عندما توجّها نحو متجرٍ لبيع الأدوات المتنوعة في الساحة حيّا صاحبُ المتجر وهو رجل في منتصف العمر كارديا بتحيةٍ مرحة حالما رآه.
ومن الواضح أن كارديا يزور هذا المتجر كثيرًا.
“أهلاً، نعتذر على الإزعاج.”
“تفضل، انظر كما تشاء. صحيح أني لا أبيع تمثال غاليني، لكن غيره متوفر.”
لا بد أنّه كان قد رآهما وهما يتحدثان أمام التمثال.
فطالما أنّ هذه التماثيل نُصبت في أرجاء البلاد منذ خمسين عامًا، فمن الطبيعي أن يصبح وجودها مألوفًا للجميع.
لكن نوي التي كانت تحدّق فيه مطولًا لا شك أنها لفتت الانتباه.
“لا، فقط استغربت أنه ما زال محفوظًا بهذا الشكل الجميل رغم مرور خمسين سنة.”
قالت نوي ذلك على عجلٍ تبريرًا، حتى لا يلفت كارديا الذي يتظاهر بأنه مجرد مسافر الأنظار إليه، لكن هذا الشعور كان صادقًا تمامًا.
فالتمثال النحاسي الذي يبلغ طول إنسانٍ بالغ تقريبًا، لم يظهر عليه أي تدهور يُذكر، رغم تعرضه للأمطار والرياح طوال هذه السنين.
رفع صاحب المتجر حاجبيه وهو ينظر إلى نوي بين ذراعي كارديا، ثم حكّ رأسه بخفة.
“حسنًا… أهل القرية كلهم يعتنون به. اعتني أنتِ أيضًا بتمثال غاليني يا صغيرة. نحن في جيلنا، كان الشيوخ يوبخوننا بشدة إن أسأنا إليه. يقولون: لا تستهينوا به.”
وبعد أن صرف نظره عنها، رفع بصره إلى السماء الزرقاء حيث تتهادى السحب.
“حدث ذلك قبل مئة سنة، وقصة أن يتحول لون السماء إلى السواد تبدو الآن كحكاية خرافية…”
متأثرة بكلامه، رفعت نوي نظرها إلى السماء هي الأخرى. فارتعش قلبها وهي تتساءل: هل غمر الظلام حتى أماكن بعيدة كهذه بعيدة عن العاصمة؟ وربما، استجابةً لفقس ملك الشياطين، اسودّت سماء البلاد كلها… بل ربما سماء العالم بأسره.
“بالمناسبة، لم أكن أعلم أن لك أختًا.”
قالها صاحب المتجر بنبرة خفيفة، فاستدار كارديا نحوه.
“ماذا تقول؟ من الواضح أنها—”
“أ،أنت—!”
“إنها عروسي الجميلة.”
كان لدى نوي شعور سيئ، وحاولت مقاطعته، لكن بلا جدوى.
إلا أن صاحب المتجر بخلاف النساء اللواتي قابلوهما سابقًا، انفجر ضاحكًا ببساطة.
“أوه، هكذا إذن. سامحني على سوء الفهم. يا صغيرة، أحسنتِ اصطياد هذا الوسيم. أتعلمين؟ ستغار منكِ نساء القرية كلهن.”
وبما أنها كانت قد لاقت شفقة قبل قليل بدل الغيرة، لم تجد سوى أن تضحك مجاراةً له.
— لم يأخذ كلام كارديا على محمل الجد إطلاقًا.
‘يبدو أنه لم يكن هناك ما يدعو للقلق…’
ربما بسبب مجرى الحديث، نفرت النساء سابقًا، لكن رد فعل صاحب المتجر هذا هو على الأرجح الرد الطبيعي اجتماعيًا.
حتى دون التعريف بها على أنها في الثانية عشرة، فإن مظهر نوي الصغير لا يجعل أحدًا يصدق أنها عروس لرجلٍ يبدو كمن ذاق حلو الحياة ومرّها مثل كارديا.
وبينما شعرت بالارتياح، انقبض صدرها لسببٍ ما انقباضةً خفيفة.
“آه! إنه دياس!”
دوّى صوتٌ عالٍ جعل جسد نوي ينتفض.
