كانت أوراقها حادّة الشكل، لكنها تعزف مع الريح نغمةً هادئة.
الهواء الساكن يلامس الجلد ببرودةٍ خفيفة.
أوراق الخيزران الغضّة تخفّف حدّة الضوء القوي، وتنثر ظلالًا متشابكة على الأرض.
امتدّ في هذه الغابة غير الواقعية التي تشبه ملاذًا سريًا من بلادٍ غريبة طريقٌ مرصوف بالحجارة ليقود الزائرين في عمقها.
“ه–هل… حقًا أورنيس موجود في مكان كهذا؟“
“نعم بالطبع.”
كانت نُوي محمولة بذراعٍ واحدة من كارديا، وقد التصقت برأسه بإحكام.
كان الاثنان قد قطعا المسافة من الجزيرة العائمة التي يعيشان فيها متنقّلين بين السفن والعربات في رحلة استغرقت عشر ساعات حتى وصلا إلى هنا.
— كارديا، الساحر الذي عاش مئة عام، ونُوي معلمته السابقة وخطيبته الحالية (مؤقتًا)، قد نزلا إلى الأرض لاستقبال أورنيس تلميذ كارديا.
حين تدهورت صحة كارديا بسبب انفلات قواه السحرية، عبر أورنيس من الجزيرة العائمة إلى الأرض طلبًا للمساعدة.
غير أن كارديا تعافى تمامًا قبل عودة أورنيس، فاستعمل الأداة السحرية التي اخترعها بنفسه، بوابة الماء الوهمي وأمر أورنيس بالبقاء في مكانه.
عالم السحرة عالمٌ هرميّ صارم.
ولذلك ظلّ أورنيس الذي أُمر بالبقاء ينتظر بهدوء عند أطراف هذه الغابة.
“يا لها من غابة مذهلة… كأنها مُعتنى بها بعناية فائقة…”
“لأنها كذلك بالفعل.”
“م–ماذا؟ الغابة نفسها؟!”
“بل الجبل بأكمله.”
حدّقت نُوي في كارديا بفمٍ مفتوح وقد أصابها الذهول حتى نسيت أن ترمش.
وُلدت نُوي ونشأت في العاصمة الملكية وتنتمي إلى أسرة عريقة من السحرة.
صحيح أنها تمتّعت بنسبٍ محترم، وتربّت في قصرٍ لائق—لكن هذا المكان كان خارج حدود المألوف تمامًا.
“… أ–ألا يكون أورنيس منكمشًا أو خائفًا في مكان كهذا…؟“
“لا، بل أظنّه بخير.”
قال كارديا ذلك وكأنه أمرٌ عادي، فخرج من نُوي ردٌّ باهت: “هاه؟“
“أورنيس على الأغلب يستمتع بالاسترخاء بعد طول عناء، وبالمناسبة… لديّ أنا أيضًا شأنٌ آخر أودّ إنجازه في هذه الأثناء—آه، ها هو يظهر. انظري.”
وأشار كارديا بذراعه الأخرى، بينما راحت عباءته العلوية تتمايل مع الريح العابرة للغابة.
وحين نظرت نُوي في الاتجاه الذي أشار إليه، حبست أنفاسها.
في عمق الغابة، ارتفع قصرٌ مهيب أشبه بالقصور الملكية.
تصدّر واجهته قوسٌ عظيم تزيّنه زخارف دقيقة موزّعة بتناغم.
امتزج جمال الطبيعة مع التصميم المتقن ليخلقا مشهدًا مقدّسًا آسرًا.
وبينما كانت نُوي مأخوذة بروعة المنظر، وجدت نفسها تفاجَأ أكثر.
فقد كان أكثر من عشرين شخصًا مصطفّين ينحنون احترامًا لاستقبال كارديا ونُوي.
ومن بين الصفّين، تقدّمت امرأةٌ عجوز تضرب الأرض بعصاها بخطى هادئة.
كانت تفيض وقارًا وهيبة.
شعرها الأبيض الذي يشهد على سنينٍ طويلة مرفوعٌ بزينةٍ جميلة وشفاهها مطليّة بحمرةٍ حمراء.
ثوبها أنيق وزاهر، يبعث على الإحساس بالنبل والرقي.
حتى وهي تستند إلى عصاها، كانت خطواتها تنضح بالرشاقة.
وحين بلغت أمام كارديا، انحنت ببطء.
“مرحبًا بعودتك… يا معلمي.”
