“— قلتم إن الأدوات السحرية معطلة، أليس كذلك؟ دعوني أسمع التفاصيل. وإذا استطعتُ إصلاحها، فتعهدوا لي بألا تسيئوا إلى الحاكم مرةً أخرى.”
مدّت نوي يديها الاثنتين نحو الرجل الذي كان يحمل الأداة السحرية. وبعد لحظة من الذهول، انفجر الرجال ضاحكين.
“يا صغيرة، هذه أداة باهظة الثمن. إنها من ممتلكات القرية المشتركة… لكن يبدو أنك لا تفهمين ذلك. على أي حال، ليست لعبة لطفلة مثلك—”
“كفى، أعطِني إياها.”
قالت نوي ذلك بهدوء. وفي الحال توتر الجو.
وبدا أن هيبةً خفية تنبعث منها، فبادل القرويون النظرات فيما بينهم. ثم إن أكثرهم ترددًا ناولها الأداة السحرية.
“مهلًا! ماذا تفعل؟“
“لكن…”
أمسكت نوي بالأداة بكلتا يديها بإحكام، ثم وضعت الصندوق الخشبي على الأرض.
‘يوكي–تسومي يادو…خزان الجليد، أليس كذلك؟‘
إنها أداة سحرية تُجمِّد ما يوضع بداخلها فورًا، لتحافظ على طزاجته.
وعلى عكس التجفيف، تتيح الاحتفاظ بالطعم والقيمة الغذائية لفترات طويلة، لذا فهي مفيدة جدًا، لكنها مرتفعة الثمن.
ولا عجب في ذلك، فهي في أرض خاضعة مباشرةً للكونت. ومن كونها «ملكية مشتركة»، فربما كانت محفوظة عادةً في مخزن الجليد الذي تديره القرية.
فتحت نوي غطاء يوكي–تسومي يادو. كان يفترض أن يندفع هواء بارد لحظة فتحه، لكن درجة الحرارة في الداخل لم تتغير إطلاقًا.
أمسكت بالصندوق بكلتا يديها وقلبته رأسًا على عقب، ثم نزعت قاعدته السفلية.
“هـ، هاي! ماذا تفعلين؟!”
“مزعج. كيف سأرى الدائرة السحرية إن لم أفتحه؟“
كانت القاعدة مزدوجة الطبقات.
تنفست نوي الصعداء.
رغم أنه يبدو طرازًا أحدث، فإن الجزء الجوهري الذي صممته بنفسها لم يتغير.
إن سبب تلقيب نوي بأعظم ساحرة في البلاد لا يعود فقط إلى ضخامة قوتها السحرية، بل أيضًا إلى كونها ابتكرت عددًا هائلًا من الأدوات السحرية.
ويمكن القول إنها وضعت الأسس لمعظم الأدوات السحرية المنتشرة اليوم في مملكة إيسريا.
قبل أن تعتزل في الجبال، طوّرت العديد من الأدوات، وسجّلت براءات اختراعها، وجمعت ثروة تفوق الحاجة.
صحيح أن حقوقها آنذاك قد زالت بعد مرور مئة عام على وفاتها، لكن معرفتها المتراكمة بصناعة الأدوات السحرية لم تضِع.
جلست نوي القرفصاء تحدّق مليًا في الدائرة السحرية المنقوشة على اللوح السفلي.
“…فهمت. لقد دمجوا سحر الرياح أثناء التجميد. هذا يعقّد الدائرة، لكنه منطقي لانتزاع الحرارة. مثير للاهتمام. وتوليد الدفع يتم بتكرار النسج المزدوج… همم؟ ما هذا السحر الأرضي المضاف هنا…؟ وُضع كطبقة خلفية. للحفاظ على درجة الحرارة، أليس كذلك؟“
“هاي! ما الذي تتأملينه بهذا التركيز؟!”
صرخ أحد القرويين، فانتبهت نوي فجأة.
الانغماس في السحر دون وعي عادة سيئة لديها. ومع ذلك، رغبت بشدة في تحليل هذه الدائرة بهدوء لاحقًا.
“هذا ما يُسمّى بالدائرة السحرية، أليس كذلك؟ لا يوجد فيها أي خلل أو تمزق. إنها متقنة جدًا. فأين العطل إذن؟“
@ماذا؟! إذن لا تستطيعين إصلاحها؟“
وخلف تذمر القرويين المتعجلين، بدأت نوي تلوّح باللوح السفلي الذي يحمل الدائرة السحرية، كما لو كان مروحة.
“هـ، هاي!!”
“ماذا تفعلين؟!”
وبينما ارتبكوا، أومأت نوي قائلة: “كما توقعت.”
“نفدت الطاقة السحرية.”
فلو كانت هناك طاقة متبقية في الدائرة، لاستجابت لأي مؤثر خارجي وسعت إلى الحفاظ على نفسها.
لكن الدائرة لم تتحرك قيد أنملة.
“الطاقة السحرية؟! نحن نضخها في كل مرة نستخدمها!”
“تلك طاقة التشغيل، لا الطاقة اللازمة لكونها دائرة سحرية أصلًا.”
استدارت نوي بابتسامة واثقة ومشرقة.
“كل ما عليكم هو ضخ طاقة كافية، وبإخلاص تام وفق مسارات الدائرة، للحفاظ عليها.”
“عن ماذا تتحدثين؟! هذا مستحيل!”
تفاجأت نوي؛ فقد ظنت أن المشكلة قد حُلّت تمامًا.
وكما ذُكر مرارًا، وُلدت نوي في عائلة عريقة من السحرة، ونشأت في بيئة يفوق فيها عدد السحرة عدد العامة، لذلك لم تدرك أمرًا كهذا.
