ما إن قال كارديا ذلك حتى تجمّدت النساء في أماكنهن.
“أليست لطيفة؟ تعرّفتُ إليها قبل فترة قصيرة، وقد وقعتُ في حبّها حتى الثمالة. غازلتها إلى أن وافقت أن تصبح عروسي.”
وأمال كارديا رأسه نحو نوي.
استغربت نوي الأمر في نفسها، لكنها سارعت ورفعت يدها بحماس لتؤكد دورها كعروس.
“تشرفنا! أنا العروس! أرجو أن نحسن التعامل معًا من الآن فصاعدًا!”
خرجت كلماتها بنبرة أقرب إلى الإلقاء الآلي قليلًا، لكن لا بدّ أن أحدًا لن يهتم. أجابت نوي بوضوح وحيوية.
تبادلت النساء اللواتي كنّ يحيطن بكارديا النظرات، ثم تشدّدت ملامحهن قليلًا.
“— لم نكن نعلم أنك مخطوب…”
“تبدين صغيرة السن جدًا… يا آنسة، كم عمرك؟“
كنّ جميعهن بالغات. ويبدو أنهن ظنن أن نوي فازت بمكانة عروس كارديا بسبب صغر سنها. كانت نظراتهن مشوبة بالغيظ.
“أنا—”
وحين همّت نوي بالإجابة، فتح كارديا فمه كأنه يقاطعها عمدًا.
“ستُكملين الثانية عشرة هذا العام، أليس كذلك؟“
تفاجأت نوي بإجابته.
فهي بالتأكيد ليست صغيرة إلى هذا الحد. صورتها التي رأتها في المرآة كانت لفتاة في الخامسة عشرة تقريبًا.
لكن إن قُدّمت على أنها في الثانية عشرة، فقد تبدو كذلك—ربما. وعلى الأقل، بدا أن النساء من حولها صدّقن كلام كارديا.
“لـ… لا، انتظر—؟!”
حتى لو حاولت الاعتراض، فإن نوي نفسها لم تكن في موضع يمكّنها من الجزم بعمرها.
نعم، فهي الآن “فاقدة للذاكرة” بحسب الإعداد.
“يـ… يالهمنأمر…”
“إنه… يفضّل… فتيات صغيرات إلى هذا الحد…”
انخفضت حرارة المكان فجأة.
فالثانية عشرة ليست سنًا مناسبًا للزواج بأي حال.
اختفت حرارة الغيرة من عيون النساء، وشحبَت وجوههن.
لقد ابتعدن تمامًا.
ربما كانت بينهن من لديهن أخوات أو بنات في عمر نوي.
تغيّرت نظراتهن من نظرات تُوجَّه لرجل جذّاب رحّال، إلى نظرات تشكّ لرجل خطر لا يتحفّظ حتى عن الأطفال.
“لـ… ليس الأمر كذلك!”
“— آه! لقد كنتُ في خضمّ أعمال المنزل…”
“نـ… نعم، وأنا أيضًا!”
“إذن يا سيد دياس، إلى لقاء—”
“آه، واه، أآآ…!!”
ذهب نفي نوي سُدى؛ إذ ابتسمن ابتسامات مجاملة وبدأن بتوديعهم تباعًا.
وكانت هناك حتى امرأة قالت لنويدوهي بين ذراعي كارديا بوجه صارم:
“إن حدث لكِ أي شيء، تعالي إلينا.”
يبدو أن الرجل الجذّاب قد يتحول سريعًا، في الانطباع، من موضع إعجاب إلى موضع ريبة.
وقد شهدت نوي تلك اللحظة بعينيها، فظلت تُحدّق بفم مفتوح في ظهور النساء وهنّ يتفرّقن.
“آه! صحيح—كنتِ في الخامسة عشرة! أورنيس هو من أخبرني بذلك.”
قال كارديا بابتسامة مشرقة وكأنه تذكّر للتو.
تنفّست نوي الصعداء، ظنًا منها أنه هو نفسه كان مخطئًا. فلو كان يعتقد أنها في الثانية عشرة فعلًا، لكانت تصرّفاته السابقة مشكلة حقيقية.
“هـ… هل كان هذا مقبولًا؟“
كان قد أسيء فهمه فهمًا مستحيلًا. أشارت نوي إلى الاتجاه الذي ذهبت فيه النساء.
“هم؟ ماذا تقصدين؟“
كان كارديا مبتسمًا بسعادة. لا يبدو أنه تأثّر إطلاقًا بسوء الفهم الذي جعله يبدو كمن يتزوج فتاة في الثانية عشرة، ولا بفقدان اهتمام نساء القرية، ولا حتى بتدهور سمعته.
‘فِينغارو مثلًا، كان إذا تجمّعت النساء بدا مسرورًا على نحو فاضح، ويأتي ليتباهى أمامي…’
كانت نوي تظن أن الرجال على هذه الشاكلة، لكن ربما ليس الأمر كذلك. فهو يفرّ أصلًا من أكوام طلبات الزواج. لا بدّ أن هناك سببًا.
وبما أن ابتسامة كارديا كانت سعيدة حقًا، لم تقل نوي شيئًا بعد ذلك.
كان هناك ميدان على بُعد مسافة قصيرة سيرًا على الأقدام من البحيرة. وفي الميدان، قامت عدة متاجر مبنية من الحجر والتراب.