أُعجبت نُوي بالمرأة ذات الوجه المليء بالتجاعيد وهي تبتسم.
كان صوتها دافئًا، ونظرتها مليئة بالعطف، نظرةٌ تبعث في من حولها احترامًا عميقًا.
أنزل كارديا نُوي إلى الأرض، ثم جثا هو الآخر حتى مستوى المرأة العجوز وأمسك بيدها المنحنية.
“كوكوفايا. شكرًا على الاستقبال. ألا تبدين أجمل من ذي قبل؟“
ضحكت كوكوفايا برفق، وتلقّت قبلةً من كارديا على أطراف أصابعها المتجعّدة.
كان القصر من الداخل أروع حتى مما بدا عليه من الخارج.
أبراجٌ متصلة بممرّاتٍ معلّقة تتخلّلها حدائق داخلية تشبه الغابة التي مرّا بها آنفًا.
كان طراز البناء غير مألوف لنُوي وهيبته الطاغية جعلتها تنكمش رهبة.
شعرت أن وجودها سواء كانت واقفة أم جالسة قد يفسد المكان، فتوارَت عند زاوية أحد الممرّات محاولةً تقليل حضورها قدر الإمكان.
“هاه؟ أنتِ أيضًا هنا؟“
“هاكِ.”
قالها أورنيس وهو يسير في الرواق، ثم رمى ثمرةَ برقوق.
تلقّتها نُوي وبمجرد أن حصلت على طعامٍ ورأت وجهًا تعرفه تنفّست الصعداء من أعماق قلبها.
“أ–أورنيس…”
“هلّا كففتِ عن إخراج هذا الصوت المقرف؟ ولماذا تقفين في هذا المكان أصلًا؟ لو كان الأمر بيد المعلم، لكان أدخلكِ إلى الداخل، أليس كذلك؟“
كان كارديا في تلك اللحظة مدعوًّا من قبل العجوز التي رأوها سابقًا—كوكوفايا.
فالتحية لسيّد الدار واجبٌ على الضيوف.
غير أن الأجواء الخاصة التي نشأت بين كارديا وكوكوفايا قبل قليل، ذلك الرابط الخفيّ بينهما جعلت نُوي تتردّد وتتراجع.
“حتى أنا… لديّ من الذوق ما يجعلني أعرف متى أتحفّظ.”
يبدو أنهما لا يلتقيان كثيرًا، ولا بدّ أن لديهما الكثير ليتحدّثا عنه.
تمتمت نُوي ذلك وهي تخفي فمها خلف البرقوق، ففتح أورنيس عينيه بتصنّع.
“أوه! هذه أول مرة أعرف ذلك.”
جلست نُوي إلى جوار أورنيس المتكئ على درابزين الممر، ودفعته بكتفها دفعة خفيفة ثم التصقت به مسندة كتفها إلى كتفه.
لم تشعر نُوي بالوحدة كثيرًا في حياتها.
في أيام التدريب، كان جدّها—معلمها—وأخ التعلّم الأكبر فينغارو دائمًا إلى جانبها.
صحيح أن بقية الإخوة في التعلّم كانوا يحسدونها، لكن ذلك أضفى على أيامها حماسة ومتعة.
وحين بدأت العمل في القصر الملكي، كانت نُوي تُشاد بعبقريتها وغالبًا ما وُضعت في مركز الاهتمام محاطة بالسحرة من كل جانب.
أما عزلتها في أعماق الجبال فكانت خيارًا بإرادتها، ولم تكن وحيدة بقدر ما كانت استمتاعًا بالانفراد.
— وباختصار، كانت هذه أول مرة تشعر فيها بقلق الضياع والوحدة، رغم وجود هذا العدد الكبير من الناس من حولها.
نظر أورنيس إلى نُوي وهي تقضم البرقوق بحزنٍ ظاهر، ففتح فمه كأنه سيقول شيئًا ثم أغلقه.
لكنه لم يُبعد جسده عنها.
“حسنًا… هذا بيت الحبيبة السابقة في النهاية. ومن الطبيعي أن تشعري بالحرج وأنتِ الخطيبة الحالية.”
“س–سابقة… ماذا؟“
كانت كلمة تسمعها للمرة الأولى، لكنها فهمت معناها على الفور.
حدّقت نُوي فيه بدهشة، فابتسم أورنيس.
“آه، أخطأت. أقصد: التلميذة السابقة.”
