عندما علمت نوي أن الكنيسة التي وُلد ونشأ فيها كارديا تقع في العاصمة الملكية، قامت قبل الخروج بإلقاء سحرٍ مُموِّه على معطف كارديا.
وسحر التمويه هو تعويذة تستخدم انعكاس الضوء للاندماج مع المناظر المحيطة فتجعل الشخص أقل قابلية لأن يلاحظه الآخرون؛ أي سحر تمويهٍ بصري.
يمكن رؤيته إذا دُقِّق النظر جيدًا، لكن بمجرد إلقاء نظرة سريعة فلن يُلاحظ.
فإن كانت ردود الأفعال تجاه ملك الشياطين في فينغارو شائعة بين الناس، فإن الاصطدام بأشخاص يعلمون أن ملك الشياطين يسكن داخل كارديا سيكون أمرًا بالغ الخطورة.
‘كارديا فتى ذكي.’
وعندما شرحت له نوي السحر، بدا أنه فهم مقصدها، فارتدى المعطف بإحكام من دون أن يتذمر.
في كل مرة يزورانها، تكون المدينة مفعمة بالحياة.
تضج الطرقات المرصوفة بالحجارة بخطوات المارة، وتشكّل المباني المشيدة من التراب والحجر جدران الأزقة.
وقد مُدَّت الأقمشة بين نوافذ البيوت، فتحجب أشعة الشمس القوية، وفي الوقت نفسه تسمح بدخول ضوءٍ لطيف إلى السوق التجاري.
يتنقّل الناس ذهابًا وإيابًا، وتجري الكلاب والدجاج عند أقدامهم. وعلى جانبي الأزقة تصطف الخيام حيث تُباع الزينة المصنوعة يدويًا والأدوات السحرية والأقمشة المنسوجة يدويًا، والتوابل التي وصلت حديثًا من بلدانٍ أخرى.
يقف الناس أمام البضائع المتنوعة، ولا تنقطع أصوات المساومة والضحك.
أمام أحد المتاجر، كان طائرٌ سحري جميل الريش يُدعى فُيُوكيو (طائر الجناح الرمزي) “آيولوجراف” مربوطًا بخيط من قدمه.
( جناح رمزي اي يعني اجنحته بها رموز سحريه )
وأمام متجرٍ آخر، كان ساحرٌ يملأ الضوء داخل أكاريكاغو (سلة الضوء) التي جلبها الزبائن من بيوتهم.
( سلة الضوء يعني مثل المصباح يشحنوه بسحر الضوء )
وتضيف ضحكات الأطفال دفئًا إضافيًا إلى هذا المشهد الصاخب بالحياة.
فالناس العاديون، الذين لا يعلمون أن ساحر قراءة النجوم قد أنشد نبوءة عن ملك الشياطين، كانوا يعيشون أيامهم بسلام كالمعتاد.
“انظر يا كارديا، هذه بطاقة سحرية.”
أخرجت نوي بطاقة من حقيبتها اليدوية.
كانت لوحة معدنية صلبة بحجم راحة اليد، منقوشة عليها دوائر سحرية معقدة.
“عندما تُري هذه البطاقة… ستحصل على الكثير من المال من البنك.”
سبق لنوي بوصفها أقوى ساحرة في البلاد، أن عملت في القصر الملكي مدة خمس سنوات، من سن الخامسة عشرة حتى العشرين.
وخلال تلك الفترة، أنجزت الطلبات الواحدة تلو الأخرى، وابتكرت شتى الأدوات السحرية، وقدّمت طلبات براءة اختراع لكل ما صنعت تقريبًا—
والنتيجة: ثروة شخصية هائلة.
نعم— كانت نوي وهي في الرابعة والعشرين من عمرها فقط قد دخلت بالفعل حياة التقاعد.
عندما ابتسمت نوي ابتسامة ماكرة، اتسعت عينا كارديا بدهشةً ثم رفع نظره إلى معلمته بقلق.
