حين أدركت نُوي مقدار ما كان يُتمنّى هذا اللقاء، انغرس الندم كشوكةٍ في صدرها.
وبينما تحاول أن لا تُظهر الألم على ملامحها، ابتسمت بصعوبة وأجابت كارديا:
“… سامحني لأنني تركتك وحدك طوال هذا الوقت.”
أكان وحيدًا إلى حدٍّ جعله يتمنّى لقاءها حتى في الأحلام؟
فكّر كارديا قليلًا ثم هزّ رأسه نفيًا بخفّة.
“… لمأكنوحدي.”
ورغم ما كان يعتصره من ألم، ورغم الصوت الأجشّ الذي يخرج من صدره مع كل نَفَس، أصرّ كارديا على الحديث مع نُوي.
“… خلال هذه المئة عام، اقتديتُ بكِ واتّخذتُ لي تلميذًا.”
كانت كلماته تتساقط ببطء من شفاهٍ جافّة:
“مررتُ بالكثير من الأمور… بل ونُفيتُ إلى هذه الأطراف النائية، لكن—كما قلتِ لي آنذاك… انتظرتُ اليوم الذي سيحبّني فيه العالم، مع ذلك العجوز اللعين فينغارو.”
كان صوته المتكسّر ضعيفًا إلى حدٍّ أنّ أي غفلة قد تُفوّت كلماته.
تلقت نُوي ذلك الصوت في صدرها، بينما كانت دموعها تحجب عنها الرؤية.
لو لم تطبق فمها بكل ما أوتيت من قوة، لانفلت منها نشيجٌ أحمق.
‘لقد كبر كارديا… وأصبح شخصًا عظيمًا.’
كانت تظنّ أنها تعرف ذلك، لكن معرفتها لم تتجاوز المظهر، والألقاب، وبراعة السحر.
غير أن الأمر لم يكن هذا… لم يكن هذا أبدًا.
لقد خاض كارديا حقًا تجارب شتّى، وذاق إخفاقات كثيرة، والتقى بأناسٍ لا يُحصَون—ونضج.
نضج، وهو يسير على الطريق الذي دلّته عليه نُوي.
“… يامعلمتي.”
عجزت نُوي عن الكلام، فناداها كارديا بصوتٍ خافت.
“أنا خائف.”
“—لا بأس، لا بأس! أنا هنا، إلى جانبك!”
أجابت بصوتٍ مرتجف لم تستطع كبته.
كانت دموعها تتدفّق بلا توقف.
لم تكن تعرف ما يحمله كارديا من ظروفٍ أو مخاوف، لكنها كانت ترى أنّه إن بكى تلميذها كارديا خوفًا، فواجب المعلّمة أن تزيل ذلك الخوف.
“… لكنكِ سترحلين.”
“لن أرحل!”
شدّت نُوي يد كارديا بكلتا يديها.
وكان كارديا الذي يظنّها مجرّد حلم، لا يبدو أنه يأخذ كلماتها على محمل الجد.
“—يا معلمتي… هل أنتِ سعيدة في العالم الآخر؟ وهل تزوّجتِ ذلك العجوز اللعين؟“
تفاجأت نُوي ثم ضحكت.
أدهشها أن يسألها مثل هذا السؤال السخيف بذاك الفم الذي قال قبل لحظة إنه خائف.
ويبدو أن العجوز اللعين يقصد به فينغارو.
“لم أفعل.”
“هذا مطمئن.”
حتى فينغارو نفسه كاد يضحك متسائلًا عمّا الذي فعله ليستحق ذلك.
وحين سمع كارديا ضحكة نُوي، تنفّس الصعداء.
“يا معلمتي…”
كان صوته رقيقًا إلى حدٍّ لو لم يكن ضوء القمر حاضرًا، لذابت كلماته في الهواء.
“بدأت أفهم شيئًا فشيئًا ما كنتِ تقولينه لي في تلك الأيام… من فضلكِ، كوني سعيدة. أنا أعيش حياةً ممتعة.”
وضعت نُوي يدها على فمها، وبدأ جسدها يهتزّ وهي تبكي.
‘—مئة عام… مئة عام.’
لم يبقَ من يعرف نُوي سواه، وصار من يذكرها يحكي عنها كما لو كانت أسطورة.
هذا هو طول الزمن… زمنٌ يمتدّ كالأبد.
“لنصنع لحظاتٍ ممتعة يا كارديا.”
تلك الجملة التي قالتها يومًا لطفلٍ صغير كان يرتجف في أحد الشوارع—
‘أكنتَ تحاول حمايتها طوال هذا الوقت؟‘
يُقال إن الإنسان يموت حين لا يعود هناك من يتذكّره.
‘ذلك الضريح الذي رأيته فجرًا—لا شكّ أنه كان ضريحي.’
حتى وإن لم يُعثر على جثمانها طوال مئة عام، وحتى بعد أن اختفى كل من عرفها—فلا بدّ أن كارديا ظلّ يأتي هكذا مرارًا وتكرارً، حتى لا تذبل الزهور بين زياراته.
‘آه… لقد عشتُ مئة عام…’
لم تكن قد ماتت قط.
لقد كانت حيّة.
حيّة في داخله، وفي الروابط التي نسجها—دائمًا.
لم تستطع أن تقول شيئًا.
كانت الدموع تنهمر، وكانت تكافح لتكتم نشيجها.
لذا مسحت نُوي دموعها وابتسمت بكل ما تبقّى لها من قوة.
وحين رأى كارديا ابتسامتها، تنفّس براحة.
تحرّك جسد نُوي بعفوية.