وحين التفتت، رأت شابين أو ثلاثة من شباب القرية يرتدون ملابس خفيفة تسهّل الحركة، وقد غطّى الطين أجسادهم من أقدامهم حتى رؤوسهم.
“قالت زوجتي إن دياس موجود هنا، فبحثنا عنه، وها هو فعلًا! من فضلك، تعال معنا!”
تقدم الرجال بخطواتٍ سريعة نحو نوي وكارديا المذهولين.
“فجأة أصبحت الأرض موحلة، وعلقت عدة أبقار في المستنقع، ونحن في ورطة كبيرة!”
“أنت ساحر، أليس كذلك؟ أرجوك ساعدنا! من هنا!”
عندما اقتربوا، قفزت نوي بسرعة من بين ذراعي كارديا. وفي اللحظة التي نزلت فيها، أمسك الرجال بذراعه.
“مهلًا، انتظروا قليلًا—!”
“أسرع!”
“وا–اه! فهمت، فهمت! عروسي إبقي هنا!”
وهو يُسحب معهم، صرخ كارديا باتجاه نوي.
بقيت نوي تحدّق فيه بذهول، ثم أومأت برأسها مرارًا.
فالأبقار ثروة ثمينة للقرية، ومن ملامح القرويين بدا أن الوقت لا يحتمل التأخير.
“…صاحب المتجر، سنسبب لك إزعاجًا.”
“لا بأس بذلك، لكن يا صغيرة… طريقة كلامك غريبة قليلًا.”
منذ أن جاءت إلى هذا الزمن بعد مئة عام، كثيرًا ما يُعلَّق على أسلوب حديثها.
ففي الماضي، حين كانت تملك المكانة والمال والقوة السحرية، نادرًا ما تجرأ أحد على انتقادها وجهًا لوجه، ولعل هذا هو سبب هذا الاختلاف.
“تأثرتُ بطريقة كلام جدي.”
“أفهم.”
حين قالت الحقيقة ببساطة، تقبّلها صاحب المتجر دون عناء.
“على أي حال، يبدو أن الأمر تكرر.”
“تكرر؟“
“نعم. قبل فترة قصيرة أيضًا… أترين ذلك المطعم هناك؟ الطريق أمامه غمرته المياه.”
وأشار إلى متجرٍ في الجهة المقابلة.
“لحسن الحظ، هذه المنطقة أرضها مدعّمة جيدًا فلم تتحول إلى طين، لكن اضطررنا لإضافة تراب من الأعلى، وكان الأمر متعبًا بعض الشيء.”
“هل تحدث فيضانات كثيرة هنا؟“
“لا، لا أسمع بذلك عادة. سمعت أن المطر كان غزيرًا في زمن جدي… لكن هذا منذ عقود طويلة.”
“همم…”
“هل ترين تلك الجزيرة هناك؟“
وأومأت نوي موافقة، فمدّ صاحب المتجر يده مشيرًا إلى خارج الدكان.
هناك كانت الجزيرة العائمة التي كانا يقفان عندها قبل قليل.
“يُقال إن تلك الجزيرة بدأت تطفو حين كان جدي شابًا، لكن منذ أن بدأ الحاكم بالإقامة هناك، توقف المطر تمامًا.”
اتّسعت عينا نوي دهشة.
“حين كان جدك شابًا…؟! إذن منذ متى وهي تطفو؟!”
“لا أدري. لكن على الأقل منذ ثمانين عامًا.”
“ثمانون عامًا…؟“
‘― ثمانون عامًا وهو يُبقي الجزيرة طافية؟!’
وقفت نوي مذهولة.
السحر يحتاج وقتًا طويلًا لنسج الدوائر السحرية، وكلما كان السحر أعظم، طال الوقت اللازم لإعداده.
صحيح أنه بمجرد اكتمال الدائرة، يكفي ضخ السحر فيها للحفاظ عليها، لكن لذلك حدًّا أيضًا.
‘جزيرة بهذا الحجم تُبقيها طافية بلا انقطاع… كم من القوة السحرية يتطلب ذلك أصلًا؟‘
إنها قوة لا يمكن أن يتحملها إنسان عادي.
