حدّقت بعينين نصف مغمضتين في الضوء الساطع خلف النافذة، ثم خرجت من المنزل.
لم يخطر ببال نوي في تلك اللحظة أن هذا الفعل البسيط، مجرد الخروج من البيت، سيقود إلى كل تلك الضجة الهائلة لاحقًا.
في ذلك اليوم، ولسببٍ ما، استيقظت وهي تشعر بصفاءٍ غير معتاد.
ربما لأنّها قضت شهرًا كاملًا تقرأ بتمهّل الكتب العشرة التي جلبتها من قصر الكونت هيُويتوس، حتى استقرت نفسها وهدأت.
وكعادتها، وبمجاراة نوم كارديا المبكر، كانت قد آوت إلى فراشها قبل أن يطلع القمر، فاستيقظت هذا الصباح قبل أن تشرق الشمس.
فتحت الستائر وحدّقت في سماء الفجر الداكنة.
الجزيرة العائمة التي تطفو عاليًا في السماء لم تكن قد لامستها أشعة الصباح بعد.
ولأنها رغبت في مشاهدة الشروق من الخارج، تسللت نوي بهدوء خارج المنزل بعد أن خففت وقع خطواتها في البيت النائم.
دون وجهة محددة، قررت أن تتمشى قليلًا.
فالجزيرة العائمة خالية من الحيوانات الخطرة أو الأشخاص المريبين، لذا حتى فتاة بلا طاقة سحرية تستطيع التجول فيها بأمان.
كان هواء الصباح باردًا إلى حد جعلها ترتجف، فخطر ببالها أنها كانت ستُحسن لو أخذت معها شيئًا تتدفأ به.
سكونٌ عميق يلف المكان، حتى الطيور لم تستيقظ بعد، لكنه أخذ يتلاشى شيئًا فشيئًا.
وعلى الأفق البعيد حيث ترسم السحب خطًّا خافتًا، بدأت بشائر الفجر بالظهور.
نور الصباح الهادئ أخذ يطل من بين الغيوم، ملوّنًا السحب من حوله بلونٍ بنفسجي لطيف.
وفي غمضة عين، تحوّل البنفسجي الخافت إلى ورديٍّ رقيق، وفي الخلفية راحت النجوم تطفئ أنوارها واحدةً تلو الأخرى.
وعلى أوراق النباتات التي تمايلت بجانب نوي، تدلّت قطرات ندى كالجواهر تتلألأ بخفة تحت ضوء الصباح. كأن نجوم السماء التي خلدت إلى النوم قد بدأت تتلألأ الآن على الأرض.
ومع كل نسمة هواء، كانت قطرات الندى ترقص في الريح قبل أن تتساقط برقة.
وحين بدأت ظلال الأزهار تتمايل، كانت الجزيرة العائمة قد غمرها مشهد صباحي بالغ الجمال.
تحت نسيمٍ عليل، شعرت نوي ببداية صباحٍ جديد.
شعرها الذي لم تُسرّحه بعد، تلاعبت به الرياح، وشفاهها راحت تدندن بلحنٍ خافت، فيما خطت قدماها بخفةٍ تكاد تكون رقصة.
لم تنتبه إلا بعد وقتٍ طويل إلى أن المشهد من حولها قد تغيّر؛
فالسماء اختفت لتحل محلها خضرة يانعة.
“…هاه؟ أين أنا؟ ما هذا المكان؟“
استدارت ونظرت حولها، لتجد نفسها وسط منظرٍ لا تعرفه.
لم تكن الجزيرة العائمة واسعة، وبعد قرابة شهرين من الإقامة هنا، كانت نوي قد حفظت معالم المنطقة المحيطة بالمنزل جيدًا.
والمكان الوحيد الذي لم تتعرف عليه بعد كان—
“…آه، يبدو أنني دخلتُ الغابة.”
في الأيام الأولى لوصولها إلى هنا، كان أورنيس قد حذّر نوي قائلًا: “لا تدخلي الغابة.”
ولهذا كانت حريصة، لكنها اليوم—يبدو أنها دخلتها دون انتباه.
“إن كان الأمر عن غير قصد… فلا بأس إذًا.”
ففي عالم السحرة، المجتمع هرميّ.
وأوامر تلميذِ التلميذ لا تعدو كونها طلبًا لا أكثر.
لم تعبأ نوي بذلك، وتابعت التقدم بخطوات واثقة. بل إن جزءًا منها كان يتوق لرؤية الحقيقة؛
فإن كان كارديا يخفي سرًّا ما، فقد رغبت في كشفه.
‘هل يدرس سحرًا محرّمًا؟ أم يربي تنينًا…؟‘
مهما يكن، فلا بد أن هذا المكان سيكشف جانبًا من السر الذي جعل كارديا على ما هو عليه الآن.
وهكذا تابعت نوي السير.
وبعد فترة، شعرت وكأن الهواء قد تغيّر فجأة. أصبح نقيًا إلى حدٍّ أحدث طنينًا خفيفًا في أذنيها، فاستقامت دون وعي.
كانت أشجار الغابة تصطف كأنها أقواس تشكّل ممرًا.
خفضت نوي ذقنها وتابعت السير، ولم يمض وقت طويل حتى لامست السر الذي كانت الغابة تخفيه.
كان المكان مهيبًا، فخمًا على نحوٍ يفوق الوصف.
