إقليم هيُويتوس، إقليم الكونت، ليس واسعًا ولا مميزًا على نحوٍ خاص.
وإن كان له من سمة تُذكر، فربما كونه جزيرةً تحيط بها البحار من كل الجهات.
أشعة الشمس الدافئة، ونسيم البحر المنعش، يخلقان فصلًا هادئًا لطيفًا.
في الأراضي الخضراء، يُرى الناس مجتهدين في حقولهم، وعلى السواحل يظهر من يعملون في الصيد.
كانت نوي، وهي تهبط من الجزيرة العائمة عبر مجرى الماء الحلزوني على متن قاربٍ سحري، تستمتع بمشاهدة مناظر الأرض من علٍ.
“أريد أن أذهب لاختيار الكتب أنا أيضًا!”
لم تنسَ نوي مسألة الكتب التي وُعدت بها كاعتذارٍ عن التأخر في الموعد.
في صباح اليوم التالي للموعد وقت الإفطار كانت تتوسل إلى كارديا الذي بدا نعسانًا بعينين نصف مغمضتين، على الأرجح بسبب السهر.
“إيهه… إن كنتِ قلقة بشأن اختيارات الخدم، فأنا أستطيع الذهاب لاختيارها بنفسي. ابقي هنا والعبِي يا عروسي.”
“لا تظن أن هنا ما يُلعب به! أنا فارغة، ومللتُ حتى كدت أموت!”
“يا لكِ من مزعجة…”
ربما بسبب قلة النوم، كانت أفكاره الحقيقية التي يغطّيها عادة بابتسامة تخرج بلا تحفظ.
في الظروف العادية، ربما كانت ستُصاب نوي بالصدمة، لكن أمام سحر الكتب، لم يكن لكلمات كارديا الجافة أي وزن.
“كتب! كتب!”
“ألم يقل المعلم إنه مشغول؟!”
كان صوت أورنيس مزعجًا كصوت قريبةٍ متطفلة، لكن نوي اقتداءً بخطيبها تجاهلته.
“كتب!”
“قلت لكِ—”
“حسنًا حسنًا. إذن، ما رأيك أن نذهب اليوم لجلبها؟“
“معلمي؟!”
بينما صُدم أورنيس، رفعت نوي يديها فرحًا.
“نعممم!”
وضعت شوكتها جانبًا وقفزت نحو كارديا، الذي قال “أوه!” وهو يتلقّاها بين ذراعيه.
“شكرًا لك! كارديا! أنت حقًا شخص رائع!”
“هاها… ألا تهدينني قبلةً بالمقابل؟“
ربما وجد كارديا نشوة نوي مضحكة للغاية، فعاد إلى مزاحه المعتاد.
وعلى غير عادتها، لم ترتبك نوي فقد كان حماسها في ذروته فأجابت فورًا:
“لا بأس!”
“هاه؟“
أطلق كارديا صوت دهشة، بينما مدت نوي عنقها نحوه.
وقبل أن يتصلّب جسده، لامست شفاه نوي جبهته.
ضغطت شفتيها برفق على جلده الصلب لحظةً، ثم ابتعدت سريعًا.
“شكرًا لك! أنا ممتنة حقًا!”
وأمام ابتسامة نوي العريضة التي لم تفارقها، لم يجد كارديا سوى أن يضحك بدهشة:
“… هاها.”
وهكذا، وللمرة الأولى منذ انتقالها قبل مئة عام، نزلت نوي إلى الأرض.
كان مآل التيار المائي الحلزوني بحيرةً على سطح الأرض.
وكان أورنيس يجدّف بالقارب حتى وصلوا إلى الشاطئ.
“كان هذا رائعًا! في المرة القادمة، لمَ لا نُجمّد التيار المائي لنجعله أسرع؟!”
“مستحيل.”
“لا أصدق أن هذه نفسها الطفلة التي أصيبت بالدوار في أول يوم رأت فيه الأرض…”
كانت عينا نوي تلمعان وهي تنزل من القارب السحري.
