي واجب المعلمة، لكنها تجمّدت في مكانها حين سألها كارديا:
“هل كانت معلمتكِ تفعل ذلك أيضًا؟“
نعم… عندما كانت نوي تلميذة، كان التلاميذ هم من يتكفّلون بخدمة معلميهم!
ومنذ أن أدركت ذلك، تغيّرت العلاقة بينها وبين كارديا.
صار هو من يُعدّ الطعام، ويسخّن ماء الحمّام، وينظّف المنزل.
بل وأكثر من ذلك، فبعد أن كانت المائدة في أيام طهو نوي لا تخرج عن البطاطا المطهوة على البخار أو البيض المسلوق بالتناوب، أصبحت الآن مليئةً بمختلف الأطباق.
كانت تشعر بالذنب لأنها تترك كارديا اللطيف يقوم بهذه الأعمال— لكنها قررت أن تعتبر الأمر مناسبًا تمامًا.
‘ففي يومٍ ما، عندما لا أكون موجودة…’
كان عليه أن يتعلم كيف يعيش بمفرده. لذلك لم تبخل نوي عليه بأي معرفة تمتلكها، سواء في السحر أو غيره من شتى ضروب الحكمة.
“كانت الأنوار مضاءة حتى وقت متأخر الليلة الماضية.”
“لم أستطع النوم. عذرًا.”
“لا… أرجوكِ اعتني بصحتك.”
“ما هذا التلميذ؟ حتى إنه يقلق عليّ…”
هل سبق لنوي أن راعت معلمها يومًا؟ لا تتذكر سوى تذمّرها من كثرة الواجبات، والضجيج، ومحاولات الهرب.
بل كانت تفرح إن تأخر معلمها عن الاستيقاظ لأن وقت الدراسة سيقصر.
ومع ذلك، ها هو تلميذها يتصرف بكل هذا الإخلاص.
‘— ربما أعمل في غرفة أخرى ابتداءً من الليلة…’
أصبح وجه نوي جادًا، وضيّقت عينيها قليلًا.
بعد أن طبعت قبلة ماقبل النوم على كارديا، انشغلت حتى وقت متأخر من الليل بتطوير سحر جديد.
— طَق… طَق طَق
وبينما كانت تستمتع بغراتان الجبن الذائب، سمعت صوت طائر ينقر زجاج النافذة بمنقاره.
كان طائرًا جميلًا ذا ريش ملوّن، طائر الأجنحة الرمزية آيولوجراف.
لوّحت بإصبعها وفتحت النافذة، وأدخلت الطائر المتعجل إلى الداخل، ثم ضخّت طاقتها السحرية في الدائرة السحرية المنسوجة في ريشه.
فمدّ الطائر جناحيه بقوة، وعندما انفتحا تمامًا، بدأت نقوش الريش تتحرك كأنها كائنات حية، ثم تحولت تدريجيًا إلى حروف.
“هل هي رسالة؟“
“هاهاها.”
أخذت نوي قطعة من الخبز الموضوعة بجانب الغراتان والتي لم تُمس، ومزقتها قليلًا وقرّبتها من منقار الطائر، وهي تبتسم بخفة.
“يبدو أن الرفيق الذي كان متجهمًا قد صفا مزاجه أخيرًا. أو ربما هو غاضب مما أرسلته إليه دون استئذان… آه، ويبدو أن لديه لك هدية أيضًا. ترقّبها.”
مال كارديا برأسه في حيرة.
فخلال الفترة التي كان فيها تحت رعاية نوي، جاء بعض من أرادوا تكليفها بأعمال، لكن لم يأتِ أحد يسأل عنه هو شخصيًا.
“هدية… لي؟“
اتّسعت عينا كارديا وهو يرمش بدهشة.
يبدو أن تلك الحركة التي اعتادت نوي القيام بها قد انتقلت إليه طبيعيًا مع العيش معًا.
لم يكن كارديا ميّالًا لامتلاك الأشياء.
وحتى عندما تحاول نوي أن تقدّم له هدية، كان يهمّ بالاعتذار ورفضها بدافع التحفّظ. وبالطبع، لم تكن نوي تعبأ بذلك وتفرضها عليه فرضًا، لكنها كانت تتمنى في قرارة نفسها أن تهديه يومًا شيئًا يفرحه حقًا.
‘… مع أن البلوط هو أكثر ما يفرحه على الأرجح.’
ذات يوم، حين حاولت نوي تغيير ترتيب الغرفة فحرّكت الخزانة، تدحرجت منها كمية هائلة من حبّات البلوط.
أدركت حينها أنه يخفي أشياءه الثمينة هناك، فتظاهرت بأنها لم تلاحظ شيئًا، وتخلّت عن فكرة إعادة الترتيب.
تسللت ضحكة خفيفة من شفتيها.
خلال هذين العامين، لم يمرّ يوم واحد لم تكن فيه سعيدة.
ذلك الكوخ المعزول في أعماق الجبال الذي بنته على عجل بحجة التفرغ لأبحاث السحر، امتلأ بالضحك على نحوٍ لم يكن يخطر ببالها حين انتقلت إليه.
وكان التلميذ الصغير، رغم أنه لا يفهم بعد أبحاث نوي حول ملك الشياطين، يطلّ بفضول على ما تعمل عليه، محاولًا جاهدًا استيعاب الدوائر السحرية.
وقد بلغت تلك الأبحاث قبل أيام مرحلةً فاصلة.