أمامها، يقف أصحاب الدكاكين شاردي الذهن في الحراسة، وربّات بيوت يشترين القمح. وبينهم، أطفال يحملون خضروات ما زالت مغطّاة بطين الحصاد، وحمير محمّلة بأمتعة ثقيلة تسير ببطء.
وفي وسط ذلك الميدان، كان هناك تمثال واحد.
‘هذا نادر.’
ليس من المعتاد أن يُقام تمثال في بلدة ريفية كهذه، إلا في المدن الكبرى.
كان أورنيس قد سبقهم إلى دار الحاكم المحلي للتحضير هناك، لذا كانت نوي تتحرك مع كارديا وحدهما.
توقفت نوي تحدّق في التمثال.
وحين لاحظ كارديا نظرتها، أومأ وكأنه فهم، وتقدّم نحو التمثال.
وعند الاقتراب، بدا أنه تمثال لامرأة.
إلهة؟ قدّيسة؟ تساءلت نوي من تكون، وانحنت لتنظر إلى الموضع الذي كُتبت فيه الحروف.
“هذا التمثال شُيِّد قبل خمسين عامًا تمامًا. الملك آنذاك كان فينغارو، وزّعه في أرجاء البلاد تضرعًا من أجل السلام.”
“فينغارو!”
ظهر اسمٌ تعرفه نوي ضمن شرح كارديا، ففغرت فمها دهشةً.
“أتعرفينه؟“
كان كارديا بجانبها، وقد رفعت صوتها فجأة، ومع ذلك لم يُبدِ أي انزعاج، وسألها بهدوء.
“لا… لا أعرفه. فقط ظننت أن الاسم يبدو رائعًا.”
“أحقًا؟“
العذر الذي ارتجلته نوي على عجل جعل كارديا يقطّب وجهه باشمئزازٍ صادق. كانت تلك أول مرة ترى فيها كارديا يُظهر هذا القدر من النفور منذ قدومها إلى هذا الزمن بعد مئة عام.
‘…إذن، فينغارو بالنسبة إلى كارديا…’
كان فينغارو بالنسبة إلى نوي شخصًا من ذلك النوع الذي لا يمكن قطع الصلة به تمامًا، مهما حدث لاحقًا.
صديق طفولة، وأخًا في التتلمذ، وصديقًا مقرّبًا.
مهما اختلفا، لا يمكن أن يكرها بعضهما من أعماق قلبيهما. كان أشبه بأحد أفراد العائلة.
لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة إلى كارديا.
فبالنسبة له، كان فينغارو هو الشخص الذي قيّده، وسلبه حياته اليومية، وعامله كما لو كان ماشية. ومن الطبيعي أن يكنّ له الكراهية.
وعلى عكس نوي التي خفتت ملامحها حزنًا، بدا كارديا وكأن أمر فينغارو لم يعد يعنيه مطلقًا. نفخ ذلك الوجه الكريه بعيدًا، وابتسم بابتسامة هادئة.
“كان الملك فينغارو حاكمًا مترددًا وعاديًا، لكن هذا التمثال يُعد أعظم إنجاز تركه خلفه. فهي أكثر من يليق بأن تُجسّد أمنية السلام في هذا العالم.”
متردد… وعادي.
كانت نوي قادرة على تخيّل ذلك، فارتسمت على شفتيها ابتسامة جافة، لكن نبرة كارديا جعلت شعورًا غير مريح يتسلل إلى قلبها.
“لقد أُقيم هذا التمثال متمنيًا أنه مهما واجهت البلاد من محن، فإن روحها النبيلة ستواصل حمايتها. — يا عروسي، إنها على الأرجح صاحبة الاسم الذي اشتُقّ منه اسمك. ساحرة البداية، نوي غاليني.”
‘كنـــتُ أعلم ذلــــك!!’
شعرت نوي برغبةٍ عارمة في الارتماء أرضًا.
ما هذا اللقب المتكلف أصلًا؟!
تلاشت كل التعابير عن وجهها، حتى خُيِّل إليها أن روحها قد غادرت جسدها بسلام.
“يا عروسي؟“
“نـ… نعم… نعم…”
كانت الصدمة أكبر من أن تستطيع حتى الردّ بشكل سليم.
في تلك اللحظة، رغبت فقط في زيارة قبر فينغارو. لم يكن ليهدأ بالها قبل أن توجه له لكمة أو اثنتين.
‘أيها الأحمق… ماذا فعلتَ بحق خالق السماء؟!’
لقد تجاوز غباؤه حدوده. أيُّ عالمٍ هذا الذي يُقيم فيه ملكٌ تماثيل لأخته الصغرى في التتلمذ في أنحاء البلاد؟!
‘على الأقل، من الجيد أن كارديا وصفك بالعادي! أنتَ ملكٌ أحمق! أحمق!’
كان التمثال مُجمَّلًا أكثر بكثير من الحقيقة. عينان أكبر، أنف مستقيم، وخصر أنحف بنحو عشرين بالمئة.
وكأن النسخة الحقيقية من نوي لم تكن كافية، مما زاد من حنقها.
“في الحقيقة، كنت أودّ أن يكون هناك تمثالٌ آخر في الجزيرة العائمة أيضًا، لكن لا يمكنني أن أجرّد أهل الأرض من أملهم… ذلك العجوز اللعين، كان بإمكانه أن يصنع واحدًا إضافيًا على الأقل.”
كان كارديا يتمتم بشيءٍ ما بانزعاج، لكن نوي تظاهرت بأنها لا تسمع شيئًا.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 25"