“أ–أليس في هذا النوع من الأخطاء مبالغة شديدة…؟“
تفاجأت نُوي من سهوه، لكنها ما لبثت أن مالت برأسها متسائلة.
“تلميذة؟“
“نعم. سيدة هذا القصر، كوكوفايا، هي أول تلميذة أخذها المعلم—أي تلميذته الأولى.”
اتسعت عينا نُوي، ونظرت نحو الغرفة التي يوجد فيها كارديا وكوكوفايا.
كانا في موضعٍ يمكن رؤيته من بعيد، لكن الباب مغلق، والمسافة بينهما كافية لأن تظلّ محادثتهما غامضة.
ومع ذلك، كانت متيقّنة أنهما يخوضان حديثًا خاصًا.
بالنسبة إلى نُوي، كان كارديا هو تلميذها الأول.
وقد أحبّته واعتزّت به بقدر اعتزازها بمعلمها نفسه.
ولا بدّ أن هذين الاثنين يجلسان الآن في تلك الغرفة بالمشاعر ذاتها.
“هذا المكان هو بيت كوكوفايا وتلاميذها… ثم عائلاتهم. وبما أن هؤلاء التلاميذ كبروا في السن، فقد أخذوا هم أيضًا تلاميذ، وجاؤوا بعائلاتهم، وهكذا يتّسع البيت ليصبح هذا الجمع الكبير.”
“آه… إذًا هذا هو تسومُغي نو ساتو.”
تسومُغي نو ساتو هو مسكنٌ تقيم فيه مدرسةٌ كبرى من السحرة، يعيش فيه المعلم وتلاميذه أثناء التدريب.
ومع توسّع المدرسة يزداد عدد التلاميذ، وحين يُنشئ التلاميذ عائلاتهم، تزداد الحاجة إلى المساحة.
والقدرة على توفير مثل هذه المرافق تُعدّ من الأمور التي ينظر فيها التلميذ عند اختيار معلمه.
وكان جدّ نُوي يمتلك تسومُغي نو ساتو خاصته أيضًا—وإن لم يكن بهذا الاتساع والفخامة.
“أنتِ فعلًا… من أين لكِ بمعرفة مصطلحات كهذه؟“
“ق–قرأتها في كتاب! استعرتُه من كارديا مؤخرًا، أليس كذلك؟“
“آه، فهمت.”
“لم أتخيّل أن القصر بهذه الضخامة، لذلك لم أنتبه.”
“ضخم جدًا بالفعل. والسيدة كوكوفايا—رغم مظهرها—تنحدر من العائلة المالكة. سمعتُ أن الملك آنذاك أهدى لها هذا الجبل بأكمله حين استقلّت بنفسها.”
اتّسعت عينا نُوي بدهشةً من ثقل كلمة هدية وداع. ولهذا قال كارديا قبل قليل ‘الجبل بأكمله‘.
‘إذًا… كانت من العائلة المالكة.’
كان الوقار الذي لم تفقده رغم شيخوختها وقارًا فطريًا، لا يُكتسب.
حدّقت نُوي طويلاً نحو الغرفة التي توجد فيها.
“—في العادة، تكاد لا ترى شيئًا بعينيها، وتقضي معظم يومها طريحة الفراش. فضلًا عن أن تمشي وحدها، فهذا مستحيل.”
قال أورنيس ذلك بصوتٍ منخفض وهو يحدّق في الغرفة نفسها.
رفعت نُوي نظرها إليه بدهشة.
فالمرأة التي رأتها قبل قليل، رغم ما بدا عليها من وهن الجسد، كانت شامخة الحضور.
“لا يبدو ذلك، أليس كذلك؟ فقط في اليوم الذي يأتي فيه المعلم تصبح هكذا. تستيقظ منذ الصباح وحدها، وتتزيّن حتى بالحمرة، وتنتظر. …قد لا تفهمين هذا لأنكِ بلا سحر، لكن المعلم هو شخص بهذه الأهمية.”
شدّت نُوي ثمرة البرقوق بقوة.
‘أفهم. أفهم ذلك جيدًا.’
حتى نُوي التي لا تملك سحرًا تعرف معنى أن يقدّر المرء معلمه.
لكن لسببٍ ما—شعرت أيضًا أنها تشارك كوكوفايا إحساسًا آخر غير ذلك، إحساسًا جعل قلبها مضطربًا.
وقد انطبعت آثار أصابعها بوضوح على ثمرة البرقوق التي كانت تقبض عليها بقوة.
التعليقات لهذا الفصل " 33"