وكان شعرها الذي ربطه كارديا لها بعناية يقفز بخفة مع كل حركة.
في المقابل كان كارديا الذي حمل نوي وهو يراها متحمسة، يبدو شاحبًا متعبًا. وكان أورنيس كذلك.
“ما بكما؟ ألا تحبان هذا النوع من الأشياء؟“
“حين نكبر… نصبح سيئين في تحمّل هذه الأمور عمومًا…”
“لكن أورنيس، أنت ما زلت طفلًا، أليس كذلك؟“
“أنا على عكسك ناضج ذهنيًا.”
كان من المفترض أن تكون نوي ناضجة ذهنيًا هي الأخرى.
ومع ذلك، وجدت نفسها مستبعدة فجأة، فتلقّت صدمةً قاسية. واهتزت ضفيرتها التي صففها لها كارديا بخفة.
“ثم إنني لا أحب الألم. لا أريد أن أُصاب بأي جرح إطلاقًا.”
يبدو أن كارديا قد أصاب عنقه بالألم؛ فبينما كان يحمل نوي بذراعٍ واحدة، مدّ يده إلى عنقه وراح يهزّه يمينًا ويسارًا.
كانت تلك الحركة تشبه تصرّفات كبار السن إلى حدٍّ بعيد.
كانت ثياب الجميع مبللة.
لكن ما إن لوّح كارديا بإصبعه بخفة حتى جفّت الملابس في لحظة.
كان ذلك في ضوء شمسٍ صيفية دافئة؛ وحتى لو تُركت الثياب مبللة قليلًا لجفّت بعد حين، إلا أن كارديا كان يرتدي ملابس ضيّقة، ويبدو أن بقاءها مبللة يزعجه.
ففي شؤون الحياة اليومية البسيطة، حتى الساحر يجد تحريك ذراعيه أسهل من استخدام السحر.
فمسح رطوبة الشعر بقطعة قماش أبسط وأكثر أمانًا من تبخيرها بالسحر.
ومع ذلك، كان كارديا يستخدم السحر كما لو كان يتنفس.
حتى حين يرفع نوي بيدٍ واحدة، لو راقبت الأمر بعناية، لوجدت سحرًا مفروضًا بين ذراعه وبين وركي نوي.
لقد ألقى تعويذة طفو على القماش أو الزينة، فترك جسد نوي يعلو بخفة.
سواء كان ذلك سحر الطفو الذي يستخدمه عند حمل نوي، أو السحر الذي يبدّد رطوبة الشعر—
في كل مرة ترى نوي كارديا يستعمل السحر في هذه التفاصيل اليومية الدقيقة، تدرك كم واجه السحر بجدية خلال الفترات التي لم تكن فيها إلى جانبه.
ولا حاجة للقول إن نوي نفسها كانت قادرة على تجفيف الملابس بالسحر. غير أن التعاويذ الصغيرة تتطلب نسجًا دقيقًا وحذرًا.
فهي بارعة في السحر الكبير والجريء وغير المألوف، لكنها من النوع الذي لا يحب نسج السحر الدقيق إلا عند الضرورة القصوى.
وبينما كانت نوي غارقة في أفكارها، قام أورنيس بتثبيت القارب عند الشاطئ.
كان القارب مشمولًا بسحر الإخفاء، بحيث يصعب على الناس العاديين رؤيته. ويبدو أن كارديا لا يريد أن يُرى وهو يتنقّل بين الجزيرة العائمة والأرض.
كما أنه ألبسهم عباءات منسوجة بسحر الإخفاء أيضًا، لكن بما أنهم صاروا على الأرض، لم تعد هناك حاجة لها، فوُضعت في الحقيبة.
“إلى أين سنذهب أولًا؟“
سألت نوي بلهفة وهي ترفع نظرها إلى كارديا.
“إلى قصر الحاكم.”
