بعد أن سحبت نوي المال من البنك وأنهت الإجراءات المطلوبة بسرعة، كانت تسير ممسكةً بيد كارديا في أرجاء العاصمة الملكية.
“ماذا سنفعل بكل هذا المال؟“
سأل كارديا بتردد، وقد كادت عيناه تبرزان من شدة الدهشة حين رأى المبلغ الذي سحبته نوي.
“هم؟ فوفو… فوفوفو… الأمر واضح تمامًا.”
وبابتسامة عريضة لم تحاول كبحها، شدّت نوي يد كارديا واقتادته إلى أمام أحد متاجر الأزياء.
“سنقوم بشراءٍ جنوني!”
— وفعلاً، راحت نوي تشتري هذا وذاك حتى ابتاعت من الملابس لكارديا ما تشاء.
إلى جانب الملابس الجاهزة التي يمكن ارتداؤها فورًا، جعلت الخياط يقيس محيط صدره وطول ذراعيه، بل وحتى سماكة عنقه وطول أصابعه، وطلبت ملابس مفصّلة خصيصًا له.
وأخذت في الحسبان نمو كارديا المستقبلي، فطلبت لكل فصل ما يكفيه بل أكثر مما يكفي ثم دفعت الحساب بوجهٍ مشرقٍ مليء بالرضا.
وأمرت بأن تُرسل جميع المشتريات إلى المنزل لاحقًا.
أما كارديا، وقد ارتدى في غرفة القياس ثوبًا يلائمه تمامًا، فكان جميلًا إلى حدٍّ يجعله يبدو كابنٍ لأحد النبلاء.
“جيد… جيد جدًا.”
كان كارديا يرتدي ثوبًا أبيض طويلًا يصل إلى ركبتيه، مشدودًا بحزامٍ ذهبي عند الخصر، وقد زُيّن الحزام بحبلٍ أحمر يضاهي لون عينيه.
أضفى القماش الأبيض اللامع جمالًا إضافيًا على شعره الأسود.
“كل هذا الكمّ…”
نظر كارديا إلى الأقمشة المكدسة فوق الطاولة ككومةٍ تشبه الجبل، وقد ارتسمت على وجهه ملامح اعتذار.
عندها عقدت نوي حاجبيها.
“اشتريت لك كل هذه الملابس لأجلك، لأراك كل يوم ترتديها وتكون سعيدًا. الآن، أنت تعرف ما يجب عليك فعله بعد ذلك، أليس كذلك؟“
“…أن أرتدي كل يومٍ الملابس التي اشتريتِها لي اليوم لأُسعدكِ يا معلمتي؟“
يبدو أن كارديا الصغير حين يجلس على حافة النافورة لا تصل قدماه إلى الأرض.
‘يا له من لطيف.’
بعد انتهاء الحدث الكبير لليوم من شراء ملابس كارديا كانت نوي تتجول في العاصمة بلا هدف، وقد جلست بكارديا على حافة النافورة لتناول وجبةٍ خفيفة للمرة الثالثة ذلك اليوم.
كارديا قليل الأكل، فلا يستطيع تناول الكثير، لكنه يرافق نوي بأمانة في كل مرة.
كان الآن يقضم خبزًا اقتسمه معها بفمه الصغير.
كان الخبز المخبوز رقيقًا والممزوج بالمكسّرات المفرومة مكدسًا بكثرة في أحد الأكشاك.
وحين مرّا أمامه ارتجف كارديا ارتجافةً خفيفة دون وعي.
‘من الجيد أنني كنت أمسك بيده.’
حتى إن جذب شيءٌ اهتمام كارديا، فإنه لا يجرؤ على الكلام حياءً من معلمته. لكن يده الصغيرة تخبرها بكل شيء.
وقد فهمت نوي رغبته الخفية، فتوقفت عند الكشك. وليس لأنها شرهة للطعام—أبدًا.
بعد الانتهاء من الخبز، عادا للسير وهما متشابكا الأيدي.
وبدا أن كارديا أدرك أن توقفه المفاجئ يجعل نوي تشتري أي شيء، فصار يمشي بحذرٍ شديد.
‘مجرد أدوات سحرية تبدو مرغوبة، أو ألعاب، أو حلوى، أو فراش، أو لوحات فنية… لا أكثر.’
