أورنس الذي انتابه القلق، قال إنه سينزل إلى الأرض ليجلب طبيبًا.
“إن حدث أي شيء، فاذهبي إلى باب الوهم المائي—… آه، صحيح، أنتِ لا تستطيعين حتى تفعيلها.”
عند سماع صوت أورنيس المبلل بالخيبة، قبضت نوي يدها بقوة.
فنوي وحدها لا تستطيع استخدام باب الوهم المائي، ولا أي أداة سحرية أخرى موجودة في هذا المنزل.
“على أي حال، ابقي هنا وراقبيه… هذا يحدث لأول مرة.”
قالها أورنيس وقد نسي حتى أسلوب الاحترام، ثم ارتدى عباءة الإخفاء.
“ا–انتظر!”
نادته نوي، إذ لم تستطع البقاء ساكنة.
“أليست حالة كارديا هذه بسبب ما حدث قبل قليل؟ بسبب انفلات القوة السحرية؟“
“…..”
نظر أورنيس إلى نوي من علٍ بصمت.
“ألم ترِ الشرارات الغريبة التي تطايرت قبل قليل؟ شيئًا كهذا لم أره من قبل—لا، لم أقرأ عنه حتى في الكتب. لكنه كان سحرًا بلا شك!”
حدّق أورنيس طويلًا في نوي التي كانت تتشبث به، من بين شقوق عباءته.
“لو كانت الشرارات تتطاير بتلك الشدة كلما غضب شخص يملك سحرًا، لكانت المدن كلها تشتعل بالحرائق. إذن لا بد أن هناك سببًا آخر جعله يصل إلى تلك الحالة، أليس كذلك؟“
“…….”
“وأغلب الظن أن هذا ليس أمرًا يستطيع طبيب عادي التعامل معه. قد لا تقتنع بكلامي، فأنا بلا سحر… لكن…”
فالطبيب يمكنه الاعتناء بالحالة الصحية، أما السحر فهو خارج نطاق اختصاصه.
ولأن البشر يملكون قوة سحرية، فلا يمكن علاجهم بالسحر نفسه.
في طفولتها، عانت نوي هي الأخرى من القوة السحرية الهائلة التي كانت بداخلها.
لكن ذلك كان مجرد عجز عن التحكم، ولم يحدث قط أن فاضت تلك القوة من تلقاء نفسها دون نية لاستخدام السحر.
بل ولم يحدث أن اشتعلت القوة المنبعثة كشرارات…
دون أن تشعر، كانت نوي قد أمسكت بعباءة أورنيس.
تنهد أورنيس.
“فهمت.”
نوي التي كانت تتوقع أن يُسفَّه كلامها، رفعت رأسها على نحو مفاجئ.
“حتى أنا رأيت ذلك لأول مرة. معلمب جسده مختلف قليلًا… كنت أنوي أصلًا الذهاب للتشاور مع جهة مناسبة. قلتُ “طبيبًا” فقط تبسيطًا، حتى تفهمي الأمر، رغم أنك لا تعرفين السحر.”
قال أورنيس ذلك وهو يقطّب وجهه الجميل، ثم عبث بشعره بخشونة.
“سأجلب شخصًا يمكن الوثوق به—لذا لا داعي لأن تبكي هكذا.”
عندها فقط أدركت نوي أنها كانت تبكي.
مسحت الدموع التي انسابت على خديها بظاهر يدها.
و”الجسد المختلف” لا بد أنه يشير إلى كونه عاش أكثر من مئة عام.
حين فهمت أن أورنيس سيستشير ساحرًا مطلعًا على مثل هذه الأمور، تنفست الصعداء.
“شكرًا لك يا أورنيس. حقًا… أنا سعيدة بوجودك.”
إلى جانب كارديا، هناك من يفكر بمعلمه أولًا ويقلق عليه مثل أورنيس.
هذا الإحساس بالقوة والدعم جعل نوي تغالب مشاعرها.
“…… ليس إلى هذا الحد من العظمة.”
لكن أورنيس بصق كلماته بسخرية.
كان تعبير وجهه مشوهًا على نحو مخيف، حتى إن نوي حبست أنفاسها.
انتبه أورنيس إلى رد فعلها، فاستعاد توازنه وتحدث بسرعة كمن يحاول التدارك.
“حسنًا، سأذهب الآن.”
“…انتبه لنفسك.”
قيادة القارب والنزول به كانا في المرة السابقة من فعل كارديا. وحتى وإن كان أورنس تلميذه، فلن يكون الأمر سهلًا عليه.
ومع ذلك، رفع أورنس زاوية فمه وقال: “هذا بديهي“، ثم نزل وحده إلى الأرض.
بعد نزول أورنس إلى الأرض، وبعد مرور نصف يوم—أي بعد منتصف الليل بقليل—استيقظ كارديا.