“ماذا؟! الآن؟! بالفعل؟!”
كان من المفترض أن يذهبوا إلى قصر الحاكم لجلب الكتب. أي أنه بمجرد أخذ الكتب، لن يبقى لهم سبب للبقاء على الأرض.
تقدّمت نوي بوجهٍ متجهم نحو كارديا، تنظر إليه باستطلاعٍ حزين، فضحك كارديا وهو يضع يده على فمه.
أدركت نوي حينها أنها كانت تُمازَح، فعبست وقفزت من ذراعه إلى الأرض.
“آه!”
“اليوم سأمشي.”
كوّنت تعبيرًا متجهمًا، ولم يُرِد كارديا أن يُجبرها على شيء.
وبينما كانوا يمشون، لفت نظر نوي شيءٌ ما.
كان حشرةً صغيرة.
وهي من الكائنات السحرية التي تعيش غالبًا في جماعات، ونادرًا ما تُرى منفردة. وبينما كانت تراقبها باستغراب، اقترح كارديا وكأنه يحاول استرضاءها:
“إذًا، ما رأيك أن نذهب إلى متجر الأدوات؟ لديهم بعض الكتب أيضًا.”
“يبيعون كتبًا؟! في مكانٍ ريفي كهذا؟!”
وُلدت نوي وترعرعت في العاصمة الملكية. هناك، حيث يتجمع الناس، وحيث يوجد الملوك والنبلاء والسحرة، تتكدّس ثروات البلاد، وكان من الطبيعي أن تنتشر المكتبات.
أما هنا، فهو إقليم ريفي ناءٍ. ولم تتخيل نوي قط أن مكانًا يبيع الكتب قد يوجد في أرضٍ تعيش حياة ريفية هادئة كهذه. فبحسب معرفتها قبل مئة عام، لم تكن نسبة المتعلمين في مملكة إيسريا مرتفعة إلى هذا الحد.
“هاي! أيتها الحمقاء! لا ترفعي صوتك!”
سدّ أورنيس فمها بيده، فهزّت نوي رأسها بقوة علامة الاعتراف بالخطأ.
نعم، هذه المرة كانت هي المخطئة.
لكن صوت نوي المرتفع كان قد وصل بالفعل.
التفت بعض المارة ونظروا إليهم بحدة—
ثم تحولت نظراتهم إلى عيونٍ على شكل قلوب.
“أوه! أليس هذا السيد دياس؟!”
“متى عدتَ إلى هنا؟“
انفجرت مجموعة من النساء بالحماس، وبدأن في مناداة كارديا.
اندفعت النساء نحوه، وكأن نوي وأورنيس غير موجودين، وأحطن به من كل جانب.
“سيد دياس، هل حدّدتَ مكان مبيتك الليلة؟ زوجي ليس في البيت اليوم…”
“اصمتي أيتها الفاجرة!”
“وأنتِ أيضًا اصمتي!”
من الواضح أن تصرّفهن لم يكن موجّهًا إلى حاكم الإقليم. بل وحتى الاسم الذي ينادينه به—«دياس»—يشير إلى أن كارديا كان ينتحل هويةً أخرى عند نزوله إلى الأرض.
‘أجل… هذا منطقي، بهذا المظهر.’
ربما كان صعوده إلى الجزيرة العائمة مرتبطًا أيضًا بثبات مظهره. فملامح كارديا توقفت عند سن السادسة والعشرين أو السابعة والعشرين.
وما دام حاكمًا يبقى في هذه الأرض، فلن يستطيع تجنّب التعامل مع الناس. ولو قيل إنه اختبأ في السماء لهذا السبب، لكان ذلك مفهومًا.
“آسف يا سيدات.”
رفعت كفّ كبيرة نوي التي كانت مُهمَلة، ثم أعادها إلى موضعها المعتاد بين ذراعيه، وابتسم للنساء المتجمهرات.
“لأنني اليوم برفقة عروسي.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 24"