وما إن رأت نوي الشخص أمامها حتى اغرورقت عيناها بالدموع.
تمتمت بصوتٍ مبحوح في صورةٍ بعيدة عن التماسك.
“…كارديا.”
“سأتولى الباقي أنا.”
كان كارديا مغطّى بالطين على ذراعيه وساقيه، لكنه ابتسم ابتسامة هادئة، ثم خرج إلى خارج الدكان. وتبعه القرويون على استحياء.
وحين وصلوا إلى جوار التمثال النحاسي، رفع كارديا ذراعه ببطء. ثم بدأ ينسج طاقته السحرية بأصابع جميلة الحركة كما لو كان يعزف على آلة موسيقية.
كانت طريقة النسج جميلة… لكنها في الوقت نفسه متقنة ومتأنية.
ذلك الأسلوب الذي لم ينسَ أساسياته أعاد إلى ذهن نوي أيام التدريب معه، فانحدرت الدموع على خديها.
تدفقت إلى السماء طاقةٌ سحرية رقيقة واسعة النسج كالشبكة، طويلة إلى حدٍ لا يُتصوَّر.
“— تعالي.”
ما إن نطق كارديا، حتى استجابت حشرات البلور المتوهج (فوسفورا)، فحلّقت دفعةً واحدة من أرجاء القرية.
“آآآآآه!!”
ارتفعت الصرخات في كل مكان.
فآلاف… بل عشرات الآلاف من فوسفورا، التي كانت مختبئة بين الأعشاب، وتحت أرضيات البيوت، وفي ظلال الأسقف، وداخل طين المصارف، اندفعت إلى السماء في لحظة واحدة.
هرع الناس خارج منازلهم، وراحوا يفرّون في الساحات بحثًا عن مهرب. تحولت القرية إلى جحيمٍ من الصراخ والفوضى.
أما القرويون المتجمعون أمام الدكان، فقد جمدوا في أماكنهم من هول المشهد.
“و… واااه…!”
وسط ذلك، صاح أحد القرويين المرتعبين. وسرعان ما انتقلت دهشته إلى الآخرين، فتحولت الأصوات شيئًا فشيئًا إلى هتافٍ وإعجاب، وارتفعت صيحات الإشادة في الساحة.
رفع الناس رؤوسهم إلى السماء، وانفرجت وجوههم بالدهشة.
“مذهل! إنه نهر من النجوم!”
“جميل… ما أروع هذا الجمال…!”
تجمعت فوسفورا حول الطاقة السحرية التي نسجها كارديا، فتماوجت معًا، وشكّلت نهرًا عظيمًا انساب في السماء.
تتغذى حشرات البلور المتوهج على الطاقة السحرية، وحين تمتلئ أجسادها بها، تشعّ أنوارًا براقة.
ويضاهي ضياؤها النجوم حتى في وضح النهار، ولذلك كانت تُربّى في العاصمة كحيوانات أليفة لدى السحرة.
وفي سماء الظهيرة، كان نهر النجوم يجري وكأنه في رحلةٍ ماضية نحو الاتجاه الذي قاده إليه كارديا.
وبينما كانت نوي تحدّق في ذلك النهر المتلألئ، كان هناك من يحدّق بها هي أيضًا—كارديا الذي حملها بذراعٍ واحدة.
“سمعتُ أنكِ حميتِ الحاكم؟“
لا بد أنه سمع تفاصيل ما جرى من القرويين المتجمعين خارج الدكان.
كان صوته على النقيض من الهتافات حولهما هادئًا للغاية.
“شكرًا لكِ.”
حين شكرها كارديا، انخفض رأس نوي بحزن.
“…لم أستطع فعل أي شيء.”
فكلام القرويين صحيح. رغم كل ما قالته بثقة، لم تتمكن من إنجاز شيء بيدها.
لكن كارديا انحنى قليلًا ونظر إلى وجهها الحزين.
“على الأقل، أنا لا أرى الأمر هكذا.”
كان وجهه وهو ينظر إليها تعلوه ابتسامة لطيفة.
‘…حقًا؟‘
انجذبت نوي إلى ابتسامة كارديا، فمالت بجسدها وتشبتت بعنقه بقوة.
“إن شعرتُ بالوحدة، فماذا؟ أتُمسك بيدي؟“
“بالطبع! سأأتيك متى شئتِ لأشدّ على يدك!”
تسللت إلى خاطر نوي ذكرى تلك الليلة البعيدة.
“— يدك.”
“هم؟“
“قلتِ إنكِ ستأتي لتشبكيها بيدي، أليس كذلك؟“
تمتمت بصوت خافت؛ ولعل كارديا لم يعد يذكر ذلك الوعد.
“…….”
كانت قد دفنت وجهها في عنقه وهي تتكلم، فلم تستطع أن ترى تعابير وجهه.
“فيما أنا عليه الآن، لا أملك سوى أن أمسك يدك… لكن هذا الوعد وحده، أقسم أنني لن أنكثه أبداً.”
قالت ذلك كأنها تناجي نفسها، وكأنها تُقسم قَسَماً في أعماق قلبها.
فأنزلها كارديا برفق إلى الأرض.
“— كنتِ ترغبين في رؤية الكتب، أليس كذلك؟ لِمَ لا نُلقي نظرة على المتجر؟“
“..! آه،نعم!”
ما إن سمعت كلمة الكتب حتى أشرقت ملامح نوي فجأة.
أجل، الكتب!
