فُتح باب المكتبة فإذا بقاعةٍ شاسعة تمتدّ أمامهم، تصطفّ فيها الرفوف المصونة بعناية صفاً بعد صف.
كانت خزائن الكتب تكسو الجدران كلها، وقد ضمّت من حكم الأوّلين والآخرين ما يبعث الابتهاج في قلب كل طالب معرفة.
ولئلا يفسد ضوء الشمس الأوراق، خلت الجدران العالية من النوافذ، وعُوِّض عن ذلك بأدواتٍ سحرية تضبط الحرارة والرطوبة، لتحفظ للمكان مناخاً مثالياً لا يؤذي الكتب.
وما إن عبق عطر الورق العتيق حتى دغدغ أنف نوي، فتلألأت عيناها أمام هذا الكم الهائل من المجلدات.
“— ما أروعه! يا له من مكان مدهش يا كارديا!”
أنزلها كارديا إلى الأرض، فانطلقت تتسلل بين الرفوف، تمرّ بعينيها سريعاً على عناوين الكتب.
“هداية الحكمة، ودلائل قراءة النجوم وأسرار السحر، ومبادئ الدوائر السحرية، وخفايا مسرح النجوم وصلتها بالسحر، وفكّ المعجزات ونبوءات العصور الغابرة…”
بينها كتب تعرفها، وأخرى لم يسبق لها أن سمعت بها.
وبينما كانت تتحرك جانبياً وعيناها معلقتان بظهور الكتب، دوّى صوت غاضب:
«هاي!”
ارتجفت نوي والتفتت مسرعة نحو مصدر الصوت.
“أنتِ مجدداً! حقاً، ما الذي تفعلينه؟ تمشين دون أن تنظري أمامك في مكانٍ كهذا، وكأنه مخزن كنوز وطنية!”
“أورنس!”
كان أورنس هناك واقفاً في قلب المكتبة بين صفوف الكتب المرتّبة بعناية.
“معلمي، لقد انتهيت من إعداد باب وهم الماء.” ( نفسه الي اجى منه رساله كارديا لمه نسي موعده مع نوي )
“أحسنت. لقد أنقذتني.”
كان أورنس قد سبقهم إلى قصر الكونت هيُويتوس بأمرٍ من كارديا، ويبدو أنه كان منشغلاً بتركيب أداةٍ سحرية.
هذه الأداة، المسماة باب وهم الماء، تنقل الأجسام عبر وسيطٍ مائي، وهي تقنية لم تُعلن بعد للعامة؛ ولذا فحتى كبير الخدم غيكو، لم يُمنح الإذن بدخول المكتبة.
كانت الأداة أشبه بإطارٍ قائم، يُشدّ عليه قماش، وفي وسطه طبقة رقيقة من الماء تعمل كبوابة نقل. ومن خلال ذلك الماء، كان الطريق متصلاً بمنزل كارديا في الجزيرة العائمة.
“حسناً… فلنأخذ كتب هذا المكان كلّها معنا.”
تجمّدت نوي في مكانها، والتفتت إليه بصدمة.
فبنظرة واحدة، كان واضحاً أن المكتبة تضم كتباً نادرة، بل حتى قبل مئة عام كانت عصيّة المنال، وأخرى انقرضت طبعاتها. لا بد أنه جمعها عبر سنين طويلة.
‘كل هذه الكنوز… إلى ذلك البيت الضيّق الذي بالكاد يتّسع للنوم؟!’
“متفرغة نعم، لكن حتى لو أذن الملك نفسه فلن أسمح بهذا أبداً!”
حكّ كارديا خده بتردد، ثم حمل نوي بين ذراعيه.
“وما الذي تريدينه إذن يا عروسي؟“
“دعني أحمل معي ما أستطيع حمله بيدي فقط. وعندما أنتهي من القراءة، أعود إلى هنا.”
كانت تفكر في مكان حفظ الكتب، لكنها تذكّرت أيضاً حديثه قبل قليل مع كبير الخدم، فخرجت الكلمات من فمها على عجل.
كان كارديا بلا شك نادراً ما يعود. يؤدي أعماله كنائب للحاكم في أقل عدد ممكن من الأيام، ثم ينجزها دفعة واحدة.
لا تدري بشأن بقية الخدم، لكن غيكو وحده بدا صادق الفرح بقدومه.
هل أدرك كارديا ما يجول في خاطرها؟ لم يظهر ذلك على ابتسامته المعتادة. لكنه وكأنه استسلم، مدّ يده وربّت على رأسها برفق.