وبينما كانت نوي غارقة في التفكير، اقترب مجددًا بعض أهل القرية.
“هاي، هل دياس موجود؟“
“هذا تعطل ونريده أن يصلحه.”
كان عددهم ثمانية قرويين، وكل واحد منهم يحمل أداةً سحرية ما.
من أدواتٍ سحرية باهظة الثمن لا يُفترض وجودها في قرية نائية كهذه، إلى أخرى مستعملة تبدو شائعة التداول وسهلة المنال، تنوعت الأدوات التي يحملونها.
عندها فهمت نوي سبب تذمّر كارديا في الصباح حين قال إن الأمر مزعج.
ففي كل مرة ينزل فيها إلى الأرض، يتوافد عليه الناس بلا انقطاع، ولا بد أن ذلك مرهق جدًا.
“دياس غير موجود الآن.”
“آه، خسارة. سمعت أنه جاء فتركت عملي وجئت خصيصًا.”
تنهد أحد القرويين، وكأن البقية استجابوا له، فبدأوا جميعًا يتحدثون دفعة واحدة:
“هو يقدر التعامل مع النساء الصغيرات، أما نحن فلا، أليس كذلك؟“
“مع أن أكثر من لا يعمل أصلًا هو الحاكم نفسه.”
“منغلق في الجزيرة العائمة ولا ينزل أبدًا. إدارة الإقطاعية كلها على عاتق كبير الخدم غيكو حسب ما يُشاع.”
“لو كان الحاكم أكثر جدية، لما اضطررنا لإزعاج دياس.”
“لا فائدة من الاعتماد على شيخٍ مختبئ لا يظهر أبدًا.”
كانت نوي تستمع بصمت، لكنها لم تعد تحتمل أكثر.
“أليس من الممكن أن الحاكم يهتم بهذه القرية بطريقته الخاصة؟“
فلو لم يكن الأمر كذلك، لما مرّ كارديا بالساحة أصلًا، حتى لو كان فقط لإرضاء نوي، ولما ذهب لمساعدة الأبقار حين جُرّ من يده.
نوي التي لم تُنقَذ إلا بعد أن أصبحت عروسه، كانت تعرف جيدًا هذا الجانب البارد منه.
“هاه؟ يا صغيرة، من أي قرية أنتِ؟“
“ملابسك فاخرة على غير العادة…”
“فتاة في مثل عمرك لا يجوز لها الكلام وكأنها تفهم كل شيء.”
“نحن من أخطأنا حين توقعنا شيئًا من حاكم لم ينزل منذ عشرات السنين.”
“ربما مات هناك في الأعلى دون أن يدري أحد.”
“حتى آلهة السماء ستفرح بقرب استقباله.”
قهقه القرويون ضاحكين.
‘كارديا… أنا لا أعرف كل الأسباب التي جعلتك تصعد إلى السماء.’
لكن أحدها، على الأقل، لا بد أنه كما أتوقع.
فبسبب مظهره الذي توقف عن النمو، لم يعد قادرًا على العيش ضمن قوانين البشر.
“معلمتي تقول إنني إنسان… لكني، في الحقيقة، مختلف عن الجميع.”
‘سواي هو… ضعيف.’
“هناك الكنيسة التي نشأت فيها. لا أريد أن يصيبهم أذى…”
كان يريد أن يعيش بين البشر، لكنه كان يخشى أن يؤذيهم ملك الشياطين الكامن داخله.
وحين اختفى ملك الشياطين أخيرًا، لم يعد قادرًا على العيش بينهم، فاختار الابتعاد عنهم—واختار وحده أن ينعزل.
‘صحيح أن شخصيتك الآن مريبة جدًا، ومشكوك فيها، وأحيانًا يصعب الاقتراب منك.’
لكن رغم ذلك، فإن مشاعر نوي التي تحب كارديا حبًا صادقًا لم تتغير.
“— قلتم إن الأدوات السحرية معطلة، أليس كذلك؟ دعوني أسمع التفاصيل. وإذا استطعتُ إصلاحها، فتعهدوا لي بألا تسيئوا إلى الحاكم مرةً أخرى.”
ومدّت نوي يديها الاثنتين نحو الرجل الذي كان يحمل الأداة السحرية.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 26"