— إنه السحر المقدّس القادر على إبادة الشر، سحر التطهير.
في هذا العالم، لا وجود لما يُسمّى ‘كائنًا شريرًا‘ بطبيعته.
فكل كائن يستخدم طاقته السحرية لتحقيق غايته الخاصة ويعيش وفقها.
لكن ملك الشياطين مختلف.
فملك الشياطين هو تجسيد الشر، يولد ليحكم الظلام ويجرّ العالم معه إلى الفساد.
والمعلومات المعروفة عنه قليلة.
أولًا: يمتلك طاقة سحرية هائلة.
ثانيًا: يواصل تآكل الجسد الذي يحلّ فيه.
ثالثًا: يفقس بعد موت الجسد المتجسد فيه.
وأخيرًا—
يضاعف طاقة الإنسان الذي يتلبّسه مئات، بل آلاف المرات.
ولا يوجد في هذا العالم سحر قادر على القضاء على مثل هذا الكيان.
أي إن نوي التي تنبأت النبوءات بأنها من سيقضي على ملك الشياطين، لا بد أن تبتكر ذلك السحر بنفسها.
ومن البديهي أن ملك الشياطين بصفته ملكًا للسحر يمتلك طاقة سحرية خاصة به، والسحر لا يستطيع التدخل في طاقة سحرية أخرى.
وبعبارة أدق، لم يوجد قط ساحر تمكّن من ذلك— حتى الآن.
لكن نوي هي أعظم ساحرة في المملكة.
لقد نجحت أخيرًا في نسج دائرة سحرية قادرة على تطهير ملك الشياطين.
ومن خلال صبّ كامل طاقتها السحرية الهائلة في تلك الدائرة المتقنة التي أبدعتها، أصبح التطهير ممكنًا من الناحية النظرية.
وكان سبب انعزالها أصلًا في أعماق الجبال هو البحث في سحرٍ يمكنه التدخل في الطاقة السحرية.
وبعد تلقيها أمرًا ملكيًا من فينغارو، ركزت أبحاثها حصريًا على تطهير القوة الشريرة، حتى استطاعت بالكاد أن تضع الإطار العام.
ودائرة التطهير التي وُلدت بعد عامين من العمل المضني، كانت الآن في مرحلة الضبط النهائي.
— وكانت نوي تثق ثقةً مطلقة بساحر قراءة النجوم.
أي إن تفكيرها صحيح.
فإذا بذلت نوي كل ما لديها فبإمكانها القضاء على ملك الشياطين.
نعم…
حتى لو لم يكن مصيرها الشخصي مضمونًا.
“يا معلمتي؟“
أفاقت نوي من شرودها حين ناداها كارديا.
“آه، آسفة.”
‘— لا يسعني إلا أن أتمنى… أن يتأخر ذلك اليوم، ولو قليلًا.’
كانت فتات الخبز التي مزّقتها من أجل طائر الأجنحة الرمزية قد اختفت تمامًا من فوق الطاولة.
“ألا تشعر أن حذاءك أصبح صغيرًا جدًا؟“
قالتها نوي بعد انتهاء درس الصباح، وهي تطلّ على كارديا الجالس قرفصاء عند جذع شجرة.
كان قد انحنى يربط رباط حذائه، ثم خفض رأسه باعتذار.
“ما زلت أستطيع ارتداءه.”
“سنذهب لشراء غيره قريبًا.”
“لكن… قلتِ إنك لا تحبين المشي في الطرق الثلجية.”
“لا بأس. سنذهب بالمزلجة. سنصنع طريقًا من الجليد. سيكون مريحًا.”
تنمو طبقة من الجليد على الأرض، وتنطلق المزلجة على سكة جليدية هابطة من الجبل بسرعة هائلة.
تجربة مثيرة، خطِرة، ومدهشة.
ربما لم يستطع تخيّلها، إذ أضاءت عينا كارديا ببريقٍ لامع.
بعد عامين من كونها معلمته، باتت نوي تعرف جيدًا معنى تلك النظرة.
“— هل نذهب الآن؟“
“أ… أريدذلك.”
ازداد احمرار وجنتي كارديا من شدة البرد، ثم أومأ برأسه بخفة.
ولمقاومة تلك اللطافة، شدّته نوي إلى حضنها بقوة.
حين تعانقه هكذا، تدرك جيدًا كم كبر حجمه.
ولحسن الحظ لم يبلغ سن التمرد بعد، فلم يسبق أن قال إنه يكره عناقها، لكن عليها أن تنتبه أكثر من الآن فصاعدًا.
فالعناية بأحوال التلميذ من واجبات المعلمة.
‘ومع ذلك… شهر آخر— لا، نصف عام لا بأس به.’
فركت خدها برأس كارديا وهي تضمه. ولم يُبدِ أي مقاومة، بل ابتسم ابتسامة خفيفة وتركها تفعل ما تشاء.
“حسنًا! إذن لننطلق! هيا بنا!”
“آه، لكن… أظن أن هناك شخصًا—!”
وبينما كانت نوي تستدير لتعود إلى البيت استعدادًا للذهاب إلى المدينة، حاول كارديا إيقافها على عجل، لكنه انزلق فجأة على الثلج.
“إيه؟— آه—!”
“كارديا—!؟“
مدّت نوي يدها، لكن في تلك اللحظة كان كارديا قد بدأ يتدحرج على الأرض.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 9"