كانت نوي عازمة على شراء أي شيء قد يرغب به.
‘ثم إن المال، حتى لو أبقيته، فسيؤول في النهاية إلى…’
كانت عيناه القرمزيتان تحدّقان إلى الأمام، مبللتين بدموع حزنٍ عميق.
“إذن…! كنت أتمنى لو كنتُ مثلَكِ، يا معلمتي…”
حبست نوي أنفاسها.
استدار كارديا فجأة ونظر إليها بعينين متوسلتين، ثم انفجر صوته عاليًا، كأن سدًّا قد انكسر داخله.
“كنتُ أريد أن أكون ساحرًا… مثلكِ!”
كان صراخًا موجعًا، كأن جسده الصغير سيتشقق من شدّة الألم.
انقبض صدر نوي بقوة.
“أنتَ ساحر!”
قالتها نوي بصوتٍ عالٍ، ليصل إليه مهما كان قلبه بعيدًا، وليخترق سمعه حتى لو كان يرفض كل الكلمات.
قالتها باستقامة وبحرارةٍ صادقة.
“أنت ساحرٌ عظيم! أنتَ تنسج طاقة سحرية جميلة إلى هذا الحد. لا يوجد طفل في السادسة مثلك. أنت ساحرٌ حقيقي! لأنك تلميذُ أقوى ساحرة في البلاد—أنا، نوي!”
ليس ملك الشياطين.
لكن… ليس إنسانًا أيضًا—
هكذا كان كارديا يرى نفسه؛ كائنًا عالقًا بين الاثنين.
ربما ظنّ أن كونه تلميذًا لساحرة لم يكن سوى مصادفة عابرة، وأنه أُودِع بيت ساحرة بالصدفة، وأن تعلّمه السحر لم يكن إلا نزوة مؤقتة حتى يُحكم ختم ملك الشياطين—فوقع أسيرًا لهذه الفكرة المؤلمة.
‘أنا معلمة فاشلة.’
مع أنني كنت أكرر أنه تلميذي.
بل إنني فشلت حتى كراشدة. لم ألحظ قلقه ولا وحدته.
كان كارديا بين ذراعيها يتنفس بأنفاس قصيرة متقطعة كأنها تخنق نشيجه.
أمسكت نوي بكفّه الصغير الذي كان يتحرك بلا قرار قرب ذراعها وقبضت عليه بقوة.
تشبّثت بيده ففتح عينيه دهشة.
“لنقم بأشياء ممتعة يا كارديا.”
كان وجهه الملائكي الآن مبللًا بالدموع.
“سنأكل كل يوم، ونضحك، ونفرح، ونعيش معًا. لا بأس… أنت لم تفقد مستقبلك.”
تدحرجت دموع كبيرة على وجنتيه الناعمتين وتساقطت من ذقنه.
“سيأتي يومٌ يحِبّك فيه العالم، بلا شك.”
تمتم كارديا وهو يكبت شهقاته بصوتٍ يتوسل لأنه يريد أن يصدق ذلك من أعماق قلبه:
“…حقًا؟“
“حقًا. وحتى يحين ذلك اليوم، سننتظر معًا—أنا وأنت.”
تشوّه وجه كارديا قليلًا، ثم… ابتسم وهو يبكي.
وفي تلك اللحظة حبسَت نوي أنفاسها؛ فقد كانت ابتسامةً جميلة حدّ الهشاشة، مؤلمة حدّ الفتنة.
أظهر كارديا نابه وهو يضحك، ثم اندفع وارتمى في حضن نوي.
لقد ازداد وزنًا قليلًا، لكنه ما يزال جسد طفلٍ نحيلٍ ضعيف.
فشدّته نوي إلى صدرها بقوة.
‘…آه، رجاءً، يا إلهي.’
وخز الألم أنفها من الداخل، فحبست دموعها بشدة.
‘إن كان لديّ شيء أملكه، فسأقدّمه كله.’
أغمضت وفتحت عينيها مرارًا.
‘لذا، إن كنتَ موجودًا… أرجوك، أرجوك احمِ هذا الطفل.’
وبينما كانت تعانق دفء كارديا الصغير بقوةٍ بالغة، اعتذرت له في قلبها—لأنها تعلم أنها ستضطر يومًا ما إلى تركه والمضيّ وحدها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 8"