ولهذا السبب تحديداً، هرعت مسرعة إلى داخل المتجر.
***
ولا يزال الناس مأخوذين بسحر نهر النجوم، يحدقون في السماء لا يكادون يصرفون عنها أبصارهم.
وفي تلك اللحظة، كان كارديا يراقب ذلك الظهر الصغير البعيد، فغطّى وجهه بيده الواحدة.
“… لم أرد لكِ أن تري العالم الخارجي.”
رغم أن نوي تفتقر إلى الذكريات، إلا أن المعرفة تسكنها.
ومثل هذه الفتاة قادرة على العيش، حتى وإن لم تكن في الجزيرة العائمة.
ولو علمت أن لها سبيلاً للحياة على الأرض، فلن يبقى ما يدعوها للبقاء هنا.
وحينها… لن يعود بوسعه الاستفادة منها.
‘— نعم… للاستفادة فقط.’
هكذا همس في نفسه، مقنعاً ذاته أن كل ما فعله لم يكن إلا لهذا الغرض.
ركضه المحموم بالأمس، وخروجه معها رغم إرهاقه… كل ذلك كان من أجل هذا وحده.
‘لا سبب آخر.’
ومع ذلك، وتحت نهر النجوم المتلألئ، لم تفارقه أبداً حرارة تلك اليد الرفيعة التي كانت ملتفة حول عنقه.
***
“مرحباً بعودتك سيدي دياس.”
ما إن وصلوا إلى قصر الكونت هيُويتوس حتى انحنى لهم أحد الخدم تحيةً.
كان القصر فسيحاً، لكن عدد الخدم فيه قليل، وهو عدد كافٍ لقصر لا يقيم فيه سيده دائماً ولا يكثر من المناسبات الاجتماعية.
بعد أن شُحنت الأدوات السحرية الثمانية التي أحضرها أهل القرية بالطاقة، توجّهت نوي مع كارديا إلى القصر.
وكأنما أراد أن يتفادى أي متاعب إضافية، ألبسها عباءة أُلقيت عليها تعويذة تمويه، وجاء بها إلى هنا.
“أعتذر لإزعاجك أياماً متتالية.”
“بل إن قدومك يا سيدي يسعد جميع الخدم غاية السعادة.”
قال ذلك كبير الخدم غيكو بصوت هادئ.
يبدو أن كارديا كان قد زار القصر بالأمس أيضاً، متقمصاً هيئة دياس، ليؤدي مهام الحاكم بالنيابة.
‘إذن هو يقوم بواجبه كحاكم كما ينبغي… أيها العجوز اللعين من أهل القرية! لقد حفظتُ وجهك جيداً!’
وفي المرة القادمة سأجعلك أصلع الرأس!
عقدت نوي هذا العزم الخطير في سرّها.
قادهم غيكو إلى أعماق القصر حيث المكتبة. وفي الطريق، وقعت عينا نوي على جزء من الأرض من خلال نافذة الممر، فبُهتت.
‘… لقد اقتلعها فعلاً…’
كان هناك ملحقٌ لم يبقَ منه سوى المدخل، مقطوعاً بدقة.
ورغم ترميمه بحيث لا يبدو شاذاً، إلا أن من يعرف المكان يدرك فوراً أن ذلك الجزء قد أُعيد بناؤه.
‘سيدي دياس، ومن تكون الآنسة؟‘
يبدو أنه حتى هنا، لا يُفصح عن اسم كارديا الحقيقي.
“عروسي.”
“أهكذا كان الأمر؟“
كانت تلك ثالث مرة يُقدَّم فيها هذا التعريف اليوم، لكنها هذه المرة اعترضت لأول مرة.
رمقها كارديا بدهشة خفيفة، فقالت له ببرود متعمد:
“اسم الرجل الذي خُطبتُ له… لا يطابق اسمك هذا.”
ابتسم كارديا بهدوء، لكن من المؤكد أن العرق البارد كان يتصبب في داخله.
فهو يعلم أن الموقف ليس في صالحه، ولا سيما أن نوي كانت حتى الآن تراعيه، وتتجنب مناداته باسمه الحقيقي أمام الناس.
“حين نعود، هل تُصغين إلى عذرٍ واهٍ مني؟ يا عروسي.”
قالها مبتسماً، فردّت عليه بابتسامة مماثلة:
“لا بد أنني كنتُ مخطئة! عفواً، يا خطيبي العزيز!”
ضحكت والتصقت به، فابتسم كبير الخدم وهو يراقبهما بنظرة دافئة.
“لقد بلغ سيدي دياس هذا العمر أخيراً… ولا عجب أنني شختُ أنا أيضاً.”
“ألستَ في السابعة والستين؟“
“… ما أدهشني! أجل، هذا صحيح. ما أروع ذاكرتكَ.”
اتسعت عينا غيكو دهشة، بينما ازدادت ابتسامة كارديا عمقاً.
“يشرفني ذلك، سيدي دياس.”
وكان في عيني غيكو بريق مودةٍ عميقة.
“حين تبلغ السبعين، لِمَ لا نطلب من الكونت هيُويتوس أن يُعد لك احتفالاً؟“
“لا، لا… يكفيني هذا اللطف. — آه، لقد وصلنا. يبدو أن الخادم الآخر قد سبقنا.”
شكر كارديا غيكو عند باب المكتبة.
“نعم، شكراً لك يا غيكو.”
فانحنى الرجل العجوز بعمق، ثم عاد أدراجه في الممر الذي جاء منه.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 28"