حين نادته نوي باسمه الذي منحته له للتو، عاد كارديا فجأة إلى الواقع.
يبدو أنه كان شارد الذهن وهو يقضم حبة بطاطا.
“نـ… نعم!”
أجاب كارديا على عجل، فحدّقت فيه نوي طويلاً بنظرة تحمل شيئًا تريد قوله.
وانساب العرق البارد من جبين كارديا.
‘هل فعلتُ شيئًا ما…؟ تبدو غاضبة. لم أنتبه، ربما كانت تناديني مرارًا. ماذا أفعل؟ لقد منحتني اسمًا أخيرًا…’
تسلّل إلى قلب كارديا خوفٌ من أن تسحب اسمه منه، أو أن تتوقف عن مناداته به.
كانت نوي تحدّق فيه بتركيز، وقد عقدت حاجبيها.
“كارديا.”
“نـ… نعم.”
“أنت—”
شدّ كارديا قبضته حول البطاطا. حتى راحة يده ابتلّت بالعرق.
‘ماذا سيحدث؟ ماذا ستقول؟‘
لم تترك له سوى المخاوف السيئة.
“في الحقيقة—”
أغمض كارديا عينيه بإحكام.
إن أغلق قلبه ولم يشعر بشيء، واكتفى بالنظر إلى الأسفل، فلن يؤلمه شيء، حتى إن لم يستجب الإله الذي كان يصلّي له كل يوم.
كان قادرًا على تحمّل أي كلمة، وأي فعل—
‘لكن الآن… كلمة واحدة من معلمتي تخيفني إلى هذا الحد‘
نوي، التي قالت إنه إنسان.
نوي، التي احتضنته.
نوي، التي فكّرت بجدية في اسم ينادي به نفسه.
أن يُرفَض منها ولو بكلمة واحدة… كان ذلك رعبًا لا يُحتمل.
“— أليس هذا قليلًا؟“
لم يفهم كارديا معنى ما سمعه، ففتح عينيه المغمضتين بحذر.
“البطاطا لم تنقص تقريبًا! أكنتَ تأكلها قليلًا قليلًا خوفًا من إهدارها؟ لا تتحفّظ، قل ما تريد بوضوح! هل تكفيك ثلاث حبات؟“
‘البطاطا؟‘
نظر كارديا إلى طبقه.
البطاطا المنتشرة في مملكة إيسريا كبيرة بحجم قبضة يد الرجل البالغ، تكون هشة ودافئة عند شيّها، ولزجة عند سلقها. وهي مشبعة جدًا، حتى إن ثلاثة منها تكفي لملء بطن رجل بالغ.
ومع ذلك، كان قد وُضع في طبق كارديا خمس حبات منذ الصباح.
أما طبق نوي الذي كان ممتلئًا أكثر من طبقه، فلم تبقَ فيه حبة واحدة.
هذه المرة، سال العرق البارد من جبين كارديا لسببٍ مختلف.
“مـ… معلمتي…”
“التواضع فضيلة، لكن معلمتك تشعر بالوحدة أتدري؟ حقًا كم أنت محظوظ لأن لديكِ معلمة فطِنة كهذه.”
“معلمتي، أنا… أنا حقًا، حقًا…”
نهضت نوي من مكانها وبدأت تغرس البطاطا في الأسياخ.
رغم أنه اعتاد على أسلوب الشواء العنيف هذا، إلا أن زيادة الكمية أكثر ستكون مشكلة حقيقية.
“ما بك؟“
لكن نوي استدارت نحوه، وكانت تبتسم بسعادة صافية، ابتسامة مشرقة—
“شـ… شكرًا جزيلًا…”
لم يستطع كارديا قول أي شيء آخر، فانحنى برأسه.
وليفسح مجالًا في طبقه للوجبة الإضافية، شجّع كارديا نفسه وعضّ البطاطا بعزم.
***
تلونت سفوح الجبال بأشجارٍ عريضة الأوراق متعددة الألوان.
وفي سماءٍ زرقاء صافية كأنها شفافة، كانت طيور الأيولوغراف ذات الأجنحة المرسومة بالرموز تحلّق في دوائر، مطلقةً صرخاتٍ حادة تتردّد في الفضاء.