“كما تشائين… يا زهرتي الهندباء.”
غادرت نوي قصر هيُويتوس حاملةً كيسًا يضم ستة كتب فقط بعد جهدٍ في الاختيار. ظلّ غيكو يودّعهما بنظره حتى غابا عن الأنظار تمامًا.
كانت نوي تنزل التلّ وابتسامتها لا تفارقها.
فكرة العودة بستة كتب فقط كانت رائعة؛ فبدل أن تحصل على كل شيء دفعةً واحدة، صار في الأمر ترقّب ومتعة أكبر.
لكن هذا الشعور لم يكن مشتركًا.
أورنيس الذي أُرهق بالتحضيرات منذ البداية، بدا عابس الوجه.
بل إن ملامحه الجميلة ازدادت حدّةً وبرودة.
“سامحني يا أورنيس، بعد أن أنتهي من قراءتها سأعيرك إياها، حسنًا؟“
“لا داعي. إن طلبتُ من المعلم، فسيعيرني الكتب على أي حال.”
“لن أفعل.”
“معلمي!!”
ألا يفترض أن يتجاهل الأمر في مثل هذه اللحظات؟
ضحك كارديا بمرح على ردّة فعل أورنيس، ثم قال:
“كنت أمزح.”
“في المرة القادمة، اختر كتبك أنت أيضًا.”
“نعم! شكرًا جزيلًا!”
ارتسمت على وجه أورنيس ابتسامة مشرقة ارتاح لها قلبه.
وعلى عكس كارديا، الذي كان يوزّع ابتساماته بسخاء هذه الأيام، فإن ابتسامة أورنيس نادرة وثمينة للغاية.
لا بد أن فرحته باستعارة الكتب كانت كبيرة، وهو شعور تفهمه نوي تمامًا.
في البداية كانوا يسيرون على الأقدام، لكن في النهاية حملها كارديا بين ذراعيه، ووصلوا إلى البحيرة.
وكما في طريق الذهاب، كانت نوي ترتدي معطف الإخفاء.
‘ومع ذلك… يا له من سحرٍ مذهل فعلًا.’
في الذهاب، كانت مشغولة بمتعة الانزلاق على الماء الحلزوني حتى نسيت كل شيء. لكن الآن، وهي ترفع بصرها نحو الجزيرة العائمة، أدركت عظمة ذلك السحر حقًا.
من الأرض، كانت الجزيرة تبدو كأنها معلّقة حقًا في السماء. لم يكن يُعرف كم ترتفع، فقد كانت تطفو بعيدًا في الأعالي. ومن هناك، كانت المياه تتساقط بلا انقطاع، مما جعل الهواء في هذه المنطقة نقيًا ومنعشًا على نحوٍ مريح.
ثم تلك الدوائر السحرية الشريطية التي رأتْها نوي في السماء… لقد امتدت حتى الأرض. دوائر متعددة، متباعدة، تصطف من السماء إلى اليابسة على شكل أسطوانة هائلة.
داخل تلك الدائرة السحرية العملاقة، كان البناء في غاية الإتقان، قائمًا على أساسيات راسخة، حتى إنه يصلح مثالًا يُدرّس في الكتب التعليمية.
ومع ذلك، بقيت هنا وهناك آثارٌ من أسلوب نوي الخاص في نسج السحر. لا شك أن كارديا ظل طوال مئة عام، يسترجع التعاليم التي لقّنته إياها، ويعيد دراستها مرارًا وتكرارًا.
كانت الدائرة السحرية محبوكة بعددٍ لا يُحصى من التعويذات المتداخلة، لدرجة أنها اشتملت حتى على سحرٍ يمنع اقتراب الكائنات السحرية مثل حشرة البلور المتوهج (فوسفورا).
بل إن طريق العودة ذاته يستغل آلية هذه الدائرة، ليعكس تدفق الماء، محوّلًا إياه من انسيابٍ هابط إلى حركة حلزونية صاعدة.
‘…لقد نضج حقًا.’
لم تعد نوي تسبقه فحسب، بل تجاوزها منذ زمن بعيد.
لم يكن ذلك مجرد موهبة أو حسن فكرة، بل ثمرة مئة عام من القراءة المتكررة، والتجارب المتواصلة، والصقل الدؤوب. كان ذلك بلا شك نتيجة جهد كارديا الذي لا يعرف الكلل.
قد تخون النتائج الجهد أحيانًا، لكن من دون جهد، لا تولد أيّ نتيجة.
التعليقات لهذا الفصل " 29"