أول ما تغيّر هو أنه لم يعد بإمكانها النوم حتى وقت متأخر.
“… همم…؟ أليس ما زال قبل الظهر…؟ إن كان لديك أمرٌ ما، فليكن لاحقًا…”
هزّتها يدٌ صغيرة، فتقلبت نوي متذمرةً، وانكمشت داخل الغطاء.
كان ضوء الصباح اللطيف يغمر سريرها، مغريًا إياها بنومةٍ ثانية.
لكنها استيقظت فجأة، ونهضت بجسدها دفعةً واحدة.
“الفطور!”
ما إن جلست حتى رأت كارديـا يقف بجانب السرير، مترددًا لا يدري ماذا يفعل.
“معذرة! كان عليّ أن أُطعمك الفطور. كنتَ قد طلبتَ مني أن توقظني… صحيح، صحيح، أنا آسفة—اخخ!”
إذ حاولت النزول من السرير على عجل، علقت قدمها باللحاف، فاصطدم وجهها بأرضية الغرفة. فهرع كارديـا، وجثا محاولًا مساعدتها على النهوض.
“معلمتي! هل أنتِ بخير؟!”
“لا بأس! الأهم فطورك!”
زحفت نوي بنصفها العلوي الملتصق بالأرض حتى استقرت واقفة تمامًا، ثم بدأت تفكّر بالفطور بعقلٍ نشيط لا يشبه عقل من استيقظ لتوّه.
“لا بأس… أستطيع أن أتحمّل ترك وجبة واحدة—”
“ممنوع! ممنوع تمامًا! لا تقل ذلك مجددًا. هدفي الحالي هو أن أجعلك تسمن قليلًا!”
— لقد مرّت ثلاثة أيام منذ أن اتخذت نوي كارديـا تلميذًا لها.
بعد أن تولّت نوي تنظيفه بنفسها، بدا كارديـا أنيقًا على نحوٍ ملحوظ.
أطراف شعره التي تشابكت حتى تحولت إلى عُقدٍ لم يكن لها حل، فقصّتها. وبما أن نوي عديمة المهارة في كل ما لا يتعلّق بالسحر، خرج القص غير متناسق… ومع ذلك، فرح كارديـا بخفّة شعره.
لم يتغير جسده كثيرًا بعد، لكن لون وجهه وبريق بشرته تحسّنا كثيرًا. ولو استمر في العيش معها، فسيكتسب وزن عاجلًا أم آجلًا.
“لكن—”
“لا لكن ولا غيرها! عندما أقول طعامًا، فهو طعام!”
ومع مرور الوقت، بدأت نوي تفهم كارديـا أكثر فأكثر.
كان طفلًا سيئًا جدًا في طلب الأشياء. إن لم تُعطه هي، فلن يطلب شيئًا، بل بدا وكأنه يظن أنه لا يحق له لمس أي شيء في بيتها دون إذن.
‘عندما كنتُ تلميذة… كنت أعدّ أشياء معلمي كأنها أشيائي‘
تعلمت نوي على يد جدّها، ولهذا كانت أكثر جرأة من بقية تلاميذه، لكن لم يسبق لها أن رأت تلميذًا بهذه الدرجة من التحفّظ.
العلاقة بين المعلّم والتلميذ ليست مجرد تعليمٍ وتعلّم، بل هي عيشٌ مشترك، وتقاسمٌ للمرّ والحلو—كأنها عائلة ثانية.
كانت تتمنى أن يكبر كارديـا سريعًا ليصبح مشاغبًا يعبث بمعلمه النائم محاولًا تقليص وقت الدراسة ولو ثانية واحدة.
‘كنت أنوي الاعتناء به كثيرًا… لكنه لم يسمح لي بمساعدته في الاستحمام بعد اليوم الأول…’
وبعد الاطمئنان على جراحه، احترمت نوي رغبته، ومنذ ذلك اليوم لم يستحمّا معًا.
لكن بما أن السرير واحد، استمرّا في النوم معًا.
كانت تجرّه إلى السرير حين يصرّ على النوم على الأرض، وتحتضنه حتى يغفو.
أشعلت نوي النار بسحرٍ بسيط، وغرست حبة بطاطا في سيخٍ حديدي طويل، ثم ألقتها فوق الحطب كعادتها.
تطاير الرماد، وكان كارديـا يراقب المشهد بملامح متحفظة.
“ما بك؟ … آه! أتريد المزيد؟!”
وحين همّت بإضافة بطاطا أخرى، أسرع كارديـا ينفي بيديه، فاهتزّت ثياب نوي التي كان يرتديها.
“لا بأس! هذا كافٍ!”
“حقًا؟ إن استطعت أن تأكل أكثر، فأخبرني. عشرة أو عشرين، لا يهم. قد لا يبدو ذلك، لكن المال لا يقلقني. سأطعمك حتى تشبع.”
أومأ كارديـا مطيعًا وهو يقول “نعم.”
ابتسمت نوي راضية عن تلميذها الصالح.