“ه–هل… سنقوم بالسطو؟“
كان صوته قلقًا، لكنه يخفي في داخله استعدادًا حاسمًا.
ولو قالت نوي “سنفعل“، لكان قد عزم أمره فورًا. عندها أسرعت نوي بالاعتراض:
“لا! لا نفعل! ليس هذا المقصود! لا أعني أن نُلهي موظفي البنك بهذه البطاقة ثم نسرقهم!”
“آ–آه، هذا مطمئن.”
“قبل أن نتسوّق، سأعلّمك كيفية استخدام البنك. تعال معي.”
وكما وعدت، أمسكت نوي بيد كارديا وتوجها معًا نحو البنك.
كان البنك الذي يتولى إدارة ثروات مملكة إيسريا بأكملها يضم كميات هائلة من المال.
ولهذا، فهو محمي بتعاويذ محكمة جمعت فيها خلاصة حكمة البلاد، إضافة إلى مخلوقات سحرية شرسة.
“هل تعرف مكان البنك؟“
“نعم… آه، ذاك الذي يُشاع أن فيه قطًا ضخمًا.”
كان ما قصده كارديا بـ القط الضخم هو حارس بوابة بنك مملكة إيسريا، الكائن السحري المعروف باسم سفينكس اللغز الجائل.
للكائنات السحرية مراتب، تبدأ من الوحوش السحرية الشائعة التي يمكن العثور عليها في أي مكان مثل طائر الجناح الرمزي (آيولوجراف)، مرورًا بـالوحوش المقدسة النادرة مثل أسد الجناح المحلّق (زيبيوراي)، الذي يُطلق عليه رسول الحاكم، وصولًا إلى الوحوش الحاكم، وهي كائنات مقدسة لا يوجد منها في العالم كله سوى فرد واحد في الوقت ذاته.
ويُعد سفينكس اللغز الجائل من أرقى هذه الوحوش المقدسة.
ويُقال إنه منذ زمن بعيد، بعد أن تغلّب عليه الملك المؤسس لمملكة إيسريا في مسابقة ألغاز، استقر السفينكس في هذه البلاد ولم يغادرها.
ولو تُرك وشأنه، لأخذ يطرح الألغاز على كل من يصادفه، ثم يلتهم من يعجز عن الإجابة.
ولذلك استُخدم بدلًا من ذلك كجزء من نظام الأمن الخاص بالبنك.
أمسكت نوي بيد كارديا، واجتازا البوابة المهيبة للبنك حتى وصلا إلى ساحة واسعة.
وكان سفينكس اللغز الجائل هناك، مستلقيًا فوق أرضية حجرية مغطاة بطبقة رقيقة من الماء.
وغالبًا ما يستلقي مثل القطط، لكن مجرد رأسه كان أطول من نوي نفسها.
بوابة البنك مبنية في الهواء الطلق، ومع ذلك لم يُشاهد السفينكس قط وهو يغادر مكانه منذ إنشاء البنك.
وتحيط به أعمدة فخمة مصطفة في شكل دائري، وهي مشهورة بكونها تُرمم دوريًا، إذ اعتاد السفينكس أن يلهو بقضمها بأنيابه العظيمة.
“كيف حالك اليوم يا سفينكس اللغز الجائل؟ أنا نوي.”
فتح السفينكس إحدى عينيه ونظر إليها، بينما تمايلت شواربه الطويلة بهدوء.
“كارديا، تعال إلى هنا.”
أشارت نوي إلى بلاطات الأرض.
كانت عند قدميها مساحة تتسع لثلاثة بالغين، مفروشة ببلاطٍ مصبوغ باللون القرمزي.
قفز كارديا إليها على عجل.
أحاط بالساحة عدد كبير من الحراس، لكن الحديث الذي دار في الداخل لم يصل إلى مسامعهم.