“أوه…”
لكن النهوض كان صعبًا عليه، فظل يتأوه متألّمًا داخل السرير.
في الغرفة المعتمة التي لا يضيئها سوى ضوء القمر، كانت نوي ملاصقة لجواره.
كانت تغفو غفوات خفيفة، لكنها انتبهت فورًا، فقفزت من على الكرسي وركعت عند السرير.
اصطدم الدلو المملوء بالماء بقدمها، فتموّج سطحه.
“كارديا، هل تسمعني؟ كارديا.”
نادته، لكن لم يأتِ أي رد. إلا أن تنفّسه كان، على عكس نومه الهادئ السابق، ضحلًا بوضوح، وكان يتأوّه بصعوبة.
ربما كان يتقلب من شدة التعب.
في الآونة الأخيرة أصبح الجو أبرد بكثير، لكن بعض الأيام ما تزال حارة. وحتى هذه الليلة، كانت حرارة الغرفة ترتفع شيئًا فشيئًا.
فتحت النافذة رغبةً في تبريده، غير أن الأداة السحرية المسؤولة عن ضبط الجو كانت ما تزال معطّلة.
‘ماذا أفعل؟ ماذا يجب أن أفعل…؟‘
كم مرة تمنّت لو كان لديها قوة سحرية في مثل هذا الموقف.
لو امتلكت السحر، لربما استطاعت تشغيل الأدوات السحرية لتبريد الغرفة، أو إرسال نداء إلى أورنيس، أو حتى البحث عن سبب ما يحدث.
‘إن لم أستطع استخدام السحر… فأنا عديمة الحيلة إلى هذا الحد…’
قبضت على قبضتها بعجزٍ موجِع.
لا شيء يمكنها فعله، حتى كادت تبكي.
“أوه… آه…”
هل كان الألم أم المعاناة؟
ظل كارديا يتأوّه ويتحرّك بلا قرار.
وبيدين نحيلتين مرتجفتين، راحت نوي تفرك ظهره بيأس.
“…يا ترى، ما الذي تحمله فوق كاهلك؟“
طريقة هلعه غير الطبيعية جعلتها تشعر بأن وراءها سببًا جسيمًا.
وقد أدركت منذ زمن أنه ليس مجرد المظهر المريب الذي يُظهره للعيان.
“لو كانت هذه اليد—”
أكبر قليلًا فقط.
‘حتى لو كنت قد فقدت قوتي السحرية—لو كنتُ راشدةً قادرةً على احتوائك بسهولة…’
أما الآن، فلا تملك نوي شيئًا على الإطلاق.
‘من أجل ماذا جئتُ إلى هذا المكان أصلًا…؟‘
كتمت الدموع التي كادت تنهمر، ثم أطلقت زفيرًا طويلًا وفتحت فمها ببطء.
“لفّي الخيط، لفّي الخيط~ يدور ويدور~”
كانت تدندن أغنيةً اعتادت أن تغنيها مع كارديا في طفولته. ومعها بدأ تصلّب جسده يخف تدريجيًا.
وبعد أن غنّت ثلاث مرات، توقفت أنينه.
تنفّست نوي الصعداء، ثم نظرت إليه ولاحظت ملابسه التي تلتصق بجسده كعادتها.
“صحيح… الحزام—“
مدّت يدها لتُرخيه، لكن يدًا كبيرة أمسكت بها فجأة بإحكام.
ارتعبت نوي ورفعت نظرها بسرعة نحو وجه كارديا.
كان قد فتح عينيه نصف فتحة، وينظر إليها.
ولعل الظلام حال دون رؤيته بوضوح، فكانت عيناه شاردتين ضبابيتين.
“كار—!”
“…معلمتي؟”
تجمّدت نوي حين سمعت صوته الخافت يتسرّب منه.
كانت يد كارديا حارّة كأنها سُلِقت، وعيناه القرمزيتان تتراقصان بالحمّى.
وبصوته الواهن، كطفلٍ ضائع، من ذا الذي يستطيع أن يقول له: أنت مخطئ؟
“…نعم، أنا هي. أعظم ساحرة في المملكة، نوي غاليني. هل تعرفني؟ كارديا.”
وهي التي لا تستطيع حتى نسج قوة سحرية، ولا تشغيل أداة سحرية واحدة—يا لها من مزحة أن تدّعي أنها الأعظم في البلاد.
لكن نوي تشدّدت في كلامها لتبعث الطمأنينة في قلبه.
عندها تشوّه وجه كارديا بعينين فارغتين لا يُدرى إن كان يراها حقًا، وانقبضت ملامحه فجأة.
“…أخيرًا. أخيرًا جئتِ إليّ… في الحلم.”
كان ذلك الوجه كافيًا ليُدرك المرء، في لحظة واحدة، مدى اشتياقه العميق لنوي.
التعليقات لهذا الفصل " 31"