وعلى بساطٍ من أوراقٍ يابسة، وقفت ساحرة كبيرة وساحرٌ صغير متقابلين.
“هنا—”
وأشارت نوي بإصبعها إلى صدر كارديا.
ما لبثت أن أبعدت إصبعها، ثم بدأت تديره أمام صدره، تحرّكه ذهابًا وإيابًا في دوائر.
“تقوم بلفّ كتلة الطاقة السحرية. كما قلتُ لك من قبل، يكفي أن تركّز على الإحساس بالطاقة السحرية نفسها. في البداية تعوّد فقط على كيفية التعامل معها.”
قلّد كارديا حركة نوي، فبدأ هو الآخر يدير إصبعه في دوائر.
يدير، ثم يسحب، ويقوم بلفّ الطاقة السحرية الخارجة من جسده لتصبح رفيعة وقوية.
لم يكن قد فكّر يومًا بوجود شيء يُسمّى كتلة الطاقة السحرية إلى أن علّمته هي ذلك، ومع هذا، ما إن قيل له إنها موجودة حتى راوده شعور غريب بأنها فعلًا كذلك.
فكثير من الناس رغم علمهم بوجود القلب في صدورهم، لا يستطيعون إيقاف نبضه بإرادتهم، ولا تسريع حركته. وكان التحكم بالطاقة السحرية في نظره أمرًا من هذا القبيل.
في أعماق الجبال—
كان منزل نوي قائمًا في مكانٍ ناءٍ، منعزلٍ وهادئ.
ورغم صغر حجمه، إلا أنه كان واسعًا بما يكفي ليعيش فيه شخصان، بالغ وطفل.
لكن عندما يحين وقت تعلّم السحر، كان الاثنان يخرجان دائمًا إلى الحديقة.
“أحسنت! رائع يا كارديا! حقًا إن تلميذي متفوّق.”
كان قد مرّ أسبوعٌ كامل منذ بدأ كارديا تدريبه على السحر بوصفه تلميذًا لها.
كانت نوي معلمة سحرٍ بارعة بحق؛ فهي لا تشرح لكارديا الذي لم يسبق له أن استخدم السحر إلا بأسلوبٍ سهل وواضح، وفوق ذلك، كانت تبدي فرحًا مبالغًا فيه عند أي تقدّم ولو كان ضئيلًا، حتى ليخيّل إليه أن الحلوى تهطل من السماء.
وعلى الرغم من ابتسامته الخجولة، بذل كارديا قصارى جهده ليحافظ على تركيزه، مواجهًا طاقته السحرية بكل ما لديه.
لم يكن يريد أن يشتّت انتباهه هنا، فيُخيب أمل نوي.
“لفّ الخيط، لفّ الخيط، دوّره برفق—”
ولكي تعزّز تركيزه، بدأت نوي تغنّي أغنية تدريبية.
ويبدو أنها أغنية يتعلّمها السحرة في بداياتهم، مخصّصة لنسج الدوائر السحرية.
—
لفّ الخيطَ، لفّ الخيطَ، في دورانٍ يدور
ننسجُ خيطًا عتيقًا من زمنٍ قد غابَ في الدهور
مُدّ واسحب، همسًا همسًا
هيا نبدأُ دربَ السحرِ والنور
ترالالالا…
يخرجُ الخيطُ، يخرجُ الخيطُ، ناعمًا كالنسيم
يرقصُ في الأفقِ خيطٌ لامعٌ عليم
ألوانُه تبرقُ، تشدو بريقًا
يعبر باب السماءِ السحري
ترالالالا…
نحيكُ الخيطَ، نحيكُ الخيطَ، غرزةً إثر غرزة
من هنا… إلى هناك، بلا حدٍّ ولا عَجَلة
كما نشتهي، يرفرفُ حلمًا
وبخيطِ السحرِ تتحققُ الأمنيات
ترالالالا…
—
حين تدندن نوي تفرح طيور الجبال وترقص الأوراق ويغدو الهواء نفسه متلألئًا.
كانت امرأةً جميلة.
وكان كارديا على يقينٍ تام بأنها ليست فقط أعظم ساحرة في البلاد، بل أجمل نسائها كذلك.
التعليقات لهذا الفصل " 5"