فقد كانت البلاطات القرمزية مسحورة تضغط الهواء داخلها بحيث تمنع تسرب الأصوات.
“حسنًا، يا سفينكس اللغز الجائل. أحتاج إلى المال. هل تسمح لنا بالمرور؟“
رفعت نوي البطاقة فقرّب السفينكس أنفه منها.
وما إن لامست البطاقة طرف أنفه حتى أضاءت الدوائر السحرية المنقوشة عليها بنورٍ خافت.
“ألن يعضّنا؟“
“لا يعض إلا من يعجز عن حل لغزه. وإخفّض صوتك. كثير من الوحوش المقدسة تفهم لغة البشر.”
نبهته نوي بصوت منخفض، فأطبق كارديا فمه على الفور.
كان السفينكس يقرأ طاقة نوي السحرية من البطاقة.
فالطاقة السحرية، وإن كانت غير مرئية كالصوت أو الرائحة، تختلف من شخص لآخر. ولا يوجد شخصان يمتلكان الطاقة نفسها، كما أن الطاقة التي يولد بها الإنسان لا تتغير.
ولهذا السبب، كثيرًا ما تُستخدم في الأماكن التي تتطلب أعلى درجات السرية، مثل بطاقات البنوك.
وبعد أن تحقّق السفينكس من طاقة نوي، فتح فمه القطّي وتكلم بلغة البشر:
“بحرٌ مظلم لا شيء فيه—”
وتابعت نوي بصوتٍ واثق:
“يتساقط فيه نور النجوم—”
“أفقٌ ناعم—”
“يعبره جسرٌ ذو سبعة ألوان—”
“سكونٌ مطمئن—”
“كرسيٌّ هزّاز أمام المدفأة.”
ما إن انتهت الكلمات حتى نفخ السفينكس أنفه بعدم رضا ثم نهض. وعندها ظهر مدخل البنك من تحت المكان الذي كان مستلقيًا عليه.
دخل الاثنان من المدخل وبدآ بالنزول عبر الدرج، فحلّ الظلام من حولهما. فقد عاد السفينكس ليستلقي فوق المدخل من جديد.
كان الدرج ضيقًا وطويلًا، لا يسمح بالنزول إلا لشخص واحد في كل مرة، كما أنه مستقيم تمامًا، فلا مكان للاختباء.
أضاءت نوي صدفة بحرية كانت معلقة في عنقها بسحرٍ خافت، فأنارت المكان بنور لطيف.
تقدّمت في السير، وجعلت كارديا يمسك بطرف معطفها.
“هل كان ذلك هو اللغز؟“
نظرًا لأنهما تحدثا عن السفينكس قبل المجيء إلى البنك، بدا سؤال كارديا طبيعيًا.
“لا. ذاك كان رمز الدخول—كلمة السر التي لا يعرفها إلا عملاء البنك.”
فرغم أن حراسة السفينكس بالألغاز فعّالة، إلا أن إجبار العملاء على خوض مسابقة ألغاز في كل مرة يدخلون فيها البنك سيكون أمرًا غير معقول، لا سيما وأن الفشل يعني الموت.
لذلك، يطرح السفينكس الألغاز على اللصوص، بينما يُلقي كلمة السر على العملاء الذين يُبرزون بطاقاتهم.
لكن حتى العميل، إن أخطأ في الرد على كلمة السر، يُعد عاجزًا عن حل اللغز—ويُبتلع حيًا.
ولهذا، فإن من يودع أمواله في البنك، عليه أن يحفظ كلمة السر وهو يغامر بحياته.
“اسمع جيدًا. يجب أن تحفظ رمز الدخول، لكن لا يجوز لك كتابته، ولا أن تخبر به أحدًا.”
“فهمت.”
فلو استُغلّت البطاقة وكلمة السر معًا، لأمكن لأي شخص السحب باسم صاحب الحساب. ولهذا يتطلب حفظهما حذرًا شديدًا.
التعليقات لهذا الفصل " 7"