لم يكن ليُظنّ أنه في قلب غابة. ولو قيل إنه أعمق موضع في أفخم معابد العاصمة الملكية، لصدّقت ذلك دون تردد.
كان واضحًا أن المكان مُهذّب بيد البشر.
امتدّت تحت قدميها طبقة رقيقة من الماء، تعكس ضوء الشمس المتسلل والسماء فوقها.
وعلى الجانبين، كانت أزهار متنوّعة الألوان في أوج تفتحها.
وأشعة الشمس التي اخترقت بين الأشجار أضاءت مركز المكان بدقة.
كل شيء كان جمالًا محسوبًا بعناية.
عبرت نوي الأرض المغمورة بالماء—والتي بدت كأنها ممر.
لم يكن الماء عميقًا، فلم يعيق المشي.
وهكذا وصلت إلى قلب ذلك المكان المقدّس، كأن الآلهة تراقبه من السماء.
“… لا تقل لي… أهو قبر؟“
في الوسط، كان هناك حجر بدا كأنه شاهد قبر.
أمام حجرٍ بحجم جسد نوي حين تنكمش، وُضعت أزهار بعناية.
لو قيل إنه ضريحٌ لشخصٍ ما، لكان هذا الوقار مبررًا تمامًا.
‘إن كان كذلك… فلمن يكون؟‘
شعرت نوي أنها تعرف الإجابة، حتى قبل أن تكتمل الفكرة في رأسها.
— هيوغااان!
دوّى صوت انفجار مزّق السكون، فالتفتت نوي مذعورة.
“… لم أفعل شيئًا! أقسم—!”
“—قلت لك لا تقترب…!”
“اهرب… إن كان هناك أحد—!”
“—إذًا هي التي هربت…؟!”
“معلمي! أولًا علينا أن نهدأ—!”
“—أمأنه… مجرد… عبث…؟!”
اندفع أورنيس راكضًا، ولجأ إلى الضريح.
وخلفه، كان كارديا يتقدّم بخطى بطيئة، يفيض غضبًا.
لم تكن الكلمات مسموعة بوضوح بسبب المسافة، لكن الجدال كان جليًّا.
وبتجاوب مع غضب كارديا، بدأت شرارات تتطاير من حوله.
لم يكن ينسج سحرًا؛ بل كانت مشاعره العنيفة تُربك عقله، فتخرج طاقته السحرية عن السيطرة.
ةكارديا!”
صرخت نوي بأعلى صوتها، وانطلقت نحوه وهي تكاد تتعثر.
حدّق بها كارديا بحدة، ثم اتسعت عيناه دهشة.
وهو يراها تقترب مترنحة وقد انزلقت قدماها في الماء، فتح ذراعيه.
ارتمت نوي فيه، فتلقّاها بكل جسده.
“ما الذي حدث؟ لماذا أنت غاضب إلى هذا الحد؟ هذا خطأ. لا يجوز أن توبّخ تلميذك بهذه القسوة.”
لم يجب كارديا.
ظلّ يحتضن نوي مذهولًا.
“ما الأمر؟ أخبر هذه النوي. ماذا فعل أورنيس؟ هل سرق منك بطاطا؟“
ربّتت يد نوي الصغيرة على ظهره الكبير وهي تهمس: “حسنًا… حسنًا…”
ولسببٍ ما، بدا كارديا مصدومًا—لكن نوي كانت مصدومة هي الأخرى.
فهذه هي المرة الأولى التي ترى فيها كارديا غاضبًا إلى هذا الحد.
“أنتِ—! منذ متى وأنتِ تتجولين هكذا في هذا الوقت؟! ألم أقل لكِ ألا تدخلي هنا أبدًا؟!”
صرخ أورنيس في وجهها، وقد احترقت مقدمة شعره، وعيناه تقدحان شررًا.
“آسفة… استيقظت مبكرًا، وكنت أشاهد شروق الشمس…”
“شروق الشمس؟! أنتِ؟! يا لكِ من كسولة! لقد اختفيتِ فجأة، وأقلقتِنا كثيرًا! ثم جئتِ إلى هذا المكان فوق ذلك!”
انخفض رأس نوي بخجل.
“لم يخرج أحد من هنا سالمًا. هيا، ابدئي الاستعداد للنزول إلى الأرض.”
وبينما كانت نوي مذهولة ومصدومة، ابتسم أورنيس ابتسامة زادت وقع الكلام قسوة.
“مع أن… لا حاجة للاستعداد أصلًا، فأنتِ لم تجلبي معكِ شيئًا، أليس كذلك؟“
كان صوته كأنه يقول: اقفزي من الجزيرة حالًا.
ارتجفت نوي خوفًا.
“… أورنيس، أنا أعتذر.”
قال كارديا وهو لا يزال يحتضن نوي، موجّهًا كلامه إلى أورنيس.
حدّق أورنيس فيه بذهول.
“طالما أنها هنا… فلا بأس.”
“… مـ—ماذا؟!”
اتسعت عينا أورنيس إلى حدٍّ شوّه وسامة وجهه، لكن نوي لم تستطع الالتفات إليه.
فجسد كارديا الذي كان يحملها بدأ يثقل أكثر فأكثر.
“… هذا مطمئن، لقد وجدتكِ.”
تمتم بذلك، ثم انهار فجأة.
لم تستطع ذراعا نوي الصغيرتان حمله، فسقط جسده على الأرض.
التعليقات لهذا الفصل " 30"