لامست شفاهها جبين كارديا.
أغمض عينيه ببطء، وقد تلألأت أطرافهما بحرارةٍ حنونة، وعيناه الحمراوان تتشبّثان بها بمحبة ثم غفا من جديد.
ومن النافذة الكبيرة، تسلّل ضوء القمر.
وبينما كانت نُوي تحدّق في النجوم البعيدة، فكّرت في الطريق الذي سار عليه خلال مئة عام وفي جهده وعزيمته فامتلأ صدرها تأثرًا وإجلالًا.
* * *
عندما استيقظ كارديا، كان الجو في الغرفة حارًّا خانقًا كأنها حمّام بخار.
وحين نهض وهو مبلّل بالعرق انزلقت قطعة قماشٍ مبلّلة من فوق جبينه.
التفت إلى جانبه فرأى نُوي جالسة على الأرض وقد أسندت جسدها العلوي إلى السرير وهي نائمة وبقربها دلو ماء.
تمايلت الستائر، وتسلّل صوت زقزقة الطيور من النافذة المفتوحة على مصراعيها.
لوّح كارديا بذراعه فأغلق النافذة، ثم فعّل الأداة السحرية التي تضبط هواء الغرفة.
انتبه فجأة وتفحّص ملابسه، فلم يجد فيها ما تغيّر سوى أن الحزام كان مرتخيًا قليلًا.
‘…لا أثر لخلعها.’
طمأن نفسه، ثم نظر إلى نُوي.
لا بدّ أنها كانت تسهر على تمريضه طوال الوقت.
كانت نائمة من شدّة الإرهاق، تتنفّس وفمها الصغير مفتوح قليلًا.
كان يحتفظ بذكرى باهتة عمّا حدث حين سقط.
كما أن الاستيقاظ على ضوء الصباح الساطع كان أمرًا لم يختبره منذ زمنٍ طويل، حتى كاد ينسى هذا الإحساس.
تفاجأ بأن الستائر مفتوحة، ثم فُجع أكثر حين لم يجد نُوي إلى جانبه—فداهمه الاضطراب متسائلًا إن كان كلّ ما رآه لم يكن سوى حلمٍ طويلٍ ودافئ.
وفي لحظة اضطرابه تلك، حاول ذلك الشيء
・・
أن يستيقظ.
ربّت كارديا على بطنه.
تحت الملابس كان هناك ملمسٌ صلب لا يمكن أن يكون جلد إنسان.
غياب نُوي وتجاوب ذلك الاندفاع معه دفع ذلك الشيء إلى رفع طاقته السحرية من الداخل، خلافًا لإرادة كارديا، فانفجرت الطاقة.
الطاقة التي تسرّبت دون انتظام تحوّلت إلى شرارات، أمّا التي احتُجزت داخل جسده فقد التوت وتشابكت.
يبدو أنها هدأت أثناء نومه، إذ عاد قادرًا على استخدام السحر كالمعتاد—لكن لم يخطر بباله قطّ أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
‘لا… لقد جئتُ إلى السماء تحسّبًا لأي طارئ، أليس كذلك.’
مثقلًا بخوفٍ لا يستطيع حتى أن يثق فيه بنفسه، عبر كارديا إلى السماء.
لم يكن يهمّه المكان ما دام خاليًا من البشر.
ومع ذلك، اختار السماء بدل قاع البحر—ربما لأنه أراد ولو قليلًا أن يكون أقرب إلى معلمته التي صعدت إلى الأعالي.
حين نظر إلى وجه نُوي، رأى آثار دموعٍ باقية على وجنتيها الناعمتين الممتلئتين.
‘…هل كانت تبكي؟‘
إدراكه أنه أقلقها جعله يحمل جسد نُوي ويُضجعها إلى جواره.
ثم مسح خدّها برفق بإبهامه.
كان جلدها ناعمًا كالعجين قبل الخَبز، يتشكّل تحت ضغط أصابعه القاسية.
فعضّ كارديا على شفتيه.
‘…مرّ مئة عام منذ آخر مرة رغبتُ فيها أن أمسح دموع شخصٍ ما.’
لم يشعر بالراحة، بل بالألم.
لم يكن كارديا معتادًا على أن تهتزّ مشاعره بهذا العمق.
بل كان يظنّ أنه فصل تلك الأحاسيس عن نفسه منذ زمن.
‘ظننتُ أنني لن أحتاج إلى هذا أبدًا… مرةً أخرى.’
كل من كان عزيزًا عليه رحل وتركه خلفه.
والداه، معلمته، ذلك العجوز اللعين، والعديد من التلاميذ الذين ربّاهم—كلّهم سبقوه إلى الموت.
‘لكن حين أكون معكِ… يتسلّل إليّ أملٌ بأني ربما ما زلتُ قادرًا على أن أعيش كساحر.’
نُوي غاليني، التي أصرت على تسميته ساحرًا، لم تعد موجودة.
ومع ذلك، حين يكون كارديا مع هذه النُوي الصغيرة، يشعر أنه يستطيع أن يبقى ذلك الساحر الذي كان يتمناه لنفسه.
‘…لكن.’
مسح كارديا خدّ نُوي، غير مدركٍ لمدى اللطف الذي يملأ نظرته إليها.
‘ومع هذا، أنا—’
كان شعرها الأبيض يلمع تحت ضوء الشمس، وتحت الجفون التي ستنفتح قريبًا يتراءى لون النعناع.
نفض كل مشاعره جانبًا، ونظر إلى نُوي بعينين باردتين.
التعليقات لهذا الفصل " 32"