“أتظن أن هناك ساحرًا يعيش في قرية كهذه؟“
فالسحرة الباحثون عن المعرفة لا يستقرون في أماكن نائية لا يمكنهم فيها توسيع علومهم.
“هناك من يتشدّق بقدرته على التنبؤ بالأحلام… يقول إن العجل القادم سيكون خمسة، أو إن المطر سيهطل غدًا. تفاهات يمكن لأي شخص قولها. هذا بعيد كل البعد عن السحر الحقيقي.”
“ثم إن كبير الخدم، غيكو، قال لنا إن هذه الأداة ستدوم عشر سنوات على الأقل. كيف لنا أن نقول إنها تعطلت بعد ثلاث سنوات فقط؟!”
“لم نستخدمها بطريقة غريبة تُفرغ طاقتها!”
فهمت نوي الآن سبب اعتماد القرويين على ساحرٍ مسافر.
فلو أخذوا الأداة إلى قصر الحاكم، لتم لومهم على التقصير.
أما كارديا الذي لا يقيم في القرية، فيمكن في أسوأ الأحوال حل الأمر بالمال.
ومع أنها وضعت ظروف القرويين جانبًا—رفعت نوي نظرها إلى الخارج فجأة.
“حشرات.”
“حشرات؟“
“هل بدأت الحشرات بالظهور هنا مؤخرًا؟“
أحد القرويين وقد انساق مع نوي فنظر إلى الخارج أطلق صوتًا مفزوعًا:
كآه! الآن تذكرت… لقد جاءت عندنا فعلًا.”
وكأن كلماته لاقت صدى، أومأ باقي القرويين برؤوسهم.
“وعندنا أيضًا!”
“نعم، الحشرات! كانت تزحف حول البيوت بأعداد هائلة!”
“بما أنه فصل الصيف لم نُعر الأمر اهتمامًا… لكن الآن بعد التفكير، كانت حشرات لم أرَ مثلها من قبل.”
“…والآن أتذكر، تلك الحشرات كانت تتجمع حول هذه الأداة السحرية.”
همس أحد القرويين بذلك، فتفاجأ السبعة الآخرون.
“إنها حشرة البلور المتوهج
(فوسفورا).”
نهضت نوي واتجهت إلى مدخل الدكان.
وهناك، ولسببٍ ما، كان عدد من القرويين قد تجمعوا. غير آبهة بنظراتهم، مدت يديها وصفقتهما بقوة أمام صدرها—
بففف!
وبين دهشة القرويين وصاحب المتجر، فتحت نوي يديها وأرتهم الحشرة التي أمسكت بها.
“إنه كائن سحري يقتات على الطاقة السحرية. رأيته يطير قبل قليل.”
ربما كان يتجول باحثًا عن السحر.
كانت الحشرة بحجم الذبابة تقريبًا، ويشبه شكلها قمل الخشب.
“لا بد أن هذه الحشرة هي من امتصت الطاقة السحرية من داخل الدائرة. إنها تولد من المطر. أليست هذه المنطقة معروفة قديمًا بكثرة الأمطار؟“
“لكنني أعيش هنا منذ سنوات طويلة، وهذه أول مرة أرى حشرة كهذه!”
“إذن، ربما تكون ذاكرة الأرض قد بدأت بالعودة. يبدو أن هذا المكان أصبح ممرًا تعبره حشرة البلور المتوهج (فوسفورا).”
فالأرض تحتفظ بذاكرتها.
نظرت نوي إلى الحشرة في يدها، متمنية ألا يكون ذلك نذير شؤم، لكن القرويين أطلقوا أنينًا يائسًا.
“مستحيل… ماذا يُفترض بنا أن نفعل؟“
“لا يمكننا طرد كل هذه الحشرات!”
وبما أن وجود فوسفورا يعني استحالة إبقاء الأدوات السحرية في القرية، بدأ اليأس يخيّم على وجوههم.
“دعُوها تعبر.”
“تعبر؟“
“نعم، اسمحوا لـفوسفورا بالمرور… إلى أرض صيدها التالية.”
“وكيف نفعل ذلك؟!”
كانت نوي تعرف الجواب.
لكنها شدّت قبضتها الصغيرة بقوة.
‘…لكنني الآن، لا أستطيع.’
لم يكن بوسعها تجربة تلك الطريقة.
فهي الآن… إنسانة بلا أي طاقة سحرية.
حتى عندما حاولت جمع القليل من السحر، لم يحدث شيء.
عضّت شفتها قهرًا.
لقد فهمت أخيرًا ما يعنيه ألا تتمكن من استخدام السحر مرة أخرى.
الذل، الإحباط، والعجز عن استعمال ما كان في متناول يديك يومًا ما.
حبست كل تلك المشاعر داخل هذا الجسد الصغير.
“ماذا؟! في النهاية لا تستطيعين فعل شيء!”
“تتكلمين بثقة وكأنك تفهمين كل شيء!”
“كفى! أنتم… إنها مجرد طفلة—”
بينما كانت نوي مطأطئة الرأس، أطلق القرويون أصوات استهجان. أما صاحب المتجر الذي حاول تهدئتهم، فتوقف فجأة وكأنه أدرك أمرًا ما.
“شكرًا لكِ.”
وفي تلك اللحظة، ارتفع جسد نوي بخفة في الهواء.
“لقد بذلتِ جهدك حقًا.”
وفي تلك اللحظة نفسها، شعرت وكأن قلبها هي الأخرى قد ارتفع معها بخفة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 27"