***
‘معلمتي… شخصٌ غريب‘
دائمًا تأكل، ولا تعرف من الطبخ إلا الشواء، ومع ذلك تشويه غير متقن، وتحب إلقاء التعويذات، وتصرّ على النوم في السرير نفسه.
النوم إلى جانب دفء إنسان، والاستيقاظ دافئًا… كان ذلك شيئًا يختبره كارديـا لأول مرة.
‘شخص غريب.’
الجميع خاف من كارديـا حين صار في داخله ملك الشياطين واحتقروه، أما هي فأصرّت على أنه إنسان.
بل وقالت إنها الأقوى، وإن ملك الشياطين ليس مخيفًا.
‘ثمإن—’
“لا! إنه إنسان! — ومن الآن فصاعدًا… هو تلميذي أيضًا!”
هي الوحيدة التي اقتربت منه واحتضنته وسمّته تلميذًا.
بينما كان يراقب نوي وهي تلتهم كومة البطاطا أمامه، سرح كارديـا في أفكاره.
منذ أن أصبح تلميذها قبل ثلاثة أيام، كان يعيش وسط دفء لم يعرفه من قبل.
منذ صغره، تخلى والداه عنه.
لم يكونا والدين يُحسنان التصرف بما يسمح بوضع طفل بلا مأوى أمام دار لرعاية الأطفال، لذا ظل كارديـا طوال الوقت ينتظر عودة والديه في المكان الذي كان يعيش فيه معهما.
ومع مرور الأيام التي لم يعد يعرف كم مضى منها، لم يَصبر الجيران على مشاهدته، فقاموا أخيرًا بأخذه إلى الكنيسة.
في الكنيسة، حظي بمعاملة لائقة.
كان هناك صلاة في الصباح الباكر، ويُكلّف برعاية الأطفال الأصغر منه في أي وقت من النهار أو الليل، ويعمل في العناية بالحقول، وأحيانًا يُستدعى للعمل في المحلات التجارية المحلية.
لم تكن حياته سهلة، لكنه على الأقل كان يحصل على وجبتين يوميًا.
كانت الراهبات اللواتي يعتنين به جميعهن طيّبات، لكنهن لم يكن يبادلن الطفل أي مشاعر تتجاوز الواجب المهني.
وكان ذلك طبيعيًا، فالحياة كانت صعبة سواء للطفل أو للكبار. وكان مجرد السماح له بالسكن هناك نعمة بحد ذاته.
تخيّل كارديـا أنه سيستمر على هذا النحو حتى بلوغه سن الرشد، إلى أن جاء رسول من القصر الملكي قبل شهر.
“وفقًا لتنبؤات ساحر قراءة النجوم، تبيّن أن هذا الطفل هو ملك الشياطين. وبأمر ملكي، يجب احتجازه. لا تقاوم.”
لم يقاوم أحد.
لم يكن هناك من يسانده، أو يحاول حمايته، أو يمنعه من الذهاب.
لكن لمحاولة واحدة فقط، مدّ يده:
“لا! أيتها الراهبة، أوقفيهم! أريد البقاء هنا!”
مدّ يده بينما كان الجنود المدرعون يدفعونه، لكن سرعان ما ارتدّت بعيدًا بصوت صراخ حادّ.
تلك الصرخة المدوية بقيت عالقة في أذنه.
عبّرت وجوه من حوله عن الخوف الشديد، وسلبت كارديـا القوة—قوة النظر إلى الأمام، أو النهوض، أو حتى مد اليد مرة أخرى.
لم يتذكر جيدًا ما حدث بعد ذلك، لكنه كان يعلم يقينًا أنه لن يجد من يساعده.
لم يكن هناك والد يمنحه حبًا غير مشروط، ولا الجار الذي قاده إلى الكنيسة موجود الآن.
وحتى لو ظهر الجار أمامه، لم يكن ليتمكّن من مساعدته بعد أن أصبح ملك الشياطين.
ربما لهذا السبب، حين سُئل:
“ما اسمك؟“
كان يشعر بأنه أسوأ من نشارة الخشب، بعد أن تخلى عنه الآخرون مرتين.
لم يرغب أن تعرف هذه الفتاة المتألقة اسمه القديم، فتلعثم ولم يستطع الإجابة.
لكن نوي رغم بطئها عادةً، شعرت في تلك اللحظة بألمه بدقة، ومنحته اسمًا جديدًا:
— كارديـا
ارتجف قلبه حين سمع حروف اسمه الجديد بصوتها.
كانت هذه الفرحة، وهذه البهجة، وهذه القيمة شيئًا جديدًا بالنسبة له، حتى أنه ابتسم بلا وعي.
‘شخص غريب… حقًا، ساحرة رقم واحد في البلاد.’
لقد جعلت نوي كارديـا سعيدًا بهذه البساطة.
مثل هذا السحر، من المؤكد أن لا أحد يستطيع استخدامه سوى أقوى ساحرة في المملكة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 4"